محمد توفيق الصوّاف كاتب سوري متخصص في السياسة والأدب الإسرائيليين ولد عام 1953، درس في جامعة دمشق، بدأ حياته متدرباً في مؤسسة «الأرض للدراسات الفلسطينية»، ثم انتقل إلى إذاعة دمشق باحثاً في السياسة الإسرائيلية له عدة أبحاث منشورة في المجلات العربية، كما ألف كتاب «الانتفاضة في أدب الوطن المحتل» عام 1997 من منشورات اتحاد الكتاب العرب.

تقود نتائج محاولة التحديد التاريخي لبدايات نشأة الصهيونية الأدبية إلى الاعتقاد باحتمال أن يكون عام 1667م، في نص ملحمة «الفردوس المفقود» للشاعر الإنجليزي «ميلتون»، ففيه أول نصّ أدبي أوروبي يتضمن إشارات صهيونية وهذا يعني أن ولادة النص الأدبية قد سبقت ولادة الحركة الصهيونية بمئتين وثلاثين سنة.

من المعروف أن الدين اليهودي احتل حيّزاً واسعاً من مساحة النسيج الأيديولوجي للصهيونية، فاليهودية ليست رابطة دينية فحسب، بل قومية أيضاً، ظلت تجمع بين اليهود على مرّ عصور تاريخهم الطويل، وعلى الرغم من تبعثرهم في شتى أنحاء الأرض، فقد عمدوا إلى إضفاء كل ما تتميز به القوميات من خصائص على الديانة اليهودية وأضافوا النقاء العرقي والتفوق المطلق (شعب الله المختار)،

ومن الجدير بالملاحظة أن دخول هذه المقولة في مضمون نتاج الصهيونية الأدبي، يعود تاريخه إلى ما قبل تبلورها كحركة سياسية فاعلة، بعد انعقاد (مؤتمر بال) عام 1897م، فقبل ذلك المؤتمر، طرحها الروائي الإنجليزي «والتر سكوت» في روايته «ايفنهو» التي ظهرت طبعتها الأولى عام 1819م،

والتي زعم فيها أن اليهود (عرق عجيب) ذا صفات وملامح فائقة لا تقتصر على بطل روايتها «اسحاق يورك»، بل تعمهم جميعاً، أما مواطنته الروائية «جورج إليوت» فلم تكتف بتأكيد هذا الزعم في روايتها «دانييل ديروندا» التي بدأت كتابتها عام 1874م، بل اتخذته دليلاً على اعتبار اليهودية رابطة «قومية» وليست دينية فحسب.

ثم جاء «بنيامين دزرائيلي»، الذي يعتبر بطل روايته «كوننغزبي» ليس بشراً عادياً، إنه «سوبرمان» ومؤكداً أن هذه الميزة ليست وقفاً على بطل روايته، إنها تشتمل جميع يهود العالم، فهم (متفوقون بأكثر من قوة الذكاء... اليهود حبتهم الطبيعة كهبة إلهية... إنهم الوسطاء بين الله والإنسان...

الصلة الربانية التي تعطي للجنس البشري إنسانيته). وتبلغ عنصرية «حاييم نحمان بياليك» ذروة تطرفها العرقي، حين يندفع مؤكداً استمرار (نقاء اليهود عرقياً) قد لعب دوراً فعالاً في جعلهم (متميزين) بهذا النقاء عن سائر البشر، تميز المرمر عن الأحجار الرخيصة، عندما يؤنب من انخرط من اليهود في الثورة الروسية.

«لقد أوصيتم: لي كل مرمر كريم/ أهكذا تندمجون في الأحجار الرخيصة». وتتحول هذه النغمة عند «شاؤول تشيرنجوفسكي» إلى رغبة جامحة تدفعه إلى مطالبة كل يهودي بقتل أولاده، إذا ما ساوره الشك، بأنهم قد يغيرون دينهم... وهكذا راح أدباء الصهيونية يتعهدون نفسيته اليهودية بغية زيادة عزله عن محيط المجتمعات التي كان يعيش فيها،

وإلى إيهامه بالنقاء العرقي والتميز لجعله قادراً على احتقار كل من ليس يهودياً. هذا ما فعله أدباء الصهاينة قبل قيام إسرائيل، ثم استمروا فيه بعد قيامها، كالشاعر الغنائي «ناتان الترمان» في قصيدته «رجال الهجرة الثانية» التي حاول فيها ترسيخ وهم «التميز» في نفسية قارئه اليهودي بشكل خاص، فهو يصف رجال الهجرة اليهودية، بقوله: «وكل من رآهم، قال عنهم: أي نوع متميز من البشر هم !! حقاً إنهم بشر متميزون جداً».

يبدو اليهود، في الروايات الصهيونية على نقيض ما اشتهروا به من جبن طيلة تاريخهم، وذلك بفضل ماكياج المبالغات السميك الذي طلي به جبنهم لإخفائه، فما استطاع أكثر من تحويلهم إلى نماذج بائسة تثير السخرية كنموذج «آري بن كنعان» بطل رواية «الخروج»... وبالطبع ليس «آري» بدعاً بين اليهود، في بطولته الخرافية، بل كلهم، ذلك «البطل» في زعم مؤلفي الروايات الصهيونية،

فعلى سبيل المثال نرى كيف واجه يهود مستوطنة «جديرا» القلائل سكان القرى العربية المجاورة، الذين انقضوا عليها جميعاً في منتصف الليل، كما يزعم مؤلفها «موشيه سيملانسكي»، فيتمكن مستوطنو «جديرا» من الصمود بـ «شجاعة» لا تدهش غير الكاتب، في وجه المهاجمين العرب، وأن يهزموهم، على الرغم من قلة عدد المستوطنين وكثرة عدد العرب.

وليس بعيداً عن هذا، ما نطالعه في قصة «المحراث» لمؤلفها «إليعزر سمولي»، الذي يقول على لسان بطلها: «كان عددنا قليلاً، وليس لدينا أكثر من براكتين مكشوفتين، ومن حولنا اثنا عشر ألفاً من العرب المهاجمين والمجهزين المدافع والبنادق». والنتيجة تكون أغرب إلى الخيال، إذ تعجز تلك الآلاف عن إخافة أولئك اليهود.

ويزعم «ناثان» أن اليهود الذين يلقون القنابل على المدن العربية يتعمدون ألا يلحقوا دماراً أو ضحايا على حين أن القنابل العربية لا تقتل إلا الأطفال الإسرائيليين. لقد استخدموا تلك المبالغات كجزء من الذرائع التي اتخذوها كمسوغات لاحتلال أرض فلسطين، وذلك على خلفية الادعاء أيضاً، بأن من بين أهدافهم لها توظيف تفوقهم المطلق في عمارتها وتمدين سكانها من العرب «المتخلفين».

لقد نهج العديد من أدباء الصهاينة في صياغة «تاريخ مشترك» لليهود، وكان أبرز هؤلاء الشاعر «يتسحاق لمدان» في قصيدته الشعرية «مسّادا»، والشاعر المسرحي «متنياهو شوهم» في مسرحياته: «يريحو» و«بلعام» و«تسور فيروشاليم».

والشاعر المسرحي «يعقوب كاهن» الذي كتب نحو ثمان وعشرين مسرحية تاريخية، استمد مضامين معظمها من مرويات العهد القديم ومنها: «دافيد ميلخ يسرائيل، ويوشع، هزيعقاه هشليشيّا، وهقود شيم» وهذه الأخيرة يعرف مضمونها «بن أور»

بقوله: إنها الرد اليهودي على إراقة دم الأغيار للدم العبري عبر التاريخ». ومثل «يعقوب كاهن» حاول العديد من أدباء الصهاينة صياغة (تاريخ مشترك ومستمر) لليهود، ثم تقديمه في كتاباتهم الشعرية والنثرية، كأحد أسس «القومية اليهودية».

حاول أدباء الصهاينة بناء تاريخ متصل بسرد ما تخيلوه عن تعرض اليهود المستمر لـ «الاضطهاد»، منذ بداية ظهورهم في مصر، وحتى هزيمة النازية الألمانية في نهاية الحرب العالمية الثانية، مركزين بشكل خاص، على ما أسموه «فظائع الاضطهاد النازي» لليهود،

ثم استأنفوا سرد وقائع هذا التاريخ بما زعموه من تعرضهم للاضطهاد على أيد البريطانيين أيام انتدابهم على فلسطين، ثم على أيدي العرب الذين لايزال خطرهم على إسرائيل مستمراً حتى الآن. وهذا ما نلاحظه بوضوح في رواية «المحرقة» حيث يؤكد مؤلفها «إبراهام كادي»،

بتصوير اليهود وغير اليهود في العام، خطين متوازيين، يستحيل التقاؤهما مهما امتدا. ولعل أكثر الأعمال الأدبية الصهيونية قدرة على الإيحاء بهذا الزعم الذرائعي، رواية «فيما لو خسرت إسرائيل الحرب» التي حاول مؤلفوها الثلاثة «تشيسنوف، كالين، ليتل» عرض عدوان يونيو 1967، بنتيجة معكوسة، بحيث يظهر العرب فيه منتصرين على إسرائيل، عبر سلسلة من الافتراضات المحبوكة باتقان فني، تهول مدى ما كان سيصيب الإسرائيليين من اضطهاد وقتل ودمار وتخريب فيما لو انتصر العرب عليهم في أي معركة قادمة.

إنّ التاريخ الاضطهادي المتخيل لليهود، قد بدأ منذ أيام وجودهم في مصر الفرعونية، ثم استمر في ما تلا خروجهم منها وتيههم في صحراء سيناء أربعين سنة، حسب رواية التاريخ التوراتي التي استلهمها الشاعر «حاييم نحمان بياليك» في قصيدته «ميتيه مدبار هاحرونييم/آخر أموات الصحراء»،

وفيها يحكي قصة خروج اليهود من مصر وتيههم في سيناء، راثياً من مات منهم تائهاً فيها ومبشراً بانبعاثهم في إسرائيل جديدة، قبل أن يتابع واصفاً النهاية البائسة التي انتهى إليها من مات في تيه سيناء من اليهود، بأبيات امتزج فيها الرثاء بالغضب، و«بياليك» هدف من رسم هذه النهاية إلى تنفير اليهود من مواقف المسالمة، بإقناعهم بأن نهايتهم ستكون كتلك التي انتهى إليها يهود التيه بعد مغادرتهم مصر،

إلا إذا تحولوا إلى العنف وتمرّدوا رافضين الانتهاء إلى مثل ذلك المصير الكئيب. وعلى ذات النهج سار الروائي الإسرائيلي «عاموس عوز» في روايته «الحروب الصليبية»، حين حصر الصراع فيها بين المسيحيين الأوروبيين واليهود، مغفلاً أي ذكر للعرب، مع أنهم الطرف الأهم في ذلك الصراع، لأنهم كانوا وبلادهم هدف تلك الحروب.

يسوّغ أدباء الصهيونية لأبطالهم اليهود إفراغ شحنات حقدهم على الألمان النازيين بالانتقام من العرب واضطهادهم، فهذا «جوزيف» في رواية «لصوص في الليل» لـ «آرثر كوستلر» يصبح إرهابياً في فلسطين لأن حبيبته «دينا» قتلت في ألمانيا،

وهذا يهودي آخر مفجوع بمقتل حبيبته «سارة» ينسف عربتين للعرب ويضرم فيهما النار، وهو يرجج: «هذا من أجلك يا سارة» على الرغم من أن سارة، وبشهادة الرواية نفسها ماتت في معسكر العمل القسري في ألمانيا الهتلرية.

أما الروائي «بنيامين تموز» في روايته «تراتيل على روح نعمان» فيأخذ منحى آخر، في توظيف ما يسمّى «الاضطهاد النازي»، إذ يحاول تقديم فظائع هذا الاضطهاد كذريعة مسوّغة لهجرة اليهود إلى فلسطين واستيطانهم فيها.

في قصيدة «أرض» للشاعرة «شيغا بيقوف»، تبتدئ باستعارة العبارتين التوراتيتين اللتين تصفان فلسطين بأنها دائمة الإشراق وأرض اللبن والعسل، واللتين صاغتهما «بيقوف» على النحو الآتي: «أرض، أرض، أرض/أرض سماؤها زرقاء بلا غيم/ والشمس لها/عسل ولبن/ أرض سنولد فيها/أرض سنحيا فيها/ وسنبقى وليكن/ما سيكون».

واضح في هذه الأبيات، تماهي التوراتي بالرومانتي، في صياغة البعد الديني للأرض الفلسطينية على نحو أرادته الشاعرة قادراً على إيهام قارئ قصيدتها اليهودي بأنه بعد وطني، ولنلاحظ، تالياً، كيف حاولت الشاعرة الإيحاء لجملة المزاعم السابقة، ثم سوقها بخفة وسلاسة إلى وهم المتلقي اليهودي، عبر المزج المتقن بين المكوّنين التوراتي والتاريخي، بقولها «أرض التوراة/أنتِ يا منبع النور/يا لغة الإيمان/أرض، أرض، أرض/أرض عزيزة/نعم فالآن أنا أؤمن أنك لست/خرافة».

إن ما سبق لا يعدو كونه إطلالة سريعة على دلالات البعد الديني لصورة الأرض الفلسطينية في الأدب الصهيوني، بمكونّاته التاريخية وظلاله الرومانتية، وإطلالة أيضاً على بعض وظائف إبراز هذا البعد وتأكيده وتعميقه، فالنصوص الأدبية التي ساهم أدباء الصهيونية وأهداف توظيفها للدين اليهودي، في خدمة أهداف مشروعها الاستيطاني ولاسيما في مجال تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستيطانها.

فيصل خرتش

*الكتاب:ظاهرة الأدب الصهيوني

*الناشر:اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2007

*الصفحات:207 صفحات من القطع الصغير