يعمل أوليفييه روا باحثاً في مركز الدراسات والبحوث الدولية في باريس، وهو أحد أهم الأخصائيين الغربيين المعاصرين بالعالم الإسلامي. يحمل شهادة التأهيل العليا (اغريغاسيون) في الفلسفة والدكتوراه في العلوم السياسية.

ألف حوالي عشرين كتابا عن الإسلام في آسيا بشكل خاص منها: «أفغانستان والإسلام والحداثة السياسية» و«إيران: كيف يمكن الخروج من ثورة دينية»؟ و«تركيا اليوم، هل هي بلاد أوروبية»؟ و«الهلال والفوضى»، الخ. يعود اوليفييه روا في هذا الكتاب «آسيا الوسطى الجديدة» إلى البحث في التاريخ القريب لمنطقة آسيا الوسطى، لكنه يبدأ بالتعرض لتاريخ هذه المنطقة منذ الحملات العسكرية الروسية منذ نهايات القرن الثامن عشر وحتى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. وكانت محصلة تلك الفترة المضطربة هي إحكام السيطرة الروسية على تركمانستان وكازاخستان وقرغيزستان ليمدّوا بعد ذلك مناطق نفوذ إمبراطوريتهم وصولا إلى حدود بلاد فارس وأفغانستان.

ما يؤكده المؤلف هو أن المسار السياسي الاستراتيجي الروسي في زمن القياصرة، وكذلك أيضا خلال الحقبة السوفييتية، يمكن تعريفه بالجملة التالية «فرّق تسد». كانت الترجمة العملية لهذا المبدأ هي محاولة زيادة الشقاق والنزاعات بين الإثنيات المختلفة. كذلك تمّ في الوقت نفسه الحرص على أن لا تشهد المؤسسات ذات الطابع القديم، و«الجامد» أية تبدلات في آسيا الوسطى.

ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات الآليات التي جرى على أساسها خلق جمهوريات اشتراكية في إطار الاتحاد السوفييتي السابق ما بين عام 1924 وعام 1936. هذه الجمهوريات السوفييتية السابقة هي التي غدت فيما بعد خمس جمهوريات مستقلة في آسيا الوسطى إثر انهيار الإمبراطورية السوفييتية السابقة.

ما يركّز عليه المؤلف في تحليلاته هو التأكيد على أن الإسلام قد استيقظ ببطء كبير بعد فترة ثبات طويل استمرّت سبعة عقود من الزمن، أي خلال فترة «حياة» الاتحاد السوفييتي. ويحدد المؤلف القول ان أغلبية المسلمين في آسيا الوسطى هم من السنّة، بل وبتحديد أكثرهم من أتباع المذهب الشافعي، كما تتواجد مجموعات شيعية «اثني عشرية» وإسماعيليين.

ويتم التأكيد في هذا السياق على أن العزلة التي عانت منها بلدان آسيا الوسطى خلال عقود الحقبة السوفييتية خلقت علاقات خاصة بين الإسلام والسياسة والحياة الاجتماعية. هذا لاسيما وأن الإسلام، مثل بقية الأديان الأخرى، استطاع البقاء ب«شكل سرّي» في ظل الأيديولوجية الشيوعية التي أعلنت «العداء» للأديان كلها. أو إنه استمر بصورة «إسلام رسمي» يقيم المشرفون عليه علاقات وطيدة مع موسكو التي كانت عمليا هي التي دفعتهم إلى الواجهة.

ويرى المؤلف أن العقد الذي تلا حصول الجمهوريات السوفييتية السابقة على استقلالها بعد عام 1991، كان قد شهد عمليا «إعادة اندماج» آسيا الوسطى في إطار التيارات الكبرى للعالم الإسلامي المعاصر. ومن أهم ميزات إعادة الاندماج هذه كان هناك بروز «إسلام رسمي» خاضع تماما لسيطرة الحكومات، كما كان الحال أثناء الحقبة السوفييتية،

ولكن أيضا بروز «إسلام راديكالي» دخل في اللعبة السياسية كما في حالة طاجيكستان أو أصبح في صفوف المعارضة للتعبير عن حركات احتجاج اجتماعية ضد السلطات القائمة، والمثال الذي يقدمه المؤلف على مثل هذه الحالة هو اوزبكستان. كذلك تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن التيارات الصوفية ذات التواجد القوي في آسيا الوسطى حرصت على ابتعادها عن العمل السياسي، ويركّز المؤلف تحليلاته عن هذه التيارات الصوفية على جمهورية طاجيكستان.

إن السمة الأساسية في «آسيا الوسطى الجديدة» هي إذن، كما يقدمها اوليفييه روا، عودة الإسلام بمختلف التيارات التي حددت توجهات نشاطاته العامة تحت لوائه إلى واجهة العمل السياسي. ويحدد المؤلف هذا الإطار بالقول إن بروز السمات العقائدية لدى مجتمعات جمهوريات آسيا الوسطى بعد الاستقلال عام 1991 هي واقع واضح للعيان، ولكنه في أغلب الأحيان هو مجرد إظهار ممارسات دينية كانت حيّة دائما وإنما عرفت «السريّة» في ظل الحكم الشيوعي السوفييتي.

ومن أهم المظاهر التي يتم التأكيد عليها للتدليل على إحياء الأيديولوجيات الإسلامية يضع المؤلف حركة بناء عدد كبير من المساجد في رأس قائمة هذه المظاهر. وهو يميّز بين ثلاث «فئات» من المساجد تشمل المساجد الكبيرة التي يمكنها أن تكون إطارا لتعبئة سياسة أوسع وأشمل مثل مسجد «الفرغانة»، والمساجد «التاريخية» التي تسمح للدول بإعادة الصلة مع تاريخها مثل مسجد «بهاء الدين النقشبندي» في بخارى، والفئة الثالثة يسميها المؤلف بالمساجد «المحليّة» التي يتم بناؤها في الأحياء.

ويشير المؤلف في السياق نفسه أيضا الى أنه من الصعب أحيانا التمييز بين مؤشرات العودة القوية للتقاليد الإسلامية مثل الزيادة الكبيرة في عدد النساء المحجّبات في الشوارع قياسا إلى الحقبة السوفييتية وبين نوع من العودة إلى التقاليد بتشجيع من الدول ذات النزعات المحافظة الداعية للعودة إلى التقاليد مع ما يرافق هذا من مظاهر على صعيد اللباس ومختلف الممارسات الاجتماعية. تتم الإشارة هنا إلى القانون الذي تبّنته حكومة اوزبكستان عام 1993 في ظل الرئيس «كريموف» بخصوص إعطاء سلطات للمتنفذين في الأحياء.

الفكرة الأساسية التي تدور حولها تحليلات هذا الكتاب يتمثل في التأكيد على أن دور الإسلام في الحياة العامة تشكل رهانا استراتيجيا بالنسبة لجميع القوى الفاعلة في المجال السياسي لجمهوريات آسيا الوسطى فيما بعد الحقبة السوفييتية، وذلك بالنسبة للحكومات ومحاولتها تقوية وتعزيز «الإسلام الرسمي» لتوظيفه في إطار استراتيجياتها، وأيضا بالنسبة للمعارضات التي تستخدمه كسلاح شديد الفعالية فيما يخص التعبئة بالنسبة لقطاعات واسعة من المجتمع.

هكذا يؤكد المؤلف على أن جميع حكومات «آسيا الوسطى الجديدة» قامت عمليا بانتهاج آليات البنى السوفييتية السابقة نفسها فيما يخص الاعتماد على «ممثلين رسميين» للإسلام، بل إن هذه الحكومات طوّرت هذه البنى وقامت ب«تأميمها» من أجل إعطائها طابعا وطنيا. لذلك وقعت جميع الجمهوريات المعنية من شأن «قاضي الجمهورية» كان هؤلاء «القضاة» تابعين في ظل الحقبة السوفييتية ل«مفتي طشقند» ليصبح «مفتي الجمهورية» المستقل ذاتيا عن مفتي طشقند.

ويرى المؤلف أن رقابة الدولة على الحركة الشعبية، بما في ذلك وخاصة المكوّن الإسلامي فيها، هي الأكثر وضوحا بين جمهوريات آسيا الوسطى. وهناك في البلاد 18 مدرسة دينية بواقع واحدة لكل ولاية وثلاث في طشقند. وهناك مدرسة عليا لتخريج الأئمة في بخارى، تستمر الدراسة فيها أربع سنوات دراسية. لكن الدولية تبدي «كرما كبيرا» حيال رجال الدين الذين يعملون بالتنسيق معها.

وكان قد جرى في الأول من شهر مايو 1999 إصدار قانون حول «حرية الضمير» استدعى التسجيل المسبق لأي تجمّع يفوق عدد المشاركين فيه المئة شخص، وكذلك تسجيل نشاط جميع المساجد. وفي طاجيكستان حدد بتاريخ 23 مايو 1998 قانون يمنع الأحزاب الدينية بما في ذلك حزب النهضة الإسلامية الذي كان يشارك في الائتلاف الحاكم، ولكن المحكمة العليا رفعت المنع عن الأحزاب المعارضة في شهر أغسطس 1999.

لكن بكل الحالات حرصت الأنظمة الأنظمة الجديدة «المستقلة» في آسيا الوسطى على أن «تنزلق» نحو نزعة متطرفة في عدائها للأيديولوجية الدينية ولرجال الدين المسلمين مثلما كان الحال غالبا بالنسبة للنظام السوفييتي. وهناك بلدان فقط ينص دستورهما صراحة على أنهما علمانيان «دنيويان»، هما كازاخستان وتركمانستان.

أما اوزبكستان وطاجيكستان، حيث التيارات ذات المرتكزات العقائدية الدينية قوية تاريخيا، فإنهما تبنيا الكثير من الممارسات الدينية مثل اعتبار عيدي الفطر والأضحى كمناسبة لتعطيل العمل في الدوائر الرسمية، بل إن اوزبكستان أعادت الاعتبار رسميا عام 1993 ل«بهاء الدين نقشبند» مؤسس الطريقة النقشبندية.

في المحصلة يرى المؤلف أن دور آسيا الوسطى «الجديدة» نجحت في السيطرة على ما يسميه ب«الإسلام الرسمي» على قاعدة سياسة يقوم بتشبيهها مع تلك السائدة في المغرب ومصر وتركيا. كذلك يرى «اوليفييه روا» أن هناك «تشابها أيضا» من حيث المنافسة بين عدة تيارات عقائدية في آسيا الوسطى على أساس اثني وبين التيارات «الشيوعية» التي كانت تتنافس أيضا على الأساس الإثني نفسه. بهذا المعنى يكون العاملان الديني والإثني بمثابة الركيزتين الأساسيتين للحياة السياسية والاجتماعية في آسيا الوسطى اليوم.

*الكتاب:آسيا الوسطى الجديدة

*الناشر:جامعة نيويورك 2007

*الصفحات:248 صفحة من القطع المتوسط

The new central Asia

New york university 2007

P. 248