بشار إبراهيم ناقد سينمائي فلسطيني مقيم في سوريا، صدر له العديد من الكتب منها: رؤى ومواقف في السينما العربية، نظرة على السينما الفلسطينية في القرن العشرين، عبد الناصر والسينما، ثلاث علامات في السينما الفلسطينية الجديدة.
في كتابه هذا الذي جاء أغلبه على شكل حوارٍ مع شيءٍ من تحقيقٍ أجراه مع الفنان دريد لحام؛ يعتبر أنّ هذه الثنائية كانت محفوفة بالمغامرة، حتى بدا للحظةٍ أنّها غير وارثة لأيّ من التجارب الفنية التي سبقتها. كأنّما هي تجربة بلا أب، ولدت من لدى فنانين التقيا صدفة، في رحاب تلفزيونٍ وليد، معدوم الخبرة العملية، فقير التجربة الفنية ؛ ذلك في أوّل يومٍ لافتتاحه الذي صادف 23 تموز 1960، وكان مقرُّه حينها في جبل قاسيون، حيث التقى نهاد قلعي مع دريد لحام في برنامج (الأسرة السعيدة) إذ لم يدر بخلد نهاد أنّه سيرتبط ودريد مع بعضهما كثنائيٍ فنيٍ لبضعة عشر عاما.
وقد قدّم نهاد ودريد منذ عام 1960 وحتى عام 1976، وهو عمر تجربتهما الإبداعية المشتركة، مجموعة من الأعمال التلفزيونية والمسرحية، كما قدّما مجموعة من الأفلام السينمائية. ففي سنة 1961 قدّما على مسرح نادي الضباط في دمشق مسرحية(عقد اللولو) التي كانت من تأليف دريد لحام وسيناريو نهاد قلعي، وعرضها التلفزيون على الهواء مباشرة.
ثمّ قدّما أوّل عملٍ تلفزيوني مشترك بعنوان (مقالب غوار)، ثمّ (جمام الهنا)، ثمّ (صح النوم)الذي حقّق جماهيرية واسعة في الوطن العربي، وجعل اللهجة الشامية مفهومة بعد أن كانت اللهجةُ المصرية هي السائدة. عن أفلامه مع دريد يقول نهاد: إنّ ما قدّمناه من أفلام كانت سطحية إلى حدٍّ ما، فلم يتعامل معنا منتج أو مخرج جيد، ونحن غير راضين عن أعمالنا السينمائية، ونشعر بالرضا عن أعمالنا التلفزيونية والمسرحية. ولكن يكفي أنّنا أوجدنا صناعة للسينما في سوريا، وأوجدنا ممثلين ومنتجين سينمائيين.
في المسرح اشترك دريد ونهاد في مسرحيتين من تأليف محمد الماغوط هما(ضيعة تشرين) التي قُدّمت على مسرح اتحاد نقابات العمال سنة 1974؛ ومسرحية (غربة) سنة 1976، وفيها تعرّض الفنان نهاد قلعي لأزمةٍ صحية، حيث كان أيام عرضها يسهر في(النادي العائلي) بحي باب توما بدمشق مع الصحافي اللبناني «جورج إبراهيم الخوري» وبعدما انسحب دريد لحام قامت مشادة بينه وبين أحد رواد المطعم، فإذا به يُفاجئ نهاد بضربة كرسيٍ على رأسه من الخلف، تتبعها ضربات أكثر قسوة؛ انتهت به إلى نوبةٍ عصبية أفقدته وعيه.
ومن ثمّ عاش مريضا حتى مات في يوم 19 تشرين الأول عام 1993، إذ تقول ابنته: إنّ الذي ضربه تلك الضربة القاتلة لنهاد كان أحد المتنفذين يومها، فلم تقتصّ العدالة الأرضية منه، لكنّه لقي عقابا إلهيا مناسبا.يقول دريد لحام أنّه كان متهيّبا من اللقاء بنهاد قلعي لأوّل مرّة؛ ذلك لأنّ نهاد كان مسرحيا بينما أنا لم أكن مسرحيا، وحينها كان نهاد معروفا على الصعيد الاجتماعي كشخصٍ له حضوره المسرحي، وتحالُفنا الفني بُني من دون تفكير، من دون أن أدرسه، أو يدرسني.
والاستمرار جاء مصادفة، ونحن لسنا مثل(لوريل وهاردي) لأنّنا لا نشبههما أصلا، بقينا حالة خاصّة محلية، لا تشبه أحدا ولا أحد يشبهها، وعندما توقّف الأستاذ نهاد نتيجة مرضه، بعضهم عرض عليّ أن نشكّل ثنائيا. أنا كنت أقول لهم إنّ المسألة ليست مسألة شخص سمين، أو شخص رفيع، فأنا لا أستطيع تبديل الأستاذ نهاد، وهو لا يستطيع تبديلي. من المستحيل أن نُكوّن ثنائيا آخر، لأنّه كان هناك توافق، كنا اثنين، ولكن الاثنين كانا واحدا.
ثمّ يتحدّث دريد لحام عن السينما التي يعتبر أنّها لعبةُ منتج، فيما المسرح هو لعبته إذ يقول: في المسرح أنا موجود، والمسرح هو الذي يعبّر عني وأنا أعبّر عنه. فأنا أنظر إلى عناصر العمل السينمائي ولكني لست القائد لها،القائد للسينما في العالم كله هو المنتج.
و لو قلنا لمنتجٍ إنّ هناك (ضيعة تشرين) فسيقول لي: لا أحب الوطنيات.الوطن لا يُربّح. السينما كانت لعبة المنتج، لكنّ المسرح كان لعبتي وأنا كسرت الحاجز في المسرح. ثمّ يتحدّث عن عمله السياسي الحزبي فيقول: إنّني من عائلة قوميين سوريين، ابن خالتي في(مشغرة) كان رئيس الحزب لفترة (عبدالله محسن) لقد أذهلني التنظيم، الوفاء، الولاء. أذهلني أيضا الفقر. وفوقها أنّه حزب كان يستمدُّ قوّته من كونه حزبا علمانيا ضدّ مصلحة الأميركيين والاستعمار.
سعادة قال: كلنا انتماؤنا إلى الله... بهذه الطروحات، وبهذه المقولات أنا انتسبت إلى الحزب، وقد كنتُ وقتها طالبا جامعيا، وبقيت فيه لغاية أن قُرّر ذبحُ الحزب نهائيا وقت اغتيال عبد المنعم المالكي. وفيها تجمّدت كل النشاطات، وأي واحد في هذا الحزب هو عمليا منتسب عن إيمان، ليس لأنّه يريد أن يصل إلى مصلحة أو مركز، أو يحقّق مكتسباتٍ شخصية. بالأساس هو حزب(شحاد) مكتسباته الوحيدة هو النضال.
بشار إبراهيم في تحقيقه ـ الكتاب هذا يواجه دريد لحام بسؤالٍ متّهما إيّاه بأنّه متفق مع السلطة السورية في أن يكون مسرحه تنفيسيا فيردُّ دريد بالقول: إنّه كان عندنا في تلك الفترة من يُسمُّون أنفسهم (الكتائب الحمر) بقيادة خالد الجندي الذي كان رئيس اتحاد العمال، والذين أرادوا تغطية هزيمة حزيران بممارساتٍ غير مقبولة، والناس استاءت جدا من هذه الكتائب وممارساتها.أنا والفنان نهاد تحدّثنا بأننا نريد أن نصنع شيئا ننقد فيه هذا الموضوع، ودائما عندما كنّا نريد أن ننقد، كنّا نحاول أن تكون هناك حفلة مباشرة.
وفعلا قدّمنا تمثيلية قصيرة(15) دقيقة، وأذكر وقتها، الله العليم أنّنا عرضناها بحديقة المتحف، وخرجنا أنا ونهاد. طبعا كنّا نحن الثنائي الذي يتواجد في أيّ حفلة، أو في أيّ تجمُّع، ولعبنا التمثيلية التي حول هذا الموضوع تحديدا. لحظتها الناس لم يكن ليضحكوا بسبب الخوف، حتى ضحك شخص اسمه (علي الجندي) وهو شاعر، وشقيق خالد الجندي. نظر الناس إلى علي الجندي فوجدوه يضحك، فضحكوا.
لكن قبل أن يضحك علي لم يكن يجرؤ أحد على الضحك. وقبل أن نصنع تلك التمثيلية قلت لصديق لي اسمه عصيم درويش: سوف أقول شيئا خطيرا على التلفزيون، أوصيك بامرأتي وأولادي فقط،. لا أريد شيئا غير ذلك، المسألة موقف، ليس أنّ السلطة سمحت لك، أو لم تسمح. أنت تريد أن تصنع موقفا، إمّا أن يرميك في السجن، أو يأخذك إلى فخر ما؛ في النتيجة الاثنان فخر..لا أحد يقرع بابك ليقول لك تفضّل هذه حريتك. أنت يجب أن تأخذها بشكل أو بآخر.
ثمّ يستطرد الفنان دريد لحام فيتحدّث عن «مهرجان دمشق المسرحي» الذي كان هو أوّل من أقامه عام 1969 والذي أصبح دوليا فيما بعد. وكانت تقيمه نقابة الفنانين التي تمّ تأسيسها في العام نفسه ، لكن لما استلمته وزارة الثقافة كما يقول دريد هبط ومن ثمّ مات، ومن ثمّ عاد، ثم هبط مرة أخرى. لكنّنا استطعنا أن نحوّل هذا المهرجان إلى حماية لنا، عملنا عليه كمسألة ينبغي أن يهتمّ الناس بها. لم نترك مطعما لم نضع على طاولته دعايات المهرجان وكرّاساته، كلُّ البلد عرفت أنّه يوجد مهرجان مسرحي. لكنّه كان مؤامرة لطيفة مني ومن عمر حجو، لنمرّر عمل(مسرح الشوك) و(الفيل يا ملك الزمان) و(حفلة سمر من أجل 5 حزيران).
بعد ذلك يقول الفنان دريد أنّه عُرض عليه أن يصبح عضوا في مجلس الشعب لكنّه لم يوافق، لأنّه كان مؤمنا أنّ لديه مجلسُ شعبٍ حقيقي هو المسرح،و هو كفنان ـ يقول: أكبرُ من أن أجلس خلف طاولةٍ وأُصبح قاضيا على الأشخاص. بمعنى آخر أنا أعرف ماذا أريد، يوجد لدي جملة أقولها: أنت تكون قويا عندما لا تريد شيئا. هذه هي معادلتي بهذا الموضوع.
لكنّه حين يتحدّث عن تجربته مع الشاعر محمد الماغوط فيرى أنّه مثل نهاد قلعي لا يحبُّ الحياة الأسرية ـ المنزلية فكلاهما كان يعيش في بيروت فيما عائلتيهما تعيشان في دمشق. دريد بعكسهما. لكنّهما لما عملا معا في «ضيعة تشرين» ونجحت المسرحية، وبعدها عملا «غربة» صار دريد يجمع للماغوط أرباحه من المسرحيتين واشترى له منزله في حي(المزرعة) وكان سعره حينها 70 أو 80 ألف ليرة سورية.
ولما توفيت زوجته الشاعرة(سنية صالح) قام دريد لحام بشراء قبر لها في «السيدة زينب» ودفنها فيه وفق رغبتها ولم يسأل الماغوط من اشترى القبر، لكن وزيرة الثقافة د. نجاح العطار أرادت أن تحمل قليلا عن الماغوط فسألت عمن اشترى القبر فقلت لها أنا. وطلبتُ منها أن تنسى الموضوع.
أنور محمد
*الكتاب:دريد ونهاد
*الناشر:وزارة الثقافة ـ دمشق 2007
*الصفحات:232 صفحة من القطع الكبير
