في هذا اللقاء الذي أجرته مجلة «تايم» الأميركية مع الروائي الأميركي الشهير ستيفن كينغ بمناسبة صدور روايته الجديدة «دوما كي»، يتناول هذا المبدع متعدد المواهب الملامح الأكثر بروزاً في هذه الرواية، ويلقي الضوء على السر في اهتمام مخرجي الأفلام بأعماله الروائية والقصصية على السواء، مشيراً إلى الإطار البصري الذي صيغت فيه هذه الأعمال.

ويتطرق إلى ما تردد عن اعتزامه التقاعد وهجر الكتابة، مشيراً إلى أن ما طرحه في هذا الصدد كان قد تزامن مع المتاعب التي تعرض لها في أعقاب حادثة السيارة الشهيرة، وأنه عندما تراجعت سحب هذه المتاعب عن حياته تراجع كذلك تفكيره في الاتجاه إلى التقاعد بصورة كاملة. وفي ما يلي نص الحوار:

* في أي إطار تندرج روايتك الجديدة «دوما كي»؟ هل أردت أن تنفي بها ما تردد عن اعتزامك التقاعد والتوقف عن الكتابة؟

ـ عندما قلت لإحدى الصحافيات العاملات في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» إنني ربما أتقاعد، كنت لا أزال في مرحلة العلاج من الحادثة التي تعرضت لها، وكنت أعاني ألماً مبرحاً، وأتعرض للكثير من الضغط للانتهاء من رواية «البرج المظلم». وعند ذلك المنعطف بدا التقاعد شيئاً جيداً. ولكن عندما انحسر الألم وانتهى العمل في «البرج المظلم» بدأ التقاعد يبدو سيئاً. وشرعت في العمل في رواية «دوما كي» وكانت هناك أيضاً المسرحية الغنائية التي اشتغلت عليها. إنني مثل ترافيس ماكجي، يمكنني أخذ التقاعد على مراحل.

وأنا أمضي حالياً وقتاً طيباً، وعندما شاهدت العرض الأول لفيلم «الغمامة» حدثت نفسي بأن حياتي ليست حياة سيئة، وهناك من يضعون أصابعك على مفاتيح المعزوفة التي تحبها ويقولون لك إن تلك مهمتك من الآن فصاعداً، أن تعزف لبقيتنا، فأنت الفتى المكلف بهذا، وما عليك إلا أن تبدع القصص والروايات. فما الذي لا يحبه المرء في هذا؟ حسناً، في بعض الأحيان هناك مادة للكتابة والكثير من المقابلات، وفي بعض الأحيان يثقل عليك ذلك، ولكن كل شيء يبدو جيداً في معظم الأحيان.

في ما يتعلق برواية «دوما كي» فإن القارئ يجد نفسه على امتداد صفحاتها وجهاً لوجه مع عناد الحب، مخاطر الإبداع، الغاز الذاكرة وجوهر ما هو فائق للطبيعة، وبالتالي فهو حيال رواية فاتنة بقدر ما هي آسرة ومخيفة في آن.

* نلاحظ أن هذه الرواية تنطلق من حادثة رهيبة.

ـ نعم، إنها حادثة رهيبة في موقع بناء يفقد فيها إدجار فريمانتل ذراعه اليمنى، وتؤثر على ذهنه وذاكرته، ولا تدع له شيئاً إلا الشعور بالحنق والغضب الشديدين، في ما هو يبدأ عملية التأهل الصحي بكل ما فيها من محن، وسرعان ما ينتهي زواجه الذي أسفر عن ابنتين جميلتين، ويتمنى لو أنه لم تكتب له النجاة من الحادثة، ويقترح عليه طبيبه النفسي ما يسميه بعلاج جغرافي، أن يبدأ حياة جديدة بعيداً عن عالم البناء والمقاولات.

حيث يمارس الشيء الوحيد الذي يمنحه السعادة وهو الرسم في منطقة دوما كي الواقعة على ساحل فلوريدا، وهناك يعكف على لوحاته، حيث تنفجر موهبته ويغدو الرسم في بعض الأحيان عملاً محموماً، وتوحي لوحات عديدة من إبداعه بقوة لا سبيل إلى السيطرة عليها، ويلتقي باليزابيث التي يكشف ماضيها عن الكثير من ملامح الرعب التي تعود إلى سنوات الطفولة.

* «الغمامة» هو الفيلم الثالث الذي أنجزته مع فرانك دارابونت، الفيلم الثالث الذي أخرجه على أساس إحدى رواياتك.

ـ حسناً، إنه العمل الرابع. وكان قد أخرج فيلماً قصيراً عن قصة لي بعنوان «المرأة في الحجرة» وكان ذلك وهو في أوائل العشرينات من عمره عندما كان يحاول النفاذ إلى عالم السينما. وشأن الفيلم الذي أعقبه وهو «الخلاص» فإنه لم يكن فيه أي عنصر من العناصر الفائقة للطبيعة على الإطلاق.

* هل أنتما بمثابة توأم إبداعي؟ هل يحول رواياتك إلى أفلام بشكل أفضل من أي مخرج آخر؟

ـ إنه يفعل ذلك بصورة جيدة حقاً، وذلك على الرغم من أن هناك آخرين حولوا رواياتي إلى أفلام وكنت سعيداً بالنتائج التي توصلوا إليها، ولكن الشخص الوحيد الذي يمكنني القول إنه عاد إليّ لتقديم أعمال أخرى وجعلني فخوراً حقاً، بخلاف فرانك، هو روب راينر الذي أخرج «قف بجانبي» ثم عاد فأخرج «اللغز». وفرانك يقول: «إنني لدي أضيق تخصص سينمائي في العالم، فأنا لا أخرج إلا أفلاماً عن السجن كتبها ستيفن كينغ». وقد تحدث كثيراً عن مدى اعتزازه بإخراج «الغمامة» وخروجه من ذلك الإطار. ولكنني قلت له: «فرانك، إنها لا تزال قصة تدور حول أناس في السجن، وكل ما هنالك أنهم في سجن في سوبر ماركت».

* هل هو بسبيله إلى إخراج المزيد من رواياتك؟ هناك الكثير منها لم يتم تحويلها إلى أفلام بعد.

ـ لقد وقع خياره على قصة قصيرة تحمل عنوان «القرد».

* هل هي القصة التي أبرزت على غلاف الطبعة الورقية من مجموعة «الطاقم المؤلف من هياكل عظمية»؟

ـ نعم، وهو يود أن يخرج «المسيرة الطويلة»، وهو أحد الأعمال التي تحمل اسم باتشمان (وهو اسم أدبي يكتب كينغ تحته)، ولكن «المسيرة الطويلة» عمل حافل، بحيث إنه يجعل «الغمامة» تبدو رواية للناشئة.

* يتمثل جانب مهم من «الغمامة» في ذلك النص الضمني الذي يدور حول كيف أن الخوف يجعل الناس لاعقلانيين. كيف تعتقد أن هذا البعد يفرض حضوره في العالم اليوم؟

ـ حسناً، هذا البعد موجود على الدوام. إن ما تذكرني به الغمامة هو ضحية كبيرة ومثيرة من «الوحوش ميبل ستريت»، حيث تقوم تلك الكائنات الغريبة بتجربة لرؤية تأثير الخوف على البشر. وفي «الغمامة» نجد أن هناك حقاً كائنات من هذا النوع، وهي تظهر في ماي ستريت في بلدة صغيرة. ولنسلم بأن الموقف غير واقعي.

ولكن جمهوراً يقول: «ها هنا مكان جيد وغير مؤذ يمكنني أن أجري فيه تجربة على ما سأفعله في غمار كارثة». ويبدو هذا الجانب مهماً بصفة خاصة إذا كانت الكارثة مستعصية تماماً على التفسير. ولكن في العالم الواقعي إذا حلت بنا كارثة فإنها تبدو لي على الدوام قابلة للتفسير.

* كانت هناك أفلام كثيرة ومسلسلات قصيرة مأخوذة عن قصصك، ولكن بعضها كان شديد الرداءة إلى حد بعيد، ومنها على سبيل المثال «السائرون نياماً» و«أحياناً يعودون» والعديد من الأجزاء الثانية من أعمال سابقة.. إلخ. كيف تحافظ على جودة النوعية؟ هل تحاول القيام بذلك؟

ـ سأكون مجنوناً لو أنني حاولت القيام بذلك، فأنا لا أحاول الحفاظ على جودة النوعية، باستثناء محاولتي إشراك أناس جيدين. وجوهر المسألة هي أنك عندما تجمع سيناريو ومخرجاً وكل المتغيرات الأخرى، فإنك لا تعرف حقاً ما الذي سينتج عن ذلك، وهكذا فإنك تبدأ بفكرة قوامها أن المسألة مثل لعبة البيسبول، فأنت تضع أفضل فريق في الملعب وأنت تعرف أنك في الغالب ستفوز، وفي حالتي فإن الكثير من الأفلام كانت في الغالب أفلاماً جيدة، إذا استثنينا أفلاماً مثل «العودة إلى قدر قرية سالم» و«أطفال الذرة 4» و«أطفال الذرة يلتقون ليبرتشون»، إذا اهتممت بذلك فإنك في معظم الأحيان سيكون لديك شيء مثير للاهتمام على أي حال.

* لماذا تعتقد أن المبدعين السينمائيين مولعون أشد الولع بأعمالك؟

ـ لأنها أعمال بصرية، فقد نشأت وسط الأفلام، وشاهدت الأفلام قبل أن أكتب. وقد اعتاد أول محرر لأعمالي وهو بل تومسون أن يقول ضاحكاً: «لدى ستيفن كينغ جهاز عرض أفلام في رأسه». والمبدعون السينمائيون يتجاوبون مع هذا الجانب. وهم ينظرون، لأنهم بدورهم مخلوقات بصرية، ويقولون: «إنني أحب أن أخرج تلك الرواية». وهم في بعض الأحيان يدخلون رؤوسهم في هذه الأنشوطة، لأنه من الأسهل تصور هذه الأعمال في ذهنك مقارنة بتقديمها على الشاشة.

محطات في مسيرة كينغ

* ولد الروائي ستيفن إدوين كينغ في بورتلاند بولاية مين الأميركية في عام 1947، ودرس في جامعة مين في أورونو، وانخرط في العمل السياسي، وعمل بالتدريس، ودعم دخله المحدود بكتابة قصص قصيرة للنشر في المجلات، وفي عام 1973 قبلت روايته «كاري» للنشر، وحصل على عائد من طبعاتها ذات الغلاف الورقي يكفيه للتخلي عن الاشتغال بالتدريس والتفرغ للكتابة الإبداعية.

* كانت كاري هي مقدمة نهر هائل من الكتابة الإبداعية شمل حتى الآن أربعين رواية وعدداً كبيراً من القصص القصيرة تحول معظمها إلى أفلام ومسلسلات قصيرة بارزة، أبرزها «كاري»، «البريق»، «البؤس»، «الكائن»، «الخلاص» و«الميل الأخضر».

* ألف عدداً من الكتب التي لا تنتمي إلى عالم القص، بما في ذلك سيرة حياته الذاتية وكتاباً بعنوان «حول الكتابة».

* إلى جوار إبداعاته في عالم الإثارة والرعب عبر الروايات وسيناريوهات الأفلام والمسلسلات القصيرة والمسرحيات يعزف كينغ في فرقة «روك بوتوم رميندرز» ويساهم في فعاليات قبيلة السوكس الهندية الحمراء ويساهم في حشد هائل من الأعمال الخيرية، وقد ألف العديد من الكتب تحت الاسم الأدبي ريتشارد باتشمان.

* فاز بالعديد من الجوائز وألوان التكريم، أبرزها وسام المؤسسة الوطنية الأميركية للكتاب عن مجمل مساهماته في الأدب الأميركي.

منى مدكور