ماذا يجري في رؤوس أولئك الذين يقومون بتنفيذ عمليات القتل؟ وكيف ينظر مجرمو الحرب إلى أفعالهم؟ وكيف وصلوا إلى قدرة ممارسة القتل دون أن يرف لهم جفن؟ وأسئلة أخرى كثيرة يحاول مؤلف هذا الكتاب تقديم الإجابات عليها انطلاقا من موقعه كعالم نفساني ومن كونه ينتمي إلى الأمة الألمانية التي عاشت تجربة النازية التي مارست عمليات القتل «على الشبهة» .

وكانت المادة التي تعامل معها للوصول إلى بعض التفسيرات والإجابات هي بالتحديد الأراشيف الخاصة بمحاكمات العديد من منفذي عمليات القتل بعد أن كان «دولاب» سلطتهم قد «دار» في الاتجاه الآخر الذي قادهم إلى السجون أو ربما إلى منصّات الإعدام. تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية يحمل الأول عنوان: «قاتل كبير وأخلاقي»، ويعالج المؤلف فيه «أخلاقيات القاتل» و«أخلاقيات التيار القومي ـ الاشتراكي»، ويقصد به الحزب الذي حمل هذا الاسم وشاعت تسميته بالحزب النازي، ويختتم هذا القسم بالتعرض أيضا لدراسة حالة عيانية تخص «الرايخ الثالث كنموذج ومعيار».

أما القسم الثاني و«الأطول» في الكتاب فيحمل عنوان «أوضاع القتل» وهو مكرّس لمناقشة سلوكيات الفاعلين ونمط تفكيرهم «قبل» شروعهم بعمليات القتل و«أثنائها» وآليات العلاقة بين عمليات القتل والحياة اليومية ثم الصعوبات «البسيكولوجية» اللاحقة. والقسم الثالث مكرّس لدراسة حالات معروفة في تاريخ القتل الجماعي في كل من فيتنام ورواندا ويوغسلافيا السابقة.

وفي معرض الحديث عن «التجربة الألمانية» للقتل في ظل النازية يعود المؤلف إلى سنوات الستينات ليذكر جملة قالها الضابط النازي السابق أدولف ايخمان عندما حاكموه في إسرائيل بعد خطفه في أميركا اللاتينية وجاء فيها: «أنا لست الوحش الذي صنعوه منّي، فأنا ضحية خطأ في طريقة التفكير والمحاكمة العقلية».

حول هذه النقطة الأساسية الخاصة بالتساؤل عما إذا كان القتلة الكبار هم «وحوش» أم «ضحايا» هم أنفسهم لسياق ما. تتركز شروحات الكتاب على هذه النقطة التي لا تزال غامضة ومشوشة رغم الدراسات الكبيرة المكرّسة لهذا الموضوع.

ولا يزال هناك سؤال كبير لم يتم، حتى الآن تقديم إجابات كافية وافية له. هذا السؤال تكمن صياغته كالتالي: ما هي الآليات الاجتماعية والبسيكولوجية التي تدفع موظفين لا سوابق لهم أو بيروقراطيين نموذجيين أو رجال شرطة شجعان وأرباب عائلة نزيهين كي ينزلقوا نحو القتل الجماعي؟ بتعبير آخر ما الذي يدفع أشخاصا من هذا الصنف كي يمارسوا «الشر اعتياديا»، حسب تعبير الفيلسوفة الشهيرة حنّة آرنت.

ما يؤكده المؤلف هو أن الجلادين لا يتحدثون أبدا عن أفعالهم، وربما كون أنه ليس لديهم ما يقولونه. نقرأ: «إنهم قادرون على النظر لأنفسهم كضحايا لمهمة أرغمتهم الظروف التاريخية على القيام بها». وهو يقصد بهذا التوصيف أساسا المجرمين النازيين و«لا مبالاتهم المرعبة» على جميع المستويات ابتداءً من المنفذين «الصغار» ووصولا إلى «أصحاب القرار».

يؤكد المؤلف هنا أيضا أنه «بين جموع أولئك الذين حضّروا ونفّذوا عمليات القتل يتم تقدير نسبة أولئك الذين أثار لديهم ما قاموا به إلى حالة من التشوش الذهني بما بين 5 إلى 10 بالمئة، وهذه نسبة ضئيلة جدا بالمقارنة مع معطيات المجتمع الحالي»، حسب تعبير المؤلف، ثم أضاف: «إنهم لم يعانوا، بعد التحضير لما قاموا به ونفّذوه، من الأرق وقلّة النوم والكآبة وحالات القلق وذلك على خلاف ضحاياهم الذين ظلّوا على قيد الحياة».

إن المؤلف يعود في تحليلاته إلى الكثير من الأدبيات التي صدرت حول مجرمي حرب سابقين.

وكذلك يعتمد على دراسات عديدة قام بها محللون نفسيون، أميركيون خاصة، حول سلوك الجماعات الإنسانية في انصياعها لسلوكيات محددة مهما كانت مخالفتها للعرف السائد.

لكن يبقى المصدر الأساسي الذي يرجع إليه المؤلف في تحليلاته هو محاضر التحقيق القضائي عن الفترة النازية والتي تمّ الكشف عنها في سنوات الستينات المنصرمة، وأيضا في اللقاءات التي قام بها هو شخصيا مع عدد كبير من رجال الشرطة العاديين أو مع موظفين جعلتهم مواقع عملهم على احتكاك مع عالم القتل الجماعي.

التوصيفات التي يقدمها المؤلف لأولئك الذين يقومون بتنفيذ عمليات القتل هي أنهم على قناعة عند قيامهم بـ «واجبهم» ولا تهزهم بالتالي رؤية عيون ضحاياهم المليئة بالدماء أو حتى رؤية أدمغتهم وقد تطايرت من داخل جماجمهم. أما التردد، فإنه إذا حصل، لا يكون سوى في البدايات ثم تصبح العملية «آلية». يقول المؤلف: «ليس هناك أية حالة مثبتة كان قد رفض فيها أحدهم المساهمة في عملية قتل إذا كان رفضه سيجر عليه نتائج شخصية خطيرة».

كان الضغط الذي تمارسه «الذهنية الجماعية» والخوف من الاتهام بالجبن يلعبان دورهما في جعل المكلّفين بالقتل لا يتراجعون عن القيام بما هو مطلوب منهم، ولو كان الأمر يتعلق بقتل أطفال، ولو كان ذلك لا يروق لهم أيضا.

بكل الحالات يتم التأكيد على أن «عصيان الأوامر» أو الخروج عن «الصفوف» أو تبنّي سلوك غير نمطي هي أمور «فوق طاقتهم بكل بساطة» وبالتالي كان «إطلاق النار» أو «استخدام الحربة» أكثر سهولة. ويتم التأكيد في هذا السياق، كما أظهرت التحليلات المقدّمة حيال مجازر فيتنام أو رواندا أو يوغسلافيا، أن «المجازر» تبدأ أولا في الرؤوس قبل أن يتم تنفيذها على أرض الواقع. وتسبق عملية الإبادة «الجسدية» في أحيان كثيرة عمليات التهميش والاستبعاد ومصادرة الأملاك.

وبمقدار ما يفقد المعنى «الآخر» من مكانته يزداد تضخيم قيمة الفاعل «الأنا». وفي «النهج» نفسه من التفكير والسلوك تغدو هناك «مجموعة من المستفيدين» وبحيث يصبح اللجوء إلى القتل «فعلا مندرجا بشكل طبيعي في السياق الاجتماعي» المعني. وحسب هذه الآلية نفسها نظر النازيون لأنفسهم على أنهم يمثلون «العرق الآري» النبيل بينما نظروا للآخرين، وخاصة لليهود، على أنهم مجرّد «طفيليات على الشعب الألماني».

ولا يقتصر مؤلف هذا الكتاب على دراسة ألمانيا النازية التي يوليها اهتماما كبيرا بحكم كونه هو نفسه ألمانيا، وإنما تشمل دراسته في القسم الثالث دراسة ثلاث حالات محددة في آسيا وإفريقيا وأوروبا. ويبرهن أنه في جميع الحالات كان المنطق في القتل هو نفسه.

هكذا يحلل المؤلف الخلفية التي قامت على أساسها مجازر سربينيتشا التي ذهب ضحيتها ما يزيد على ثمانية آلاف من المسلمين على يد القوات الصربية. ويخلص دراسته لشخصية «درازن ارديموفيك» الذي كان أول من أدانته المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بسبب اشتراكه في تلك المجازر. يقول المؤلف بخصوصه: «إنه، بطريقته في بناء شخصيته، يمثل النموذج شبه المثالي لمنفذ جرائم القتل كما ظهرت صفات هذا النموذج على مدى هذا البحث كله».

ويؤكد المؤلف، من خلال دراسته الدقيقة لملف هذا القاتل، أنه كان يعارض في الأصل العنف داخليا، وبالتالي كان «يعارض القتل، لكن الأمر انتهى به بعد سلسلة من الظروف السيئة القاسية التي لم يكن يستطيع أن يفعل أي شيء لمنعها إلى أن يلبس الزي العسكري الموحّد في إطار وحدة كانت مهمتها هي تنفيذ عمليات قتل جماعي لم يكن يستطيع أن يفعل أي شيء ضدها فرديا».

ويؤكد المؤلف أيضا أن «ارديموفيك» أبدى بعض «الندم» أثناء محاكمته في لاهاي. في المحصلة يرى أن الطريق للقتل يمر بمراحل. نقرأ: «إن غض النظر وترك الأمور تجري والتعاون والمشاركة الفعلية ليست هي أنماط متمايزة من السلوك، وإنما هي مراحل عليالطريق نفسه ».

*الكتاب:منفذو عمليات القتل، من البشر العاديين إلى عتاة القتلة

*الناشر:غاليمار ـ باريس 2007

*الصفحات:354 صفحة من القطع المتوسط

Les exécuteurs des hommes normaux aux meurtriers de masse

7002 siraP - dramillaG

p.354