تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يدرس التطورات السياسية الداخلية التي شهدها العراق خلال الفترة الممتدة من ثورة 14 يوليو 1958 إلى انقلاب 8 فبراير 1963 دراسة علمية موثقة، استناداً إلى العديد من الوثائق والمذكرات والمقابلات مع شخصيات سياسية عراقية عايشت تلك الفترة، وكانت منخرطة في أحداثها، فضلاً عن الجهود التي بذلها الباحثون والمؤرخون الذين تناولوا جوانب أخرى من حياة العراق السياسة في الحقبة المدروسة.
يبدأ المؤلف بتناول الأوضاع السياسية والتطورات التي شهدها العراق منذ عام 1941، والنشاط السياسي للأحزاب العلنية والسرية، وقيام جبهة الاتحاد الوطني عام 1957 وعلاقتها بتنظيم الضباط الأحرار. ويرى بأن العراق عانى خلال فترة الحكم الملكي من سرعة تبدل الحكومات، الأمر الذي أدى إلى عدم استقرار وثبات القرارات، والإجراءات التي اتخذتها الحكومات أثناء عملها. فحينما تسلم صالح جبر الوزارة تجددت الحركات المسلحة في كردستان، وبعد انهيار جمهورية مهاباد الكردية في ديسمبر 1946 طلب ملا مصطفى البارزاني العفو عنه للعودة إلى العراق، إلا أن الحكومة رفضت طلبه، فاضطر إلى الانسحاب باتجاه الحدود واللجوء إلى الاتحاد السوفييتي.
وشهدت الفترة بين 1950 - 3591 تصاعداً في الإضرابات العمالية، والانتفاضات الفلاحية، والدعوة إلى إصلاح الأوضاع الداخلية أو تغيير نظام الانتخابات من النظام غير المباشر إلى النظام المباشر. وقد صاحب هذه الدعوة تصاعد في الإضرابات التي قام بها السجناء السياسيون. وكان إضراب طلاب كلية الصيدلة والكيمياء في 26 تشرين الثاني 1952 القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث حاول المتظاهرون الهجوم على السفارة البريطانية، وطالبت الجماهير بحكومة وطنية، وبتأميم النفط، وبسقوط الملكية.
فاضطر البلاط الملكي إلى تكليف رئيس أركان الجيش الفريق الركن نور الدين محمود بتشكيل الوزارة، وقد تمكن من السيطرة على الموقف بالقوة. وتصدت الأحزاب الوطنية لوزارة ارشد العمري الثانية التي تشكلت في 29 أبريل 1954 لماضيه القمعي ولمناوئته الشديدة للحركة الوطنية.
وعندما أعلنت الحكومة عن حل المجلس النيابي والشروع بإجراء الانتخابات النيابية عام 1954، دعت الأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية السرية والعلنية لمواجهة سياستها التعسفية، فعقدت اللقاءات السياسية التي تمخض عنها تأسيس جبهة وطنية للمشاركة في الانتخابات، وأصدرت الجبهة ميثاقاً وطنياً نصّ على إطلاق الحريات الديمقراطية، وإلغاء معاهدة 1930، ورفض المساعدات الأميركية، والعمل على إلغاء امتيازات شركات النفط الاحتكارية وحل المشكلات الاقتصادية.
غير أن السنوات الأربع التي سبقت ثورة 14 يوليو 1958 هي السنوات الحرجة، إذ كان نوري السعيد في أثنائها يهيمن على حياة البلاد السياسية هيمنة لا نظير لها سابقاً على الرغم من أنه لم يكن رئيس وزراء فيها دائماً. إنه خلف تلك اللعنة الموروثة التي أعجزت خلفاءه من اتباع سياسات خاصة بهم.
لقد كان حكم نوري السعيد استبدادياً قضى فيه على كل نشاط سياسي، وهو يعتمد على دعم الجيش وعلى كفاءة إجراءات الأمن، مقللاً من شأن السخط الشعبي، فقد بلغت ميزانية الشرطة سبعة ملايين دينار ونصف المليون وبلغ عدد رجال الأمن 24 ألف شخص، معظمهم من المختارين ومن الطلبة ورجال الجيش وحتى من الوزراء أنفسهم، حتى أصبح مصير كل شخص، دراسته وعمله رهناً بإدارة الشرطة.
ويرى المؤلف أن التطورات السياسية في الأقطار العربية، ولاسيما مصر، قد أثرت في الأوضاع الداخلية في العراق وتطورها، وما كان يثير أعمق عواطف الحنق والنقمة وتوحد اتجاهات الرأي العام المتباينة، هو سياسة الحكومة العراقية تجاه مصر خاصة بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 فيها، والذي كان حدثاً مؤثراً له أبعاده الثورية في نفوس الجماهير العراقية، حتى أن التيار الشعبي المؤيد لجمال عبد الناصر، الذي تولى قيادة حركة قومية عربية نشطة في العراق، قد وصل حداً جعل من المتعذر على نوري السعيد والعهد الملكي كله البقاء في العراق دون دعم من الغرب.
وبعد سلسلة من الاتصالات تشكلت قبل نهاية سنة 1956 لجنة عليا ضمت عشرة ضباط، منهم: الزعيم الركن محيي الدين عبد الحميد الذي انتخب رئيساً للجنة، ورجب عبد المجيد الذي انتخب أمين سر لها، والعقيد الركن ناجي طالب والعقيد المتقاعد طاهر يحيي، والمقدم وصفي طاهر، والمقدم الركن عبد الكريم فرحان.
وتبنت اللجنة جملة من القواعد في عضوية الحركة، وتنظيم أساليب العمل التي اتصفت بالمركزية الشديدة والاعتماد في النهاية على خلايا أساسية متناهية الصغر. وزرع الضباط الأحرار دعاتهم ومناصريهم في معظم وحدات الجيش ومقراته. وبلغ عدد الضباط الأحرار بنحو 203 ضباط عشية الثورة، وعقدت اللجنة العليا في أثناء المدة من (ديسمبر 1956- 10 يوليو 1958) ما لا يقل عن 40 اجتماعاً.
وفي 14 يوليو قام انقلاب عسكري، ترافق بتحرك شعبي اسقط النظام الملكي، وأعلن قيام الجمهورية العراقية، ويبحث المؤلف في طبيعة النظام السياسي والدستوري لنظام الحكم الجديد، وواقع السلطات في العراق الجمهوري، وجهاز الحكم الذي قام في إثر الثورة وكيفية بروز النهج الفردي لرئيس الوزراء وتبلور ظاهرة «الزعيم الأوحد» في شخص عبد الكريم قاسم.
ويبرز في هذه الفترة ازدياد نفوذ الحزب الشيوعي العراقي، ومسألة استيلائه على السلطة مستفيداً من الصراع الذي حدث بين الزعيم العميد الركن عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام محمد عارف، ومن المنظمات الشعبية والمهنية النقابية التي سرعان ما غدت واجهات معروفة للحزب الشيوعي العراقي.
وقد أثار ذلك حفيظة الأحزاب القومية، وخصوصاً حزب البعث العراقي، حيث حدثت مواجهة دموية بينهما سنة 1958، ابتدأت بالموقف من إقالة عبد السلام عارف وحركة رشيد عالي الكيلاني واستقالة الوزراء القوميين، وامتدت إلى قيام حركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف الانقلابية في 8 مارس 1959، وما أعقبها من أحداث في كركوك، وأخيراً محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وتأثيراتها ونتائجها.
وقد جرت عدة محاولات للقوى القومية، وخاصة حزب البعث العراقي، من أجل إسقاط حكم عبد الكريم قاسم، الذي نجح في تنفيذ انقلاب 8 فبراير عام 1963. ويعتبر المؤلف أن عبد الكريم قاسم قد فشل في سياسته الداخلية، وأحد أسباب سقوطه هو أنه زجّ البلد في طريق لا يمكن أن يؤدي إلا إلى التمزيق والانقسام، وقد وعد بإصدار دستور دائم ووضع نظام انتخابي لكنه لم ينجز وعده، ثم أشار في خطابه بمناسبة عيد الجيش في 6 يناير 1963 إلى تلك الوعود، لكنه لم يفعل ذلك، وبقي نظام الحكم عسكرياً فردياً.
ويرى المؤلف أن السياسة الداخلية التي اتبعها عبد الكريم قاسم في سياسته الداخلية، شكلت أحد أسباب سقوط نظامه، ذلك أنه زج البلد في طريق لا يمكن أن يؤدي إلا إلى التمزيق والانقسام. وقد وعد بإصدار دستور دائما ووضع نظام انتخابي، لكنه لم ينجز وعده، وأشار في خطابه بمناسبة عيد الجيش في 6 يناير 1963 إلى تلك الوعود، لكنه لم يفعل ذلك، وهكذا بقي نظام الحكم عسكرياً فردياً. وكان قاسم يشارك عدداً من قادة الجيش الآخرين في الوقوف ضد كل فكرة تدعو الضباط إلى التخلي للمدنيين عن السلطة.
غير أن نقطة الضعف الكبرى في نظام الحكم خلال الفترة الممتدة من 14 يوليو 1958 إلى 8 فبراير 1963، تكمن في شخصية عبد الكريم قاسم نفسه، كونه كان رجلاً متقلب الأطوار حاد الطبع، مضطرب الشخصية، يدعي علناً بأنه القائد الأوحد، وكان إيمانه بقدراته ثابتاً لا يتزعزع، ولا يتصور أن هناك قوة باستطاعتها الإطاحة به وبنظام حكمه، بدليل أنه كان على معرفة بنية حزب البعث الانقلابية وعلى اطلاع ومعرفة بما كان يخطط لنظامه.
بالمقابل، يرى المؤلف أن ثورة 14 يوليو 1958 قد حققت رغم المشاكل والصعوبات والتعقيدات التي جابهتها، الكثير من المنجزات في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. ولم ترق تلك المنجزات للعديد من القوى المعادية للتطور لذا قامت بمحاولات لعرقلته. ويعتبر نظام عبد الكريم قاسم على نواقصه نظاماً وطنياً، كما لم يكن قاسم زعيماً مكروهاً من قبل كل الشعب بدليل أن آلافاً مؤلفة ظلت تهتف له حتى اليوم الأخير من حياته.
ومن المعروف على نطاق واسع أيضاً أن المهاجمين على وزارة الدفاع حملوا على دباباتهم صوره ليوحوا للجموع المحتشدة بأنهم من أنصاره، أي أن قاسم بات معزولاً عن القوى السياسية الفاعلة في الميدان، بل عن جموع الشعب الذي ظل قطاع واسع منه يحتفظ له في ذاكرته بصورة إيجابية عموماً سواء كان ذلك بدوافع عاطفية، أم بدوافع مادية حقيقية.
وهذا تحديداً يفسر لنا حقيقة صعوبة القضاء على نظامه قياساً بما حدث لنظام عبد الرحمن عارف الذي قضى عليه البعثيون وشركاؤهم بسهولة في 17 يوليو 1968. وبالرغم من كل ذلك يرى المؤلف بأنه لا يمكن تبرئة عبد الكريم قاسم من كل ما حدث خلال فترة حكمه، لأنه كان الرئيس وقائد الجيش، وكان بإمكانه منع دخول العراق وشعبه في ذلك النفق المظلم الذي ابتدأ منذ يوم 8 فبراير1963.
عمر كوش
*الكتاب:العراق - دراسة في التطورات السياسية الداخلية 14 يوليو 1958 - 8 فبراير 1963
*الناشر:دار الزمان ـ دمشق 2008
*الصفحات: 544 صفحة من القطع الكبير
