مؤلف هذا الكتاب محمد جمعة حمّادة كاتب وصحافي سوري من مواليد حلب 1948. عمل في الصحافة اللبنانية ما بين عامي 1974 ـ 1980 رئيسا للقسم الثقافي في مجلة «بيروت المساء» ومحرّرا في جريدة «السفير». وصدر له عدد من الكتب منها: «كمال ناصر شاعرا ومناضلا «و«رياح دموية للذاكرة ـ يوميات مبعثرة لحرب الجنوب» و«ذاكرة المكان ـ مكان الذاكرة» و«ثلاثاء الرماد» و«بيدروس كوندارجيان: قضية شعب وحياة فنان».
ينقسم الكتاب إلى قسمين، يرصد المؤلف في القسم الأول ملامح البيئة التي شكّلت وعي فاتح المدرس وأغنت ثقافته البصرية، فيتوقف طويلا عند الطبيعة في جبل الأكراد شمال سوريا بما فيها من ينابيع وأشجار وانعكاسها في تجربته التشكيلية قائلا على لسان المدرّس: «ربيت مع أخي في كنف أخوالي، وفي الرابعة من عمري أخذني أهل أبي من أمي، وأعادتني جدتي (لأبي) إلى المدرسة، لكن الوالدة كانت تسرقنا إلى الجبال، وكم أنا غنيّ الآن بما علّمتني الطبيعة في الجبال بفصولها الأربعة، بعنفها القاسي وحنانها القاسي. في الجبال يختلف الليل عن النهار، لكن لا يختلف الخير عن الشّر».
ثم يرسم لوحة للعلاقات الاجتماعية في زمن الإقطاع الذي يمثّل جده أحد أعلامه حيث كان يملك مئة وعشر قرى، ومدى تأثره بمقتل أبيه وحرمانه من الميراث، على مستوى السلوك والإبداع القصصي والفنّي. وينتقل بعد ذلك إلى حلب التي مثّلت الحاضن الأول للمدرّس فيرصد عمرانها وأحياءها وأسواقها وتاريخها وعائلاتها وأبرز الأحداث التي عصفت بها، مبينا تنوّع الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية فيها في خمسينيات القرن العشرين،
ومدى تفاعل المدرّس مع هذه البيئة ومناخاتها التي بدأت تجربته الفنية تأخذ فيها أبعادها وتلفت إليها أنظار المهتمين والمشتغلين في الفن التشكيلي من مدرسين ونقاد ومهتمين. ففيها اشترى أول آلة موسيقية عندما كان في الثانية عشرة من عمره، وفي السادسة عشرة كان صديقا لعمر أبي ريشة. وفي هذه الفترة قوبل ميله إلى الرسم والموسيقى بالرفض من أهله لكنه استمر بفضل تشجيع مدرسيه ومنهم غالب سالم ووهبي الحريري.
وبعد انتقاله إلى لبنان تعرف في عاليه إلى أستاذيه في «الجامعة الوطنية» وهما مارون عبود ويوسف الخال. وكان مارون يقول له: «أنت جبران سوريا» وقد عرفه على الفنان التشكيلي قيصر الجميّل الذي قال له أيضا: «ستكون رساما جيدا في المستقبل». وتركت هذه الأقوال واللقاءات أثرها الكبير في شخصيته ومسيرته الفنيّة.
وإذا كان القسم الأول من الكتاب يبدو مجرّد تمهيد نظري للعوامل التي صاغت وعي وتجربة المدرّس فإن القسم الثاني يتوقف عند مفاصل هذه التجربة وأبعادها وموقعها على خارطة الفن التشكيلي السوري والعربي والعالمي.
فقد كانت بداية المدرّس مع السوريالية، وخاصة في مجال الشعر الذي كان من أعلامه في مدينة حلب آنذاك الشاعران أورخان ميسّر وعلي الناصر، ونشر أولى قصائده «الأميرة «في مجلة «القيثارة «الصادرة في اللاذقية عام 1946.
إلا أن البدايات الفنية التشكيلية الناضجة فقد تمثّلت في لوحة «خاتم الخطوبة» التي عبّرت عن حالة اجتماعية وجدانية كان يعيشها الفنان آنذاك، حيث بدا الخاتم في تلك اللوحة أشبه بهالة القمر، مثبتة بخيوط تماثل خيوط العنكبوت للتأكيد على الحلم الواهي الذي كان يشغل العاشق.
مع بداية الخمسينيات بدأ المدرّس يطرح نفسه كفنان تشكيلي في الوسط الثقافي في مدينة حلب، فكان يجتمع بأهل الأدب والفن والفكر في مقهى «البرازيل» فأثبت حضوره المتميّز من خلال أفكاره الجريئة المتمرّدة التي لفتت الأنظار إليه. وما زال بعض مجايليه يذكرون المكان الذي كان يجلس فيه ويكتب ويرسم كما يذكرون لوحاته السوريالية المعروضة التي كانت تستوقف المارة.
أما المفصل الأول في حياته الفنية فقد تمثل في اشتراكه بأول معرض جماعي في دمشق بلوحته الشهيرة: «كفرجنّة» التي تحمل اسم مصيف شمال حلب، وحازت إعجاب واهتمام الناس، واقتناها المتحف الوطني. وهو لم يرسم فيها مجرد شجرة عارية وفلاحين بل فرّغ فيها شحنات من الأشواق.
في العام 1957 أرسل المدرّس في بعثة إلى روما وفيها قابل جان بول سارتر الذي قال له بعدما شاهد لوحاته: «سيحتاج الغرب قريبا إلى معين الفن الشرقي «.ثم اختار بعض لوحاته، وعندما سأله المدرس: لماذا انتخبت هذه الأعمال دون غيرها؟ أجاب: «أريد شيئا منك. أعمالك تتراوح بين التجريد الرصين ووجود الطبيعة كما نراها في الحلم، حتى إنسانك يتمتع بالقوة والغربة والصمت».
بعدما أكمل دراسته في روما عاد إلى سوريا ليعرض تجاربه الخاصة بصياغة تعبيرية التقى فيها ـ على حدّ قوله ـ مع تجارب الفنانين المجددين الذين مهدوا الطريق للحداثة الفنية. فجسدت تجربته الفنية خصوصيته الشخصية التي انطلقت من صراعه القاسي مع الحياة منذ الطفولة، عبر رموز معادلة لهذا الصراع، معتمدا على التراث الشرقي في رسم ملامحه الخاصة في العمل.
وعلى الرغم من تعلمه في مدارس الغرب إلا أنه ظل متمسكا بالهوية الشرقية بما يتوافق مع ذاته كفنان وشاعر، متجاوزا بذلك السوريالية نحو الواقع المرئي. لا تشرح لوحة المدرس الأساطير ولا تروي خباياها المثيرة، بقدر ما تعيش نبضها اليومي من خلال مجتمع الريف أو مراكزه الحية مثل «معلولا» الآرامية المحفورة في الصخر،
أو تدمر وصيدنايا، متمسكا في ذلك بالبيوت الطينية أو الحجرية التي نحتت فيها الوجوه التعبيرية كما نحتت في ألواح ورقم الحضارات السورية الآرامية والبابلية والكنعانية والفينيقية في ممالك ماري وأوغاريت وتدمر وسواها.
لا يخطط المدرس لأعماله، وهو لا يدري متى تجيء اللوحة أو كيف تجيء، فهي تفرض نفسها كاملة. فأحيانا ـ كما يقول ـ ينقصها لون أو تكوين، وأحيانا ينقصها توازن يضم كل العناصر التي تبدو بديهية ومتعذرة في آن معا. وكثيرا ما تكون اللوحة في ذهنه مجرد لون.
في سؤال وجه إلى المدرس: أين تجد هويتك؟ أجاب: أفضل أن يصاغ السؤال: كيف صنعت هويتك؟ لأن الهوية كالحرية تصنع صنعا، وإذا لم نصنعها نظل عبيدا لمعارفنا وثقافتنا السابقة والقديمة. وقد صنع المدرس هويته بنفسه من خلال دأبه وإصراره واستلهامه للتراث الشرقي والإنساني.
وينهي المؤلف كتابه بعرض وجهات نظر المدرّس في كثير من جوانب الفن التشكيلي وتياراته السائدة، معرجا في النهاية على آرائه في قصيدة النثر، ذاكرا إسهاماته في مجال الشعر والقصة القصيرة إلى جانب التشكيل، ثم أبرز المحطات في سيرته الشخصية والفنيّة.
نذير جعفر
*الكتاب:جمر تحت الرماد: فاتح المدرّس رحلة الحياة والفنّ
*الناشر:دار بعل للطباعة والنشر - دمشق 2008
*الصفحات:248 صفحة من القطع المتوسط

