رونالد براونستاين، مؤلف هذا الكتاب، هو أحد المعلقين الذين يحظون باحترام كبير في الولايات المتحدة الأميركية. له مجموعة كتب منها: «الطبقة المسيطرة في عهد ريغان» و«السلطة والبهاء» التواصل بين هوليوود وواشنطن».
«الحرب الأهلية الجديدة» التي يقصدها المؤلف هي التي تعرفها الولايات المتحدة الأميركية بسبب ما يسميه بسيطرة «التطرف الحزبي» الذي أدّى ويؤدي إلى شلل الحياة السياسية في البلاد وإلى حالة «عطالة» كاملة في عمل آليات السلطة واتخاذ القرارات. يتألف هذا الكتاب من قسمين رئيسيين يخص الأول منهما البحث في جذور «التحزّب المتطرف» في أميركا. ويتم تحديد نقطة الانطلاق الأساسية في هذا التحزب بانتخاب «وليام مكنلي» رئيساً للولايات المتحدة الأميركية عام 1896. واعتباراً من ذلك التاريخ عرفت البلاد على مدى أربعة عقود كاملة حالة من «الانقسام العنيف» الذي مزّق المجتمع.
ويرى المؤلف أن ذهنية «التفاوض» عادت في الساحة السياسية الأميركية قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مع بروز عدد من الرؤساء ومشرّعي القانون الذين حاولوا البحث عن خطوط «التقاطع التي يمكنها أن تلقى قدراً مهماً من الإجماع العام حولها.
لكنه يرى أيضاً أن الحزبين الرئيسيين الأميركيين، أي الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، عادا إلى التمترّس وراء الإيديولوجيا «المتحزّبة» اعتباراً من سنوات الستينات بعيداً عن الاهتمام الحقيقي للناخبين الأميركيين مما أدى إلى حالة «التفسخ» الراهنة والدخول فيما يشبه «حرباً أهلية جديدة».
القسم الثاني من الكتاب مكرّس لدراسة الحزبين الجمهوري والديمقراطي في نسختهما الراهنة. وهو يرى أنه ليس هناك أي حزب بينهما، ولا أي رئيس أميركي أوصلاه إلى سدة الرئاسة العليا، قد أولوا اهتمامهم لصياغة سياسة أميركية حقيقية لا ترى سوى المصلحة العليا.
بل على العكس هناك صراعات بين مجموعات الضغط والمصالح التي تلعب دوراً مهماً في توجيه السياسة الأميركية، هذا إلى جانب ظهور ذهنية «التطرف الحزبي» في ممارسات الكونغرس الأميركي نفسه. ونتيجة هذا كله عزوف حقيقي من قبل الأميركيين عن المساهمة الفاعلة في الحياة السياسية للبلاد التي تبدو وكأنها مقصورة على «فئة» من «المحترفين» الذين تحرّكهم مصالح «ضيّقة» كانت في الأصل قد ساهمت في دفعهم إلى الواجهة.
إن مؤلف هذا الكتاب يركز في تحليلاته للحياة السياسية المعاصرة في الولايات المتحدة على القول انها قد أصبحت، في السنوات الأخيرة خاصة، أكثر تحزباً، ولكن في الوقت نفسه أكثر استعداداً لحبك الدسائس والتوليفات دون النظر كثيراً إلى مدى مصداقية المعطيات والمكوّنات التي يتم استخدامها.
هكذا لم يتم التدقيق كثيراً بصحة المعلومات الخاصة بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل قبل شن الحرب عليه في ربيع عام 2003. كان «المونتاج» مطلوباً وهكذا جرت «فبركته». المؤلف يركّز من جهة أخرى على القول ان الساسة الأميركيين، وعلى رأسهم أصحاب القرار على قمة السلطة عاجزون بالمقابل عن مواجهة المشكلات الحقيقية المطروحة على القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم على الصعيدين الداخلي والخارجي.
الأميركيون واعون إلى حد كبير بهذا الواقع، كما يشرح المؤلف، ان نظامهم السياسي مأزوم في عمقه وآليات عمله. هذا الوعي هو الذي يجده في خلفية التدني الكبير لشعبية الرئيس جورج دبليو بوش، ولكن أيضاً التدني الكبير في شعبية الكونغرس نفسه، ذي الأغلبية الديمقراطية.
الجمهوريون والديمقراطيون إذن لديهم مشكلة مع الأميركي «دافع الضرائب». بكل الحالات تبقى الخلفية، كما يقول المؤلف ويكرر، هي في الوزن الكبير لمجموعات الضغط في الحياة السياسية والنزاعات الحزبية ودور المال وأنانية رجال السياسة. وفي أحيان كثيرة الجمع بين هذه المسببات أم بعضها.
من جهة أخرى وعلى خلفية هذه الصورة من الانقسام و«الحرب الأهلية الثانية» التي تشل الحياة السياسية الأميركية يقدّم المؤلف «تشخيصاً» للمعركة الانتخابية الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة. ويرى أن مختلف استطلاعات الرأي أثبتت كلها على مدى جيل كامل تقريباً أن نسبة الذين يعتبرون أنفسهم «محافظين متطرفين»، أي «أنصاراً» مخلصين للحزب الجمهوري، أو «لبراليين متطرفين» وبالتالي تذهب أصواتهم نحو الحزب الديمقراطي، نسبة «لم تتغير».
مع ذلك تشهد المعركة الحالية حالة جديدة تماماً وهي أن قوى انتخابية وديموغرافية وحتى مؤسساتية أدّت إلى تغيير كبير في الخارطة السياسية الأميركية، بل إن هذه القوى قامت بالتغيير «فيما يتجاوز الإطار السياسي الأميركي» نفسه وجذبت السياسة نحو «الهوامش» المتطرفة تاركة بذلك هامشاً صغيراً لـ «ذهنية المصالحة».
والنتيجة هي أن أميركا اليوم تمثل «بلاداً منقسمة على نفسها» إلى حد كبير. بالتالي يحظى أولئك الذين يقترحون عليها نموذجاً جديداً في ممارسة السياسة يخرج عن الإطار المعاق والمعيق في الوقت نفسه ، وإنما يحظون بقبول كبير من الناخبين الأميركيين.
بالاعتماد على مثل هذا التحليل يبدو أن «الفلسفة» التي كان قد اتبعها ذات يوم الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون والمتمثلة في التوصل إلى إقامة «ائتلافات» كبيرة والتعاون مع الحزب الآخر الخصم، ولاقت نجاحاً مشهوداً آنذاك إنما هي فلسفة عفا عليها الزمن كما يرى المؤلف.
ومن الملفت للانتباه أن كلاً من المرشح الجمهوري رودي غولياني والمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون يقتربان من فلسفة نيكسون. لكن المؤلف الذي يشير إلى ذهنية القول بـ «التفاهم العقلاني بين الحزبين» الموجودة لديهما قد جرى «طمسها» بسبب سيادة «أسلوب المواجهة» السائد في الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية الراهنة.
في إطار مثل هذا النهج من التحليل يبدو أن باراك اوباما على الجانب الديمقراطي يمثل، كون أنه أول أميركي من أصول إفريقية سوداء يصل إلى هذا المستوى من المنافسة الرئاسية، رمز أميركا «المتصالحة مع نفسها» ومع «التغيير».
بكل الحالات يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن «التغيير» الذي يتطلع إليه غالبية الأميركيين، بغضّ النظر عن انتمائهم الديمقراطي أو الجمهوري، إنما سوف يأتي، إذا حصل، بعد الانتخابات الرئاسية، وتحديداً بعد أن يتسلّم الرئيس الجديد مهام منصبه الجديد في الشهر الأول من عام 2009 المقبل. ويرى انه ليس مستبعداً في هذا السياق أن يلجأ الفائز من أي معسكر كان إلى «الانفتاح» قليلاً على المعسكر الآخر في الحكومة المقبلة.
ويقول المؤلف في معرض شرحه لمصدر «التحزّب المتطرف» إلى أن بعض المعطيات التي عرفتها فترة رئاسة رونالد ريغان كانت بمثابة المؤشرات الأولى على حالة الانقسام التي تعرفها الولايات المتحدة اليوم. ويرى أن ريغان كان شخصية «معقّدة» دخلت معترك السياسة في حقبة يسميها «حقبة المساومات»، أي «اعطني وخذ» وهي الفترة نفسها التي شهدتها إدارة نيكسون وجونسون.
بالنسبة لطريقة حكم الرؤساء الأميركيين السابقين يرى المؤلف أن الرئيس الأسبق روزفلت توجه بعد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة عام 1932 بمحاولة مد يده للمعارضة ولكنه تراجع لينضوي ضمن المنطق الحزبي «الصارم» بعد ذلك متخلياً في الوقت نفسه عن القيام بإصلاحات كبيرة كان من المتوقع أن يقوم بها. الحالة الشبيهة القريبة يراها مؤلف هذا الكتاب في الرئيس الأميركي بيل كلينتون الذي تأرجحت فترته الرئاسية بين «التحزّب المتطرف» والتعاون مع التيارات الأخرى.
بشكل عام يلجأ مؤلف هذا الكتاب إلى العديد من كبار موظفي الإدارات الأميركية السابقة والحالية وإلى العديد من الاستراتيجيين الأميركيين من ذوي الولاء الجمهوري أو الديمقراطي من أجل إلقاء الأضواء على التيارات التي قادت أميركا إلى «الطريق المسدود الخطير» الذي هي به الآن ولا تعرف كيفية الخروج منه. ومن المظاهر الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف للتدليل على خطورة هذا المأزق هناك الحالة التي وصلت إليها وسائل الإعلام الأميركية التي يصفها أنها قد غدت «شريرة أكثر وجديّة أقل».
أما مكمن الخطر الحقيقي فيجده المؤلف في حصيلة تحليلاته بالقوى ان الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم «دون توجه واضح»، وأن القضايا الكبرى التي تحتاج إلى إجماع كبير من قبل الأمة كلها لا تجد من يتصدّى لها بذهنية تعاون الجميع بعيداً من التحزّب المتطرف.
هكذا تبدو أميركا وكأنها على أبواب أزمة حقيقية من حيث واقع انقسامها الذاتي على الصعيد السياسي، وأيضاً بسبب الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها البلاد في السنوات الأخيرة. مع ذلك يفتح المؤلف قوسين ليؤكد أن الناخبين الأميركيين يقترعون أكثر فأكثر على خلفية مصالحهم الاقتصادية. هذا ما يدل عليه تحليل شرائح الناخبين الديمقراطيين والجمهوريين. وهذا يزيد من خطورة «الاستقطاب» حول مسائل تتعلق خاصة بـ «القيم».
*الكتاب:الحرب الأهلية الثانية
*الناشر:بينغوين ـ نيويورك - لندن 2007
*الصفحات :495 صفحة من القطع المتوسط
The second civil war
Penguin Press- New York- London 2007
p.495

