يسعى هذا الكتاب (الملك فاروق في الأدب المصري) للدكتور مصطفى بيومي إلى رصد وتحليل الموقع الذي يحتله الملك فاروق في الأدب المصري الحديث من خلال مجموعة من الكتاب المتميزين الذين يشكلون في مجموعهم تعبيرا وافيا عن خريطة الأدب عبر مراحله المختلفة: نجيب محفوظ، يوسف إدريس، يوسف السباعي، إحساس عبد القدوس، سليمان فياض، صنع الله إبراهيم، إبراهيم عبد المجيد، حسين عبد العليم، جميل عطية إبراهيم، بهاء طاهر. يتوقف الكتاب أمام إبداعهم كعينة دالة وكاشفة عن التوجه العام للرواية والقصة القصيرة في مصر.

والمؤلف د.مصطفى بيومي تخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة ونال درجة الماجستير في موضوع (الكتابات الصحفية ليحيى حقي وقضايا التغيير الاجتماعي في مصر)، من كتبه (الفكاهة عند نجيب محفوظ) و(معجم أعلام نجيب محفوظ) و(نجيب محفوظ والأخوان) و(جمال عبد الناصر في الرواية المصرية)و(سعد زغلول في الأدب المصري) و(قراءة في رباعيات صلاح جاهين) و(القرآن الكريم في أدب محفوظ). يقول د.مصطفى بيومي: لنجيب محفوظ (1911 ) ويوسف السباعي (1917) وإحسان عبد القدوس (1919) مؤلفات منشورة في ظل الحكم الملكي، ولفتحي غانم 1934 ويوسف إدريس 1927 قصص منشورة في العهد نفسه،

أما سليمان فياض 1929 وبهاء طاهر 1935 وجميل عطية إبراهيم 1937 وصنع الله إبراهيم 1939 وإبراهيم عبد المجيد 1946 وحسين عبد العليم 1956 فلم تبدأ رحلتهم الإبداعية إلا بعد سنوات غير قليلة من طرد الملك وإلغاء النظام الملكي، بل إن آخر هؤلاء الكتاب موضوع الدراسة قد ولد بعد سنوات من طرد الملك.

معاصرة فاروق ومعايشة مرحلته التاريخية ليست المعيار الوحيد لتناول شخصيته واتخاذ موقف منه في النص الأدبي، من ناحية لأن الحديث عن فاروق، الشخصية التاريخية، ليست حكرا على المعاصرين له وحدهم، ومن ناحية أخرى لأن التعرض للأعلام من أمثاله يعكس، أو ينبغي أن يكون الأمر كذلك توجها سياسيا وموقفا فكريا، يتأثر بعهود أخرى ومتغيرات عديدة لا علاقة لها بالملك وعصره.

ويضيف المؤلف: قد يغيب الملك فاروق عن كتابات محفوظ والسباعي وإحسان وغانم وإدريس المنشورة قبل ثورة يوليو 1952، لكن صورة الملك في أعمالهم المكتوبة خلال الحقبة الناصرية تختلف بالضرورة عن صورته في الأعمال التي كتبت ونشرت في ظل حكم السادات،

والتوجه الناصري يفرض صورة نمطية عن الملك يصعب الفكاك منها، والانفتاح الساداتي، بما صاحبه من إعادة تقييم التجربة الناصرية يؤدي إلى إيجاد صورة بديلة مختلفة، تعبر عن التفاعلات في عصر السادات أكثر من تعبيرها عن موقف من المرحلة الملكية نفسها.

لقد لعب الملك فاروق دورا بالغ الأهمية والخطورة في الحياة المصرية، واتخاذ موقف عدائي من الملك لا ينبغي أن يصرفنا عن دراسته في إطار يقترب ـ قدر الطاقة ـ من الموضوعية، ويبتعد عن الإنشائية والتعميم، لقد شاع عن فاروق بواسطة ثورة يوليو وإعلامها، توصيف أخلاقي لا علاقة له بالسياسة، وهو توصيف بصرف النظر عن مدى أمانته ودقته،

ينطلق من الحياة الشخصية ليصب في المجرى السياسي بكل ما يترتب على هذا الخلط من ارتباك وخلل.. ربما يكون الملك فاروق شريرا فاسدا منحلا، لكن هذه الصفات جميعا نجدها عند حكام كثيرين في عهود مختلفة، ولم تخل الحقبة الناصرية الثورية نفسها من شر وفساد وانحلال،

لا تقارن به مساوئ وتجاوزات فاروق ومن الخطورة بمكان أن يدان فاروق الملك لأسباب تتعلق بفاروق الإنسان، ولو اعتمد مثل هذا المنهج الموغل في التعسف لأدينت دون تردد ـ وبقسوة بالغة ـ كافة العهود السابقة لفاروق والتالية له.

ويرى المؤلف أن الملك فاروق رمز نظام كامل، وبسقوط الملك كان منطقيا أن يسقط النظام كله، ووجود فاروق في إبداعات الكتاب المصريين، يكشف عن موقف سياسي وفكري ويعبر عن مرحلة وعصر ولا يتوقف أمام الإدانة الوعظية السهلة لسلوك وأفعال.

ويقول د. مصطفى بيومي: نجيب محفوظ كاتب وفدي موضوعي، ووفديته تملي عليه أن يعادي الملك، العدو التقليدي للوفد، ويتخذ منه موقفا سياسيا سلبيا، وموضوعيته تأبى أن يتم التعرض للسلوك الشخصي الذي لا ينشغل به شخوص وأبطال نجيب، ذلك أن صورة الملك الروائي الكبير تقدم شهادة دالة عن أزمة نظام ومعاناة جيل واحتضار مرحلة.

يوسف السباعي هو أكثر الكتاب موضوع الدراسة ارتباطا بثورة 23 يوليو، فهو ضابط من ضباطها ومعبر عن المناخ السياسي والفكري الذي تشكلت فيه رؤى أبناء جيله من الضباط الوطنيين. في (رد قلبي) تجربة لها خصوصيتها وأهميتها، فقد كتبت ونشرت بعد شهور قليلة من قيام الثورة وتتسم المعالجة برومانسية تقدم وجها متميزا لمكانة الملك في مرحلتي صعود شعبيته وهبوطها.

فيما ينفرد احسان عبد القدوس بكراهيته للملك والوفد وثورة يوليو جميعا ومن هذا المنطلق يتسع عالمه لإدانة فاروق سياسيا وأخلاقيا وإدانة الوفد والثورة التي أزاحت الملك والوفد معا !. في كتابات إحسان المنشورة خلال الحقبة الناصرية يشتد الهجوم الأخلاقي والسياسي على الملك والوفد في إطار يتسم بالإنشائية والعمومية وبعد رحيل عبد الناصر وسقوط الناصرية يستمر الهجوم على الملك مع استثماره للتشهير بالمرحلة الناصرية نفسها وما كان يعتمل فيها من انحلال وفساد، وليس مستغربا أن يتحقق ذلك بالمنهج الإنشائي نفسه.

ويتسم فتحي غانم برؤيته الإنسانية لا السياسية وحدها للملك فاروق فهو يراه إنسانا قبل أن يكون ملكا، ومن هنا يتسع عالمه لمزيج ذاتي موضوعي، يندمج فيه الملك والإنسان ويخلو التناول من العصبية والزعيق والهجوم الفج الرخيص،

وإذا كان رجال الملك والمؤيدون خافتي الوجود والصوت والتأثير عند نجيب محفوظ وإحسان، ومتقلبي المزاج في رواية السباعي، فإن فتحي غانم يتيح لهم فرصة الدفاع عن الملك وهو دفاع يتسم بدرجة عالية من الوجاهة والتماسك.

غانم ليس ملكي الهوى لكنه يرى عن حق أن الملك فاروق لا يمثل الشر المطلق في مواجهة خير مطلق يتجسد في أعدائه وما يشغله أن يتحقق العداء السياسي الموضوعي للملك في سياق إنساني محترم. يوسف إدريس لا يعبأ كثيرا بالملك فاروق، لكن الوجود المحدود له يتسم بعداء عنيف واتهامات وهجائيات لا هوادة فيها.

ولا يستمر اهتمام إدريس بفاروق وتأثيره يتلاشى سريعا متحولا إلى ملك سابق، ومفردة عابرة لا مكان لها إلا في التاريخ الاجتماعي والتوصيف المحايد. ولا يختلف سليمان فياض عن يوسف إدريس ففاروق في عالمه شخصية سلبية كريهة وفياض أكثر انشغالا برصد وتحليل مكانته هذه عبر جزئيات متناثرة تشكل في مجموعها شهادة مهمة، تمزج بين اللامبالاة والاتهام، وتركز على محور الفساد والسياسة والاتجار في الأسلحة.

ويؤكد المؤلف أن جميل عطية إبراهيم أكثر أبناء جيله انشغالا بفاروق ويأتي اهتمامه هذا متوافقا مع ولعه بالكتابة الروائية المتكئة على معطيات التاريخ والمهمومة باقتحام خباياه المسكوت عنها، يتفق جميل مع غانم من حيث حسهما الإنساني الذي ينأى عن الهجائيات السياسية،

فالملك إنسان ذو شخصية تؤثر على سلوكه السياسي، والحاشية الملتفة حوله ذات دور خطير في تشكيل رؤاه ومواقفه، ـ والسقوط المأساوي مبرر بعوامل معقدة متشابكة يصعب أن يدان بسببها فاروق وحده، أو أن يتحمل كامل المسئولية عن الأزمة التي أطاحت بنظامه، ومثل بهاء طاهر يتوقف جميل عند واقع ما بعد فاروق، ولا يفصل بين العهدين المتعاقبين اللذين يختلفان كثيرا بقدر ما يتفقان في عدد من الجوانب.

وتتوافق رؤية صنع الله إبراهيم لفاروق مع عموم رؤيته المتمردة على كافة الثوابت، وصنع الله هو الأكثر اهتماما بتأثير نشأة الملك على تشكيل شخصيته، وهو الأكثر إدراكا للمشتركات الموضوعية التي توحد بين الأنظمة المختلفة.

أما إبراهيم عبد المجيد فيقدم في روايته (لا أحد ينام في الإسكندرية) استعراضا تاريخيا محكوما بقواعد البناء الروائي لمجمل الحياة المصرية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، ومن المنطقي أن يحظى فاروق باهتمام يعكس حقيقة الواقع ولا يزيفه، فلم يكن الملك مكروها أو منبوذا بل كانت له شعبيته ومكانته، وفي الإطار نفسه تظهر شخصية فاروق عند حسين عبد العليم، فالملك جزء أصيل من نسيج الزمن الذي تنشغل به الرواية وتتحرك في دوائره المتشابكة.

محمد الحمامصي

*الكتاب:الملك فاروق في الأدب المصري

*الناشر: دار شرقيات - القاهرة 2008

*الصفحات:140 صفحة من القطع المتوسط