اندريه ستاسيوك، كاتب وشاعر وباحث وناقد أدبي بولندي. حصل على العديد من الجوائز الأدبية من بينها جائزة المؤسسة الثقافية البولندية عام 1994 بدأ حياته مناضلا في إطار حركات الشباب للسلام ورفض الالتحاق بالجيش مما عوقب عليه بعامين أمضاهما في السجن وقد ألف كتابا عن تلك التجربة.
غادر العاصمة البولندية وارسو عام 1996 كي يقيم في قرية صغيرة بجبال «بيسكيد» ـ الكارابات ـ التي لا يزال فيها مع زوجته حيث يديران دار النشر التي أسساها والمختصة بأدب أوروبا الوسطى. من أعماله: «الغراب الأبيض» و«أوروبا التي أنتمي إليها»، وتمت ترجمة العديد من هذه الأعمال إلى لغات أجنبية. «على طريق باباداغ» هو يوميات ومشاهدات المؤلف في رحلة عبر «أوروبا الأخرى». ويقصد بذلك بولندة وسلوفاكيا وسلوفينيا وألبانيا ومولدافيا وهنغاريا (المجر) ورومانيا... و«باباداغ» التي تشكل هدف الرحلة هي بلدة صغيرة في رومانيا يزيد عدد سكانها قليلا عن العشرة آلاف نسمة، وكان قد جرى ذكرها من قبل الرحّالة ابن بطوطة.
تبدأ الرحلة من بولندة، بلد مولد المؤلف، حيث تتكاثر في المشهد الذي يقدمه لقارئه المقابر التي «يرقد» فيها آلاف الجنود الروس والنمساويين-الهنغاريين (المجريين) الذين فقدوا حياتهم أثناء المعارك الضارية في الحرب العالمية الأولى. ويُبدي المشهد أيضاً العشرات من القرى «المهجورة» التي كانت تسكنها أقليات عرقية وكانت السلطات الشيوعية قد «دمّرتها» كي تدفع قاطنيها لمغادرتها. يقول ستاسيوك: «كيف يمكن للمرء أن لا يصبح سوداويا في مثل هذا المشهد»؟
ولا يبخل المؤلف في توصيف الطرقات «المخرّبة» والكنائس الخشبية ومزارع الدولة (السابقة) حيث حالة من «الموات» العام، وأيضا توصيف البشر الذين لا يشدّهم إلى الحياة سوى أن الموت قد «وفّرهم» أو ربما «نسيهم». مثل هؤلاء البشر هم الذين شكّلوا في الواقع شخصيات روايات المؤلف ومجموعات قصصه القصيرة. وكان هو نفسه قد عاش لفترة من الزمن، كما يذكر، في بيت خشبي ـ عام 1987- لا كهرباء فيه وإنما «مصباح بترولي وآلة كاتبة ودون أية نفقات وحرية كاملة».
ويلاحظ المؤلف أن المفارقة الكبرى، التي كانت وراء شروعه في رحلة «الاستكشاف» التي قام بها في بلدان أوروبا الوسطى، تكمن في واقع أنه عندما كان «الستار الحديدي» قائما وسط أوروبا طيلة فترة الحرب الباردة حيث كانت القارة «مشطورة» إلى معسكرين خصمين، كانت أوروبا الغربية بعيدة المنال. ولكن «وراء الستار الحديدي، كنّا في الواقع نعرف كل شيء عن أميركا أو عن فرنسا. لكننا لم نكن نعرف الشيء الكثير عن ترانسلفانيا القريبة»، كما يقول.
هكذا إذن وفي الوقت الذي أصبح في الغرب الأوروبي مفتوحا أمام أبناء بلدان أوروبا الوسطى والشرقية (الاشتراكية سابقا)، وحيث كان عشرات الآلاف من أبناء وطنه البولنديين يهاجرون بأعداد كبيرة نحو انجلترا وفرنسا، قام مؤلف هذا الكتاب برحلته نحو الجنوب. كان سلاحه، كما يقول، «أربع كلمات باللغة الرومانية» و«خمس كلمات باللغة الهنغارية».
لقد حدد هدفه منذ البداية وهو أن يجوب أرجاء تلك البلدان التي كانت قد خرجت منذ فترة وجيزة من تحت قبضة الشيوعية الحديدية. وقد عمل منذ البداية أيضاً على تحاشي المدن الكبرى مثل بودابست وبوخارست وبراغ «تلك المرايا العبثية لشيء ما كان موجودا أصلا في أمكنة أخرى».
بالمقابل ركّز اهتمامه على تلك المواقع الحدودية القديمة والقرى الصغيرة والفقيرة التي تعبّر بشكل أكثر مصداقية عن الهوية الحقيقية لبلدانها. كما أثارت اهتمامه كثيرا شواطئ البحر الأسود التي يلتقي عليها السابحون والنفايات.
ويصف المؤلف الغجر، أو «الشعب المسافر باستمرار»، الذين صادفهم أنهم «الوحيدون الذين تبدو الحيوية تدبّ في عروقهم». وهو يصفهم بـ «ألوان بشرتهم السمراء على أنهم استطاعوا أن يجسّدوا «معجزة العيش» خارج الزمن وخارج التاريخ.
وهذا يذكّر بعنوان الفيلم السينمائي الذين قدّمه أمير كوستوريكا، الغجري الأصل، والذي حمل عنوان «قابلت غجرا سعداء أيضا»، ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن الغجر سوف يشكلون في أفق عام 2050 أغلبية السكان في سلوفاكيا التي «ستكون الدولة الأولى في العالم ذات الأغلبية الغجرية».
إن الصفة المشتركة، التي يطلقها مؤلف هذا الكتاب على هنغاريا ورومانيا ومولدافيا وألبانيا هي أنها تحمل كلها ما يسميه بـ «سمات الشرق». وفي هذه البلدان الأربعة يمكن للمرء، كما يرى ستاسيوك، أن يتأمل «تسارع التاريخ» بكثير من اللامبالاة أمام كأس من الشراب «الوطني» لكل بلد منها. وفي كل الحالات تفوح من الأمكنة روائح «تكدّس التاريخ مع الغازات التي تطلقها السيارات القديمة».
نقرأ في أحد المقاطع في وصف المؤلف لمدينة «رازيناري» الرومانية مسقط رأس الفيلسوف الشهير «سيوران» ما يلي: «كانت التربة المتواجدة بين بلاطات الشوارع تتلقى بول الأحصنة منذ مئات السنوات، وكانت رائحة خانقة تهبط من المراعي الجبلية، وكان ماء المزابل الصادر من حظائر الخنازير وزرائب الحيوانات يجري في الطرقات. بل ورأيت مرة أحشاء مقطّعة تعوم على سطح مياه النهر».
وإذا كانت رومانيا هي البلاد التي أثارت لدى الكاتب الكثير من الانفعالات والشجون، فإن ألبانيا قد استحوذت هي الأخرى على فضوله، وهو يدعو هذه البلاد باسمها الحقيقي القديم أي «شيكيبيريا». ويصفها أنها «فردوس جميع أشكال التجارات الممنوعة»، ثم يشير هنا إلى أنها البلاد التي اختارتها كي تكون المكان الذي يمضي فيه عطلته الصيفية برفقة زوجته.
وهو لا يتردد في أن يقدم النصيحة لموظفي المفوضية الأوروبية في بروكسل أن يفعلوا مثله فـ «ألبانيا تشكل ساحة لا وعي القارّة. نعم، ألبانيا هي الانفعال اللاواعي الأوروبي. إنها الخوف الذي يتردد على باريس عندما تغطّ بالنوم، وأيضا على لندن وفرانكفورت».
أما أهالي سلوفينيا فإنهم، كما يتم تقديمهم، يبحثون عن لعب دور «التلميذ النجيب» في أوروبا. وهكذا يحرصون على أن تبدو قراهم نظيفة وبحلّة أنيقة. ولكن مثل هذه الحالة ليست سوى الاستثناء الذي يثبت القاعدة. ويرى المؤلف أن هذا المسعى الذي يقوم به السلوفينيون يجعلهم وكأنهم «خونة حيال حالة الفوضى السلافية» العامة.
هذه الفوضى هي بالتحديد القاعدة التي انبثق من خلالها الكثير من المتمردين الذين لم يقبلوا أبدا بتسمية شوارع بلدانهم بأسماء «الأبطال الروس». ويبدي المؤلف في هذا السياق إعجابه بـ «كتّاب البلقان» الذين برهنوا على امتلاكهم لنفاذ بصيرة لا يضاهي ولم تمنعهم كل أشكال القمع من التعبير عن رأيهم.
إن مؤلف هذا الكتاب يقدم توصيفات للبلدان التي زارها تبدو شديدة القسوة، وتبدو الصورة شديدة القتامة بالقياس إلى معايير الحداثة في البلدان الأوروبية المتقدمة. لكن هذه الصورة «القاتمة» لا يترتب عليها إصدار آراء سلبية حيالها.
بل أن العكس هو الصحيح، ويبدو أنه كلما ازدادت الصورة قتامة ازداد تعلق المؤلف فيها، الأمر الذي يبدو وكأنه يخفي في أعماقه نوعا من «العداء للأوروبيين الغربيين»، أما ما يقارب أن يكون كذلك. مع ذلك إنه يؤكد قوله: «إنني لا أفعل أي شيء سوى وصف عالم قائم، ولا يهم إذا كان هذا العالم يقع على مسافة بعيدة جدا شرق باريس».
وإذا كان المؤلف البولندي لهذا الكتاب «يبرز» كل أشكال الخلل والتخلف والمساوئ التي يبدو أنه من العسير جدا إيجاد حل لها، على الأقل في المستقبل المنظور، فإنه بالمقابل لا يساوم أبدا على احتفاظها بـ «كرامتها». بل ولا يزعجه أبدا أن يتفاخر، بلهجة ساخرة إلى هذه الدرجة أو تلك، بما يسميه «خموله السلافي».
ما هو واضح في هذا الكتاب أنه لا يقوم في «تركيبه» على أية خطة مسبقة. وهو يعكس بكثير من الأمانة، فيما يخص هذه المسألة، صورة العالم «الفوضوي» الذي يصفه مؤلفه الذي أراد أن يرسم صورة لـ «أوروبا الأخرى»، وبدون أي «رشوش».
ولعلّ هذا ما عبّر عنه بشكل ممتاز وصفه لـ «كومرات»، عاصمة مولدافيا بالقول: «من الصعب جدا وصف كومرات وذلك أنه من الصعب تمييزها، فالمرء يتجاوز مدينة لا يراها إلا بالكاد. هناك منازل وشوارع لكنها على مستوى المخطط التحضيري المؤقت. لقد جرت تغطية تمثال لينين بطبقة من اللون الذهبي».
في المحصلة هذا كتاب يرسم صورة لعدد من البلدان الأوروبية الشيوعية سابقا حتى فترة قريبة، وهي صورة «تمكن رؤيتها» عبر قراءته و«التعرّف» على المشاهد الطبيعية وحياة الناس بكل تداخلاتها. هذا كله بأسلوب فيه الكثير من الشعر، ولكن مع قيمة «الوثيقة».
*الكتاب:على طريق باباداغ
*الناشر:كريستيان بورجوا ـ باريس 2007
*الصفحات:364 صفحة من القطع المتوسط
Sur la route de Babadag
Christian Bourgeois Paris 2007
P.364

