مؤلف هذا الكتاب هو عبدالله بشارة أول أمين عام لمجلس التعاون الخليجي وقد عمل بالسلك الدبلوماسي منذ عام 1961 وأصبح مديراً لمكتب وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد من 1961 وحتى 1971 ثم عين مندوباً للكويت في الأمم المتحدة ومثل الكويت في جميع مؤتمرات عدم الانحياز والعربية والإسلامية.
ولبشارة العديد من المؤلفات منها تجربته في الأمم المتحدة التي صدرت تحت عنوان «عامان في مجلس الأمن» وتجربته كأمين عام لمجلس التعاون التي صدرت في كتاب «بين الملوك والشيوخ والسلاطين». ومن هنا فإن الكتاب الذي نعرض له يمثل حصاد خبرة طويلة في العمل الدبلوماسي. بدءا من لحظة استقلال الكويت يصحبنا المؤلف في رحلة تاريخية يقدم لنا ما يصفه بحروب الكويت الدبلوماسية مشيرا إلى شعوره بأن أحداث الفترة التي أعقبت استقلال الكويت مباشرة لم يتم تدوينها بشكل يتفق مع أهميتها ودورها اللاحق في التأثير على سير الأحداث لا سيما الفترة التي رافقت عضوية الكويت في الجامعة العربية.
ومن مسعى الانضمام إلى الجامعة العربية ومسعى عبد الكريم قاسم رئيس وزراء العراق آنذاك لضم الدولة الوليدة نفسها يستعرض المؤلف تطورات تلك الفترة حيث يركز على مساعي الكويت الدبلوماسية لتقويض إدعاءات قاسم وهي معركة، على ما يذكر بشارة، خاضتها الكويت بخبرة حديثة وبكفاءات قليلة وبإمكانات شحيحة.
ويسلط الكتاب الضوء على تموجات المواقف في المجموعة العربية وعلى ما دار في جلسات مجلس الأمن، كما يقدم مسار تنفيذ قرار الجامعة العربية بتشكيل قوات عربية فعالة لتساعد الكويت في التصدي لنوايا قاسم وتحليل مستخلص من الوثائق البريطانية عن فعالية هذه القوات ونجاحها وتأثيرها الإقليمي ومدى اعتماد الكويت على قدرتها مع تعليقات مستخرجة من الوثائق البريطانية عن الوضع العام في المنطقة، في ضوء ما يراه من أن تشكيل هذه القوات وحياتها في الكويت هي جزء من تاريخ الكويت الحديث لم يعط حقه من البحث والتحليل.
ويقدم بشارة في الفصل الأول نصوص مجموعة رسائل توثق لموضوعه وبدايات الاستقلال ومنها اعتراف الحكومة البريطانية بحدود الكويت كما حددها الشيخ أحمد الجابر في رسالة له أبريل 1923، ورسالتان من رئيس وزراء العراق ومن حاكم الكويت تؤكدان الحدود الكويتية - العراقية في 21 يوليو 1932. ثم يستعرض مواقف الدول العربية من ادعاءات قاسم ومنها موقف مصر والسعودية وماتلاها من ردود فعل رافضة لهذه الإدعاءات من قبل دول أخرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة.
وإزاء ما بدا من نوايا عراقية بدا معه ان الوضع خطير استلزم كل الوسائل المتاحة لردع اللواء قاسم انتهجت دول الكويت استراتيجية من منطلقين المنطلق الأول تجاوز الاستفزاز العراقي ورد طموحات قاسم عبر تفعيل معاهدة التفاهم المشترك مع بريطانيا والمنطلق الثاني هو نيل الاعتراف الدولي والعربي باستقلال الكويت حيث قدمت الكويت في 23 يونيو 1961 طلب الانضمام إلى كل من الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة.
ثم يستعرض بعد ذلك ما تم في اجتماعات مجلس الأمن لبحث طلب الكويت الانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة والمداولات التي تمت خلالها. فاستجابة لطلب الكويت بحث التهديدات العراقية بدأت بريطانيا المشاورات لمتابعة الشكوى مدعومة من قبل الولايات المتحدة . وبناء على ذلك قرر المجلس عقد اجتماع طارئ يوم الأحد 2 يوليو وهو يوم اجازة لا تعمل فيه الأمم المتحدة إلا عندما تنفجر أزمة لها تبعات أمنية تؤثر على السلم والأمن الدوليين.
ويشير في سياق هذا الاستعراض إلى دور سوفييتي في دعم قاسم مستشهدا ببعض المذكرات في هذا الخصوص مضيفا أن الكويت تضررت بالحرب الباردة وأن الموقف السوفييتي كما أظهرته الوثائق كان جزءا من تكتيكات تلك الحرب، وهو ما ظهر واضحا من خلال مداولات المجلس لبحث طلب انضمام الكويت إلى مجلس الأمن. وبعد عدة جلسات انتهت شكوى الكويت 7 يوليو عام 1961 بفيتو روسي قتلها بلا اعتبار للحقائق.
ويوضح أنه مما قد يكون ألقى بظلاله خلال المداولات موقف الجمهورية العربية المتحدة والذي يصفه بأنه لم يكن ايجابيا رغم رفضها الضم إلا أنها كانت تعارض الوجود البريطاني. ورغم ذلك يخلص إلى ان الشكوى أفادت الكويت التي حصلت على اهتمام العالم وعلى التعريف بمشكلتها مع اللواء قاسم وعلى تأييد المجتمع الدولي بالحفاظ على استقلاليتها وسيادتها مع رفض لإدعاء العراق فيها.
ثم ينتقل المؤلف من هذه القضية التي مثلت مرحلة محورية في نشأة الدولة الكويتية إلى قضية أخرى تتعلق بإشكاليات انضمام الكويت إلى الجامعة العربية. ففي 29 يونيو تقدمت بمذكرة تطالب فيها بعقد اجتماع لبحث طلب انضمامها، غير أن العراق أعلن اعتزامه الانسحاب اذا قبلت الكويت عضوا بالجامعة وطالبت الحكومة العراقية بإلغاء اجتماع الجامعة المزمع عقده بعد يومين وذلك في أوائل يوليو 1962.
وهو ما أضطر مع الأمين المساعد للجامعة الدريدي اسماعيل إلى سحب تصريح سابق له بأن الجامعة ستجتمع في يوليو لبحث انضمام الكويت، بعد أن نفى الأمين العام للجامعة عبد الخالق حسونة أن يكون قد تقرر عقد مثل هذا الاجتماع. وكان واضحا، وفق رواية بشارة، أن الأمانة العامة كانت تأمل بتأخير درس قضية الكويت ريثما يهدأ الوضع.
في تلك الأثناء تبلور موقف مصري رافض للتوجهات العراقية وهو ما تجلى في بيان يصفه بشارة بأنه كان إنذارا إلى حكومة العراق لكي لا تلعب بالنار تعليقا على ما رصدته القاهرة من أخبار عن الحشود ورفض للجوء إلى القوة بين العرب في ازماتهم. وسط هذا التوتر كان طلب الكويت المساعدة من بريطانيا .
ولتوضيح الموقف الكويتي تحدث الشيخ عبد الله السالم أمير الكويت مع رئيس تحرير الأخبار المصرية لتبديد الهواجس كما قام وفد كويتي بجولة لشرح الحقائق ضمن الجهود الدبلوماسية التي حرصت حكومة الكويت على اتباعها بمعالجة الأزمة. وقد بدأ الوفد زياراته بالسعودية ثم القاهرة حيث كانت الكويت تعلق آمالا كبيرة على الموقف المصري وقد أبدى الرئيس عبد الناصر تفهما لوجهة النظر الكويتية بشأن إنزال القوات البريطانية.
وهنا يذكر بشارة أن الحقيقة التي لا تقبل النقض هي أن موقف عبد الناصر وتأليبه للدول العربية وللرأي العام العربي ضد العراق ونجاحه في تحريك المعارضة الخارجية والداخلية ضد قاسم أدت إلى تشكيل قوة ضغط عربية ودولية ضد الإدعاءات العراقية وأدت إلى أضعاف الموقف العراقي وإفشال مخططاته العربية والدولية.
أما في السودان فقد وافقت الخرطوم دون تحفظ على عضوية الكويت ويقدم لنا المؤلف تفاصيل مختلف الزيارات التي قام بها الوفد والمساندة التي لمسها في مختلف الدول العربية، وإن كان يشير إلى تشكك الوفد في موقف إحدى الدول العربية حيث لمس لديها اتجاها إلى استغلال الأزمة لمصالح مادية وسياسية وذلك من حيث الإفادة من دخل الكويت من جهة ولإدخال الكويت في تكتلات عربية من جهة ثانية.
ثم ينتقل بنا بشارة بعد ذلك إلى مرحلة ما بعد الاستقلال وعضوية الجامعة العربية وكونها على أهبة الدخول في هيئة الأمم المتحدة مشيرا إلى بدء التهيئة لتبادل التمثيل السياسي والقنصلي حيث بات من الواجب ان تكون هناك وزارة للخارجية مدعمة بالأكفاء من الرجال المخلصين، كما أن الشؤون الخارجية أصبحت كثيرة التعقيد متعددة الجوانب وتستلزم جهازا منظما يتصف إلى جانب الكفاءة بالسرية التامة كما يتصف بالقدر على إدراك التيارات السياسية واتجاهاتها سواء في العالم العربي أو في العالم أجمع.
وفي سياق استعراضه لحروب الكويت الدبلوماسية يشير المؤلف إلى حالة الاستقطاب التي كان يحياها النظام الدولي في ذلك الوقت وانعكست في تكتلات إقليمية ودولية وهو ما حاولت الكويت النأي عنه وبالأخص من الكتلة التي شعرت الكويت أنها تعمل لجذبها اليها واستغلالها لصالحها وليس العمل من أجل مصلحة الكويت، فكان الحرص على التأكيد على عدم الانضمام لأي كتلة معينة وأن ما يسير الدولة الكويتية هو مصلحتها في نطاق مصلحة الوطن العربي الكبير.
وقد طورت الكويت من موقفها وانغماسها في العالم العربي من خلال الإسهام في المشروعات الاقتصادية والإنمائية حتى تثبت فعاليتها ومقدرتها على تحمل أعبائها بين مجموعة الدول العربية. ومن بين المعارك التي يتطرق لها المؤلف قضية الفيتو الثاني من قبل الإتحاد السوفييتي فبعد إتمام انسحاب القوات البريطانية في منتصف أكتوبر عادت الدبلوماسية الكويتية طرق أبواب الأمم المتحدة لتأكيد حقها في عضوية الكويت في الأمم المتحدة غير أن ذلك قوبل بفيتو سوفييتي ثان بعد الأول في السابع من يوليو 1961 بعد أن نفذت الكويت الشرطين اللذين وضعتهما الجامعة العربية وهما سحب القوات البريطانية ووصول قوات عربية.
ثم ينتقل بنا إلى واقع القوات العربية فيشير إلى تحمس بلاده لاستقبال هذه القوات وقبولها بالقواعد التي وضعتها الجامعة في حدود 3000 إلى ثلاثة آلاف و500 جندي وكانت على استعداد لقبول أكبر عدد من أي دولة وتركت القيادة للمملكة العربية السعودية والإشراف العام للجامعة وتولت مصاريف الإعاشة والنقل.
وقد ظلت القوة منذ وصولها سبتمبر 1961 وحتى رحيلها في نهاية 1962 دون خطة واحدة و دون تمارين مشتركة أو مناورات وفق تصور واحد، ومارست كل وحدة استقلال دون رابط، واستوطنت القوة العربية على الحدود يليها الجيش الكويتي في المطلاع كخط ثان، ويبدو من الاستنتاج أن قيادة الجيش الكويتي حددت أهمية القوة العربية في رمزيتها وليس في قدرتها القتالية وفي ردعها السياسي وليس صلاحيتها العسكرية، وهو ما يبدو من أحكام اللواء مبارك العبد الله الجابر نائب القائد العام على القوة وعلى معاناة القوات المسلحة الكويتية من مصاريف القوات العربية الأمر الذي أدى إلى برنامج التخفيض وما سببه من تصدعات في تشكيل القوة وأدى إلى تلاشيها.
وقد انسحبت في البداية القوة المصرية ولم يثر ذلك جدلا في الأوساط العسكرية الكويتية حيث كان الرد بأنها قوة فنية يمكن التعويض عنها. ثم كان الانقلاب العسكري المفاجئ في بغداد حيث وفر على الكويت التفكير في بدائل رمزية تحل مكان القوات العربية المنسحبة. ويختتم المؤلف كتابه باستعراض تفاصيل نجاح الكويت أخيرا في 7 مايو 1963 في الانضمام إلى الأمم المتحدة وسط أجواء بدت مختلفة إلى حد ما عن سابقتها.
ألفت عبد الله
*الكتاب:حروب الكويت الدبلوماسية
*الناشر:المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت 2007
*الصفحات:383 صفحة من القطع الكبير

