ميشيل فوشيه، جغرافي ودبلوماسي وأستاذ في مدرسة المعلمين العليا بباريس، عمل سفيرا لفرنسا في لتوانيا وكان مديرا لمكتب وزير خارجية فرنسا الأسبق هوبير فدرين ومديرا لمركز التحليل والتوقعات التابع لوزارة الخارجية الفرنسية. وهو أستاذ أيضا في جامعة ليون الثانية حيث أنشأ المرصد الأوروبي للجيوسياسات.
من كتبه: «جبهات وحدود: صور الحياة بين السطور» و«الأطلس الجيوسياسي لبلدان آسيا الجديدة» و«الجمهورية الأوروبية بين التاريخ والجغرافيا». «وسواس الحدود» كتاب يحاول فيه مؤلفه أن يرد على الفكرة الشائعة القائلة بأن الحدود محكوم عليها بالزوال والانقراض في إطار اقتصاد العولمة الذي جعل العالم كقرية صغيرة. مثل هذه الفكرة يصفها مؤلف الكتاب أنها «خاطئة وخطيرة» في الوقت نفسه .
خطأ هذه الفكرة يبيّنه ميشيل فوشيه بالقول إن ما يزيد على 000 26 كيلومتر من الحدود جرى ترسيمها خلال الخمسة عشرة سنة الأخيرة في القارة الأوروبية وآسيا الوسطى وحدهما. كذلك تم التوقيع على اتفاقيات دولية حول القدر نفسه من الحدود في العالم.
أما «خطورة» مشكلة الحدود فيكفي للتدليل عليها ملاحظة أن النزاعات الأكثر حدة والأكثر استمرارية تخص بالأحرى مسألة ترسيم الحدود. ومن الأمثلة الأكثر بروزا على هذا الواقع يذكر المؤلف النزاع المستدام بين الهند وباكستان فيما يخص الخط الحدودي في منطقة كشمير التي يعتبرها الطرفان جزءاً لا يتجزأ من ترابها الوطني.
وهناك أيضا مثال الصراع القائم في الشرق الأوسط فيما يخص عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل حرب عام 1967 التي احتلّت فيها الضفة الغربية وهضبة الجولان وقطاع غزة. وهناك نزاعات حدودية عديدة أيضا على صعيد القارة الإفريقية.
وتتم الإشارة في معرض التأكيد على «وسواس الحدود» في العالم إلى أن العديد من هذه الحدود في العالم تشهد تعزيزا للإجراءات الحدودية وصولا إلى استخدام الأسلاك «المكهربة» وعدسات التصوير والمراقبة الأكثر تقدما. هذا بالإضافة إلى تسيير الدوريات المكلفة برصد كل حركة في المناطق الحدودية المعنية بها.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يحمل الأول عنوان: «تحليل جيوسياسي لمفهوم الحدود: صعوبات ذات طابع علمي-ابستمولوجي»، وعنوان الثاني هو: «إعادة النظر في المسائل الحدودية المحلية في السياقات الدولية الراهنة».
إن المؤلف يؤكد في تحليلاته على مدى صفحات هذا الكتاب على المفارقة الكبيرة التي يتسم بها عالم اليوم. فمن جهة هناك واقع العولمة بكل ما تتضمن عليه من انفتاح على صعيد الحدود. ومن جهة أخرى هناك أيضا واقع قيام «جدران» جديدة وموانع حدودية لا تتوقف عن التعاظم في جميع قارات العالم ومناطقه.و«المفارقة» كبيرة أيضا بين الخطاب السائد الذي يؤكد على «نهاية الحدود».
مثلما كان فرنسيس فوكوياما، المفكر الأميركي ذو الأصل الياباني قد تحدث عن «نهاية التاريخ» كما يؤكد على حريّة انتقال الأشخاص، وخاصة وأساسا على حرية انتقال رؤوس الأموال، وبين حقيقة أن مثل هذا الخطاب لا يجد ترجمته في أرض الواقع. بل إن الولايات المتحدة الأميركية التي تحمل لواء العولمة وحرية التبادل التجاري، هي نفسها قد أقامت «سورا» بينها وبين المكسيك.
ما يؤكده المؤلف هي أنه، وعلى عكس الأفكار السائدة، قد ترافقت العولمة مند أشكالها الأولى بتعزيز فكرة الحدود. هكذا مثلا وبعد اكتشاف كريستوف لأميركا «العالم الجديد» قام بابا الفاتيكان بعد سنة واحدة بتقسيم المناطق التي تم الوصول إليها بين الاسبانيين والبرتغال على أساس أنهم كانوا وراء مغامرة الاكتشاف ذاتها. وكانت القوى الاستعمارية قد قامت عند نهاية القرن التاسع عشر بترسيم حدود جديدة من أجل اقتسام مناطق النفوذ فيما بينها. في المحصلة لا تشذّ العولمة السائدة اليوم عن هذه القاعدة.
يوجد في عالم اليوم حوالي 000 248 كيلومتر من الحدود البرية، جرى ترسيم أكثر من 10 بالمائة منها منذ انهيار جدار برلين عام 1989، أي منذ أن أرست العولمة اللبرالية السائدة قواعدها. في الوقت نفسه تشهد مختلف مناطق العالم «تسويات» للمشاكل الحدودية عن طريق الوساطات أو عن طريق محكمة العدل الدولية. تجدر الإشارة أيضا إلى أن العديد من المناطق القطبية ومن المناطق الصحراوية تخضع لرقابات الكترونية من قبل الأقمار الصناعية.
إن مؤلف هذا الكتاب يركز كثيرا في تحليلاته على الدلالة المادية للحدود، ولكن أيضا على دلالتها الرمزية. هذا فضلا عن تعبيرها أيضا «عن علاقات السيطرة» وما تمثله كذلك من سبب لقيام النزاعات. ويقصد المؤلف في جميع هذه الحالات الحدود القائمة بين الدول، وبالمقدار الذي تستجيب فيه لرغبة المجتمعات في تحقيق أمنها. بهذا المعنى يمكن للحدود أيضا أن تصبح بمثابة «حواجز عازلة» بسبب الخوف من الآخر.
ويكرّس مؤلف هذا الكتاب فصلين كاملين للحديث عن مسألة الحدود في القارة الأوروبية في إطار السياق الدولي الراهن. إنه يركز على القول إن هناك استمرارية تاريخية للحدود في القارة القديمة ولكن هناك أيضا في المقابل صعوبة كبيرة في إيجاد «حدود» للاتحاد الأوروبي.
هكذا عرفت هذه القارة التي تمثل مياحة 3. 3 بالمائة من مساحة اليابسة في العالم عمليات ترسيم عديدة متعاقبة كان آخرها زمنيا هي ما شهدته منطقة البلقان بعد نهاية الفدرالية اليوغسلافية السابقة في مطلع سنوات التسعينات المنصرمة.تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن عمليات ترسيم الحدود في القارة الأوروبية ترافقت دائما مع البحث عن «الهوية الأوروبية»
وحيث يطرح الأوروبيون على أنفسهم السؤال «التاريخي» التالي: أين تتوقف حدود أوروبا؟ ومهما كانت الإجابات المقدّمة، خاصة فيما يتعلق باعتبار تركيا داخل أوروبا أو هي خارجها، فإن المسألة تعلّقت باستمرار بالرهانات الاقتصادية والجيوسياسية التي تتحكّم إلى حد كبير بأفق أي توسيع قادم لحدود الاتحاد الأوروبي.
ويتم في هذا السياق تقديم عدة «سيناريوهات» لمستقبل الاتحاد الأوروبي. ومن بينها «السيناريو الأميركي»، حسب تعبير المؤلف والذي يقول بتوحيد القارة الأوروبية القديمة بحيث تضم تركيا ومنطقة القوقاز وإنما تستثني بلدا واحدا هو روسيا. وسيناريو آخر يسميه ب«السيناريو الكنفدرالي» الذي يقول بتطابق حدود الاتحاد الأوروبي مع حدود مجلس أوروبا، أي بحيث يضم تركيا والقوقاز وروسيا أيضا.
هناك أيضا «الجيوثقافي» الذي يستثني تركيا والقوقاز وروسيا والسيناريو «الجيواقتصادي» بوجود اتحاد أوروبي يضم 28 بلدا بالإضافة إلى شراكة اقتصادية مع كل من تركيا وروسيا مع إمكانية التوسع في إطار الاتحاد كي يشمل دول البلقان والقوقاز ودول الكتلة السوفييتية السابقة. وأخيرا «السيناريو الجيوسياسي» الذي يقصر الاتحاد الأوروبي على الدول الأعضاء الحالية.
ويحدد المؤلف عدة مجموعات رئيسية للحدود الجديدة في أوروبا، وهي حدود معترف، أو غير معترف بها من قبل المجموعة الدولية. هناك أولا الحدود الناتجة عن تفكك الاتحاد السوفييتي السابق. بعض هذه الحدود الجديدة تتناظر إلى حد كبير مع الحدود التي كانت سائدة قبل الحرب العالمية الثانية مثلما هو الحال في بلدان البلطيق مع بعض التعديلات الطفيفة جدا.
أما الحدود في خارج منطقة البلطيق الناتج عن انهيار الاتحاد السوفييتي فقد كانت حدودا جديدة جزئيا إذ أنها كانت تخص جمهوريات جرى خلقها في إطار الدولة السوفييتية بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تكن موجودة أصلا قبل عام 1991 إلا في الإطار السوفييتي.
والمجموعة الثانية تخص الحدود التي نتجت عن تحلل الفدرالية اليوغسلافية السابقة. حدود بعض الدول الجديدة جرى تثبيتها دون نزاع كبير نسبيا مثل كرواتيا. ولكن كان ترسيم حدود أخرى بحاجة إلى حروب طويلة ودامية مثل حدود جمهورية البوسنة والهرسك التي لا تزال منقسمة عمليا إلى كيانين.
بالمقابل توصّلت جمهورية «الجبل الأسود» إلى استقلالها عن طريق إجراء استفتاء شعبي عام 2006.وتضم المجموعة الثالثة حدودا جرى ترسيمها ب«قوة الواقع القائم» والتي لا تعترف بها المجموعة الدولية، وإنما فقط تحظى باعتراف دولة واحدة مثل حالة شمال قبرص
وحيث يتواجد جنود الأمم المتحدة على طول الحدود، أو أنها حدود تخضع لإدارة دولية دون أي استقلال معلن مثل حالة إقليم كوسوفو منذ عام 1999. ويتحدث المؤلف في هذا الإطار عن «حدود» ناتجة عن حركة انفصالية مدعومة من الخارج مثل انفصال «ترانسنستريا» عن مولدافيا حيث يدعم الروس الانفصال.
*الكتاب:وسواس الحدود
*الناشر: بيران ـ باريس 2007
*الصفحات: 249 صفحة من القطع المتوسط
L'obsession des frontières
Perrin- Paris 2007
P.249
