مايكل شومان مؤلف هذا الكتاب هو أحد كتاب السير الأميركيين المعروفين. سبق له وقدم سير حياة عدد هام من الشخصيات الأميركية المعروفة من بينها «سيرة حياة بيل كلنتون» و«سيرة حياة جورج بوش الأب» و«سيرة حياة هاري ترومان» و«سيرة حياة فرانكلين روزفلت»، و«سيرة حياة بيل غيتس»...الخ

واليوم يقدم المؤلف لقرائه سيرة حياة «باراك اوباما»، الذي يلخص توجهه بجملة «نحن شعب واحد»، وليس توجهه فقط وإنما أيضاً شخصيته. فمن هو باراك اوباما؟ ومن هو الذي أعطى حياة جديدة للسياسة الأميركية؟

أبوه إفريقي من كينيا وأمه أميركية بيضاء من كنساس. إنه «حلم مشترك وُلد من لقاء قارتين» على حد قوله. ولم يتردد ذات يوم أن يقدم نفسه للحشد الجماهيري الذي كان يستمع لأحد خطاباته: «إنني أقدّم نفسي لكم. أنا شديد الامتنان لإرثي الشخصي ومدرك أن قصتي تنتمي إلى التاريخ الأميركي الأكثر تواضعا، وما كان لهذه القصة أن تكون ممكنة في أي بلد آخر».

بناء على مثل هذه اللهجة وهذا الأسلوب يتحدث مؤلف الكتاب عن «باراك اوباما: نحن شعب واحد». إنها أميركا التي تتصالح مع تاريخها وتعطي الحقوق المدنية لأولئك الذين شاركوا في بنائها. باراك اوباما من مواليد 14 اغسطس 1961 في جزيرة هونولولو. وكلمة «باراك» هي اشتقاق من كلمة «مبارك» ذات الأصل العربي وكذلك في اللغة «السواحلية» الشائعة في إفريقيا.

أما «اوباما» فإنها تعني باللغة السواحلية «الرمح الملتهب». اسم والده هو «باراك حسين اوباما» الأب، حيث أعطى لابنه نفس الاسم، وهو كيني الجنسية وتحديدا من قبيلة «لوو». تربّى في محيط تسوده التعاليم الإسلامية مع أنه هو نفسه ليس مسلما. تعلّم والده في مدرسة «المبشّرين» المسيحيين التي أرسلته للدراسة في نيروبي قبل أن يسافر إلى «هاواي» لدراسة الاقتصاد حيث أحرز تفوقا كبيرا. توفي والده عام 1982.

والدة باراك اوباما هي «شيرلي آن دوهام» من كنساس حيث كانت قد سافرت إلى هاواي أيضاً لدراسة الانثروبولوجيا عندما التقت بوالده. وتدل بعض المعلومات أن أحد أجداده فرنسي وآخر ايرلندي. تزوج والداه عام 1960 وأنجباه عام 1961 ليتم طلاقهما بعد عامين. عمل والده لفترة في جامعة هارفارد قبل أن يعود إلى كينيا حيث أسس أسرة جديدة.

تزوجت والدة اوباما بعد طلاقها من والده من طالب اندونيسي وسافرت الأسرة إلى جاكارتا حيث وُلدت أخته غير الشقيقة مايا وحيث عاش اوباما 4 سنوات في اندونيسيا. أمضى عامين دراسيين في مدرسة إسلامية عامة ثم عامين في مدرية كاثوليكية.

وعندما بلغ اوباما 10 سنوات من العمر عاد إلى هونولولو حيث عاش بكنف جدّيه لأمه ثم لحقت به أمه، بعد طلاقها من جديد، ومعها اخته مايا. عاش الجميع في شقة صغيرة وكانت الأسرة تتلقى المساعدات من المنظمات الاجتماعية العاملة في ميدان المعونات لذوي الحاجة.

هذه الطفولة القاسية قادته، مع ذلك، إلى جامعة كولومبيا في نيويورك. عمل بعد تخرجه منها في شيكاغو بإحدى الشركات العقارية. ثم اختار في عام 1984 العمل ك«منشّط اجتماعي» في أحد الأحياء الفقيرة التي يقطنها السود. وقد أمضى ثلاث سنوات من حياته وهو يدافع أن أبناء الحي المعني وعن مصالحهم ومكافحة انحراف الشباب. في تلك الفترة اقترب اوباما من «كنيسة المسيح الموحّدة» ثم اعتنق المسيحية.

درس الحقوق بعد ذلك في هارفارد ببوسطن وتخرّج منها ليصبح أول رجل أسود كرئيس لتحرير «مجلة هارفارد للقانون»، وقد تولّى ذلك المنصب بالانتخاب مقابل 18 مرشحا آخر. عمل بعد ذلك أستاذا للقانون الدستوري في جامعة شيكاغو والتحق بمكتب للمحاماة مختص بالدفاع عن الحقوق المدنية. وتزوج محامية كانت تعمل في ذلك المكتب وكانت عضوة نشيطة في الحزب الديمقراطي الأميركي ولم تكن بعيدة عن دفعه إلى عالم السياسة.

كان النشاط السياسي الأول الذي قام به باراك اوباما هو دعم ترشيح بيل كلنتون لرئاسة الولايات المتحدة. وفي عام 1996 جرى انتخاب اوباما عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية ايلينوي. كان تصنيفه آنذاك أنه لبرالي، أي ما يعني «تقدمي» حسب القاموس الأميركي. وقد أظهر خلال فترة عضويته حسا عاليا في القدرة على التفاهم مع الجمهوريين من أجل تمرير عدد من القوانين الاجتماعية والخاصة بضمان الحرية الفردية.

لفت باراك اوباما انتباه الكثيرين من الأميركيين أثناء إلقائه خطاب في بوسطن عام 2004 لدعم ترشيح الحزب الديمقراطي لجون كيري كمرشح للرئاسة. ذلك الخطاب يرى به مؤلف الكتاب نقطة انعطاف حقيقية، تضاف إلى مسيرته كلها منذ سنوات الطفولة، لما سيمكنه من أن يصرخ فيما بعد «نحن شعب واحد». ففي ذلك الخطاب عبّر عن «الحلم الأميركي» وربطه ب«أصوله العائلية».

يومها دعا إلى «وحدة جميع الأميركيين» وشجب كل أشكال «التطرف» التي تؤدي إلى الانقسام والتشرذم. معتبرا أن هذا الانقسام يمثل السمة الرئيسية لإدارة جورج دبليو بوش. كان الانتصار الأول الكبير لباراك اوباما هو يوم 2 يوليو من عام 2004

عندما فاز بعضوية مجلس الشيوخ الأميركي بنسبة 70 بالمئة من الأصوات مقابل 27 بالمئة لخصمه الجمهوري. وفي شهر ديسمبر من تلك السنة وقّع باراك اوباما 9. 1 مليون دولار من احدى دور النشر الأميركية الكبرى من أجل تأليف ثلاثة كتب من بينها كتاب عن قناعاته السياسية وآخر، بالاشتراك مع زوجته، مكرّس للأطفال.

ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن باراك اوباما قد عاش فترة شباب يشوبها الاضطراب و«أزمات الهوية». لكنه عرف كيف يحوّل نقاط ضعفه إلى نقاط قوة وأن يقدّم نفسه على أنه تجسيد للحلم الأميركي الموحّد، والذي يمثّله أيضاً لقاء والده «الأسود مثل الفحم» وأمه «البيضاء مثل الحليب»، كما ينقل المؤلف عنه قوله. وهو الحلم الذي سمح ل«طفل مثله يحمل أيضاً اسما غريبا أن يأمل يأن يكون له مكان فيه».

ومن السمات الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف في تحليلاته القدرة الخطابية الكبيرة لدى باراك اوباما التي استطاع بواسطتها أن «يأسر» الديمقراطيين الأميركيين في الوقت الذي يفتقر فيه حزبهم إلى «خطباء مفوّهين». ثم إنه الأسود الوحيد الذي أصبح عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي وهو عمره 43 سنة وهو الأسود الثالث في تاريخ هذا المجلس منذ عام 1867.

ومن بين ما يتم ذكره عن باراك اوباما هو أنه رجل دؤوب ومتواضع، وهذه هي الصورة التي يمكن أن تلقى قبولا عاما و«توحّد» الأميركيين حولها. وكان هو السناتور الوحيد الذي يحرص على حضور النقاشات حول العراق بشكل كامل مهما طالت مدة نقاشها، مما جعل رئيس مجلس الشيوخ الجمهوري يثني على مثابرته. أما تواضعه فقد ترجمه برفضه القاطع قبول أن يسافر إلى شيكاغو بالدرجة الأولى في الطائرة.

إن سر شعبية باراك اوباما يعيده المؤلف إلى كون أنه «مختلف» عن الآخرين وأن شخصيته تتجاوز «الكليشيهات المعتادة». وتميّزه هذا يتمثل قبل كل شيء في قدرته على «نسج رابطة بين تاريخ الولايات المتحدة وتاريخه الشخصي». هذا ما عبّر عنه بقوله: «إن تاريخي يشكل جزء من التاريخ الأكبر لأميركا».

ويتم التأكيد أيضاً أن الفعل السياسي الكبير ل«ظاهرة» اوباما لا يكمن بالدرجة الأولى في اقتراحاته وحدها، في مشروعه المجتمعي، وإنما بالأحرى في كون أنها تمثل مرآة يمكن لأميركا أن ترى نفسها فيها «موحّدة» وبالتالي أن تبعد عنها أي إحساس بالذنب. وإذا كان باراك اوباما ذا بشرة داكنة فإنه يرفض الرضوخ لمستلزمات «الهوية الطائفية» بمعنى الخصوصية الإفريقية ـ الأميركية.

ويُنقل عنه قوله: «إننا نشترك في بعض القيم. هذه القيم ليست سوداء ولا بيضاء ولا ذات أصول اسبانية - كإشارة للأميركيين من أصول مكسيكية خاصة ـ ، وإنما هي أصول أميركية وديمقراطية». إنه يريد أن يقول بوضوح: «نحن شعب واحد»، مع التأكيد بشكل خاص على مسألة «المواطنة».الترجمة الواقعية لمثل هذا الانتماء إلى «شعب واحد»،

هو الذي يجد فيه مؤلف الكتاب السبب الحقيقي لكون أن باراك اوباما يجد نفسه بين «ناسه» عندما يكون في أحد الأحياء الفقيرة أو في أحد أحياء واشنطن الراقية. كان باراك اوباما قد أعلن عن ترشيحه عشية الذكرى 198 لولادة ابراهام لنكولن. لم يكن ذلك مجرد صدفة، فهل يعيد التاريخ نفسه؟

*الكتاب:باراك اوباما، «نحن شعب واحد»

*الناشر:انسلو ـ بيركلي 2008

*الصفحات :128 صفحة من القطع المتوسط

Barack Obama. z we are one people z

Enslow - Berkeley 2008

P.128