تنتمي الروائية والشاعرة وكاتبة السيناريو والمخرجة السينمائية الصينية كسياولو جوو إلى تلك النوعية من المبدعات اللواتي يمكننا وصفهن بأنهن مواطنات العالم اللواتي لا يعرفن الخوف، فهي قد انطلقت من قرية صيد نائية في أقصى جنوب الصين إلى بكين حيث تخصصت في دراسة السينما، ثم رأت أن الانطلاق إلى لندن سيكون شيئاً جميلاً.
وعلى الرغم من أنها لدى وصولها إلى عاصمة الضباب لم تكن تتحدث الإنجليزية إلا بالكاد، إلا أنها بعد سنوات قلائل أطلقت روايتها المدهشة المكتوبة باللغة الانجليزية «قاموس إنجليزي ـ صيني مختصر للعشاق»، التي أدرجت في القائمة القصيرة للأعمال المرشحة للفوز بجائزة أورانج الأدبية الشهيرة، وهي حالياً تقيم في فرنسا للقيام بنشاط مكثف متعلق بمهرجان كان السينمائي.
رواية «عشرون شذرة من شباب جائع» الصادرة بالانجليزية لجوو مؤخراً هي ترجمة جديدة لأول رواية صدرت لها باللغة الصينية منذ عشر سنوات أو أكثر، وقد انتهزت الروائية هذه الفرصة لتقيم العمل في ضوء افتقاره إلى النضج من منظورها في المرحلة الراهنة.
ولكن من المؤكد أن هذا العمل لم يكن سيئاً جداً في أصله الصيني، فمن غير المحتمل أن أحد أعمال الشباب يمكن تحويله إلى هذه الرواية المتألقة والناضجة التي يجدها القارئ أمامه اليوم. شأن الروائية، وقت كتابة هذه الرواية، فإن الراوية هي فتاة في السابعة عشرة من عمرها، تدعى فينفانج، تنطلق إلى بكين من قرية نائية يزرع أهلها البطاطا الحلوة.
لاشيء على مدى الشوق إلا البطاطا الحلوة. وتقول فينفانج إنه في الوقت نفسه من كل مساء فإنك تسمع الرجل العجوز وهو يطلق السعال ذاته في طريقه إلى الدار عائداً من الحقول. في بكين، تحصل فينفانج على عمل في دور هامشى حيث تؤدي دور «امرأة على رصيف محطة السكك الحديدية» أو دور» فتاة خائفة في مطاردة بوليسية». وعلى مدى عامين ترتبط بعلاقة مع أحد مساعدي الإنتاج،
ثم تهجره إلى بن، وهو طالب أميركي. وهي لا تتحدث طويلاً عن هذه العلاقة، ونكتفي بالقول: «يمكنك مراجعة أي قاموس صيني، ولن تجد كلمة تعبر عن معنى (الرومانسية)، لذ فإن الصينيين يستخدمون لأداء هذا المعنى كلمة (لومان)، وهي التحريف الصيني للمقطع الأول من كلمة (رومانس) الانجليزية.
وتقول فينفانج أيضاً:«إننا نحن الصينيين كنا جماعيين لوقت طويل للغاية بحيث أن التواريخ الشخصية تغدو بالنسبة لنا غير جديرة بالذكر». وبطلة الرواية لا تصف أيضاً الكيفية التي تفلح بها في العثور على الشقق التي تشبه الكهوف التي تقطن فيها، والتي عادة ما تكون محتوية على الصراصير، التي تصفها بأنها: «تجثم على حواف الأكواب، وتستقر في موقدي الذي أستخدمه لتسخين الأرز متأملة معنى الحياة».
وفي إحدى المرات تلقي الشرطة القبض عليها لتأجير شقتها من الباطن بطريقة غير مشروعة، ولكنها ما تلبث أن تعثر على شقة أخرى من النوعية نفسها لتقيم فيها. وهي تقر بأنها تزدهر في ضوء الشعور بالافتقار إلى الأمن، وهي تتخلى عن عمل وظيفي بعد أن تمضي فيه يوما واحداً، لأنها أحست بالضجر من ترتيب الملفات.
هذه الشخصية الخشنة، المفعمة بالضجر، قادرة على اجتذاب القارئ على نحو غريب. وعالمها هو، في جوهره، عالم كوميدي. وهي تقفز من الفراش لترد على الهاتف، معتقدة أن المتصل قد يكون بن، الذي عاد إلى بوسطن، وهي عندما تخرج من الفراش،
تلاحظ أن الشقة تتجمد برداً، فتحرص على ألا تنظف أسنانها بالفرشاة حتى لا يتسرب الدفء من فمها، فيراودك الشعور بأن تلك هي بكين المجهولة، التي لن يقدر لك أن تعرفها قط، كما يراها الشباب ممن هم في مثل هذه المرحلة من العمر.
يتصل بن فينفانج كثيراً على هاتفها النقال، لكن كل ما يبدو أنهما يتحدثان فيه هو سوء الاتصال بينهما عبر الهاتف. ويثور التساؤل الذي يعبران عنه: «لماذا نستمر..؟ ألم ندرك أن 18400 ميلا تفصل أحدنا عن الآخر؟. والمسافة أقرب بينهما إذا قيست باتجاه الشرق، فهي في هذه الحال ستصل إلى 6000 ميل، ولكنها تفكر في الطريق عبر الاتجاه غرباً عن طريق دكا، دلهي، طهران، فرانكفورت ولندن للتأكيد على عبثية الأمر بكاملة والطابع الغربي الغريب لأميركا.
منذ هجرت فينفانج مساعد الإنتاج، أصبح غيوراً على نحو استحواذي، ولكن بينما مضت تتجاهله، فإنها لم تضق به ذرعاً، ولم يعد لها الآن إلا صديقان، هما كاتبا السيناريو هوزي الذي يعجب بدور «الفتاة الخائفة» الذي قامت به في السيناريو الذي أنجزه، وباتون الذي كان شريكاً لبن في السكن، والذي يحاول تحقيق النجاح في هوليوود، ونحن لا نعرف أبداً السر في أنه ذهب إلى بكين ليحرز النجاح في هوليوود.
تستلهم فينفانج ما يقوله باتون نقلاً عن تنيسي وليامز من أن المرء لا ينبغي أن يهدر طاقته إلا بعد أن يكون قد أنجز المسودة الأولى لعمله، وهكذا فإنها تكتب معالجة سينمائية عن رجل يقوم بوظائف هامشية في بكين، وتقدم لنا كسياولو جوو هذه المعالجة في روايتها، وهي شأن الرواية ذاتها تجعل النص الذي نقرأه عملاً مؤثراً يمس القلب شأن ملحمة عن الحب والحرب والمصائر المتداخلة.
ونلاحظ أن الجوع الذي يشير إليه العنوان ليس متصلا بحال بسعي الشباب إلى الحق والجمال، ذلك أن فينفانج جائعة على الدوام، والرواية رائعة في كل ما يتعلق بالطعام، وألوانه وطرق إعداده، ابتداء من المعكرونة، حساء رؤوس السلطعون، لحم الخنزير، الزلابية، وليس انتهاء بأطعمة محال ماكدونالد التي تعد فظيعة في التصور الذهني الصيني، ولكنها توجد فيها مكيفات هواء، وهي تعد من الأماكن القليلة في بكين التي يتاح لك مجال للجلوس فيها.
من هذا المنظور، فإن الرواية ليست شريحة من الحياة في عالم بكين المجهولة، وإنما هي شظية منها فحسب، الأمر الذي يدفع القارئ إلى التطلع إلى المزيد مما ستقدمه كسياولو جوو في المستقبل من أعمال روائية.
ونلاحظ أنه على الرغم من أن أسواق النشر الغربية لاتمد السجاجيد الحمراء الوثيرة تحت أقدام المؤلفين الذين تترجم أعمالهم عن لغات تعكس ثقافات بعيدة عن الغرب، إلا أن هذه الرواية تحظى بحماس الكثير من النقاد والقراء على حد سواء.
وعلى سبيل المثال فإن موقع دار راندوم هاوس للنشر يصف هذه الرواية بأنها عمل نادر نلتقي في رحابه بامرأة لا سبيل إلى أن تعرف الهزيمة، ترتحل 1800 ميل لتجرب حظها في مدينة عرفت تقليدياً بصراعاتها الطاحنة، وهي لا ترغب أبداً في العودة إلى قريتها التي تمتد فيها حقول البطاطا الحلوة ملء الأفق، وهي قادرة على استقطاب اهتمامنا بكل ما في حياتها من تفاصيل حتى وإن كانت عادية، بل هامشية.
لا تردد الروائية ايمي تان في وصف هذه الرواية في إيجاز بالغ بأنها: «عمل أصيل، طريف، وحكيم». أما الناقدة جوان هاريس فتقول عنها: «لست اعتقد أنني قد استمتعت بكتاب قدر استمتاعي بهذه الرواية طوال الاثني عشر شهراً الماضية».
وتقول عنها الكاتبة كاتي فورد إنها: «مزيج رقيق من المرح، الحزن، الجنس، الانتزاع من المكان، ولا سبيل إلى أن ينحيها المرء جانباً إلا بعد أن يفرغ منها تماماً». وتظل هذه الرواية عملاً نادراً، يتحدى القراء بما فيه من عناصر الهشاشة والقوة والسوداوية والتفاؤل في آن، وربما كان هذا هو على وجه الدقة ما يدعو إلى الاقتراب منه عبر أكثر من قراءة وعلى أكثر من صعيد.
مسافة لا تحتمل
«أجلس وحيدة بعض الوقت، أحدق في عظام السمك الذي يهترئ في القدر. كان اليوم يوماً غريباً. كان كسياولين هو الشخص الوحيد في الدنيا الذي تربطني به صلة حميمة. كنا كعائلة، وأفراد العائلة يؤذي أو يكره بعضهم بعضاً على الدوام. وبن ليس عائلتي، فهو يحيا من أجل ذاته. إنه جسم غربي. عندما كنت أنا وبن نرقد سويا، كان بمقدوره أن ينسى كل شيء عن المحبوبة التي ترقد إلى جواره في الظلام.
وساورني الشعور بأنه لا يحتاج إلى الكثير من الدفء من أي شخص. فقد أغفت روحه وحيده. ولم يكن بمقدورنا أن يستحوذ أحدنا على الآخر بالطريقة التي أردتها. وبمقدوري أن أتصور كيف أنه بعد أن رقدنا أنا وبن معاً كان ينأى بجسمه عني في جوف الليل.
كان ظهره يواجهني، وعلى الرغم من أن جسمينا لا يفصلهما إلا سنتيمتران أو ثلاثة، فإنني لم أستطع احتمال تلك المسافة، فتلك الهوة الصغيرة تضايقني كثيراً جداً، وكانت مؤشراً آخر لكيف أن الوحدة العضوية أكثر ثقلاً بكثير من الوحدة العاطفية».
*الكتاب:عشرون شذرة من شباب جائع
*الناشر:شاتو أند وندسور لندن 2008
*الصفحات:280 صفحة من القطع المتوسط
20 Fragments of a Raveno Youth
Chatto and windsur london 2008
P.280
