مؤلف هذا الكتاب د. أحمد زايد عالم الاجتماع، حاليا هو عميد لكلية الآداب جامعة القاهرة، له العديد من الإسهامات والبحث في الحياة الاجتماعية المصرية من خلال تحليل البناء الاجتماعي على عدة أصعدة ومتابعة تجليات الاستمرار عبر الزمن والتحول والتكيف وإعادة البناء،
وقدم في هذا الاهتمام عشرات البحوث النظرية الإمبريقية باللغة العربية والإنجليزية، وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية، وله العديد من المؤلفات والكتب منها :«الدولة في العالم الثالث : الرؤية السوسيولوجية»، «البناء السياسي في الريف المصري » و«خطاب الحياة اليومية في المجتمع المصري».
وفى كتابه الحالي «تناقضات الحداثة في مصر » يتساءل المؤلف عن قضايا الحداثة في مصر واشكالياتها ومعضلاتها التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية مع تحليل بعض أنساق البناء الاجتماعي لكشف التناقضات في هذا البناء الحداثي والتراثي .
في مقدمة الكتاب يذكر المؤلف أن المجتمعات عبر تاريخها عرفت صوراً لما يسمى بالعولمة، فكل حضارة كان لها بشكل أو بآخر طموح عالمي، بل إن تاريخ العالم ما هو إلا تتابعات لصور صغيرة من العولمة إلا أن عولمة الحداثة في العصر الحديث اتخذت شكلاً مغايراً.
فلقد كانت الأنساق السياسية والاجتماعية للإمبراطوريات القديمة، أنساقاً تقليدية تعتمد على مركزية السلطة، وتركز القوة مع انعزال للجماعات المحكومة في مجتمعات تقليدية منعزلة ومكتفية بذاتها، فلقد اختلف الأمر حين خرجت المجتمعات الأوروبية من قيود النظام التقليدي والدخول إلى عالم الحداثة .
أما عن تلك المسميات التي يطلقها منظرو الاقتصاد السياسي وعلماء الاجتماع على المرحلة الجديدة من التطور الرأسمالي أو من عولمة الحداثة، إلا أن ثمة اجتماعاً بينهم على أنها تعتمد آليتين في أدائها : الأولى هي آلية التحول إلى الكونية لا على مستوى الأسواق والتجارة والعمل، فحسب .
ولكن بخلق صور من التجانس والترابط عبر مجالات أو ميادين الحياة المختلفة، والثانية هي آلية التفكيك القاعدي وهى آلية تعمل على تفكيك النظم المحلية للتجارة بحيث يصبح رأس المال المحلى خاضعاً لاستراتيجيات رأس المال العالمي.
وتصبح الثقافات المحلية خاضعة لتفكيك وإعادة الصياغة وإعادة التكيف، وبين هاتين الآليتين نعنى التحول نحو الكونية والتفكيك، تتداخل الثقافات ذات الطابع الكولونيالي العالمي والثقافات المحلية مع ما يترتب على هذا التداخل من مشكلات للتكيف والصراع والمقاومة .
ويختار المؤلف مجتمعا متغيرا كمصر لطرح قضية التفكك البنائي في ضوء الحداثة، والظروف التاريخية التي تنتجه فيذكر أن التفكك هو محصلة لتراكمات تاريخية، منها العلاقة بالثقافة الحديثة التي دخلت إلى مصر بدءاً من الحملة الفرنسية والمشروع الحداثي لمحمد علي، ثم مع الحركة الوطنية والليبرالية في النصف الأول من القرن العشرين، ومع ثورة يوليو 1952، ثم أخيراً التطورات التي أضيفت بدءاً من منتصف السبعينيات كسياسة الانفتاح الاقتصادي وتحرير الاقتصاد مع ما صاحب ذلك من برامج اكيليف الهيكلي والخصخصة.
أما عن الإسلام وتناقضات الحداثة في المجتمع المصري، فيقول المؤلف إن الدولة الحديثة بحكم القوانين، التي سنتها في المؤسسات الدينية تخضع لإشرافها ورقابتها وتضم هذه المؤسسات الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، وفضلاً عن ذلك فإن الدولة تبني المساجد أو تشرف عليها وتساهم بشكل رسمي في الاحتفالات الدينية،
فقد تحولت المؤسسات الدينية في المسائل الخلافية التي أفرزتها الحداثة، مثل: فوائد البنوك، وتنظيم الأسرة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، والإجهاض «تحت ظروف معينة» وزراعة الأعضاء، وغير ذلك ومعظم هذه المسائل يلقى على المؤسسة الدينية من قبل الدولة أو من قبل مؤسساتها الحديثة، مما أدى إلى حصر مسائل الاجتهاد في قضايا بعينها وتركت قضايا أخرى دخلت من باب المسكوت عنه من جانب الدولة بما فيها مؤسساتها الدينية .
وخلص المؤلف إلى أن موقف الدولة والمؤسسة الدينية، وعلاقتها المتبادلة قد يكشف أن العلاقة بينهما تقوم على ضرب من التسامح المتبادل فيما يتصل بقضايا الحداثة من ناحية والتراث من ناحية أخرى . والدولة تفرض سياسات علمانية تتحملها المؤسسة الدينية بل تدافع عنها،
رغم ما تبديه من انتقادات لمصدرها الأصلي «العقل الغربي» وتتحمل الدولة من جانبها هذا النقد، الذي يثيره من يعتقدون أنهم حراس التراث والأوصياء عليه، وتراوح الدولة هذا النقد ولا تواجهه بشكل سافر، إلا إذا خرج عن نطاق المؤسسة الدينية الرسمية، أو أخذ شكلاً تنظيمياً خارج الحدود الدستورية المسموح بها .
وفى النهاية نجد أن العلاقة بين الدولة كمؤسسة حديثة وبين المؤسسات الدينية والخطاب الديني هي علاقة لا تظهر فيها ثنائيات العلماني والمقدس أو التقليد والحداثة، ولكن تظهر فيها علاقة لها طابع خاص تقوم على مظاهر للتكيف والتعايش المتبادل من ناحية والرفض والصراع من ناحية أخرى،
وفى هذه العلاقة يبدو التراث والحداثة وكأنهما ثقافة واحدة تتحد عناصرها أو تتصارع وفقاً لآليات التحديث ونمط الممارسات السياسية التي يفرضها الصراع . وفى هذه الحالة لا يكون الصراع صراعاً بين تقاليد وثقافة حديثة، ولكنه صراع بين مكونات للحداثة البرانية ويعد مشروع هذا النمط من الحداثة هو الموضوع الأساسي لهذا الصراع .
وينتقل المؤلف إلى موضوع الحداثة وتشكل الذات، فيرى أن الاهتمام بالذات أو الهوية الذاتية راجع إلى ما لحق المجتمعات من تغيرات، فقد دخلت مجتمعات العالم في حقبة جديدة من الزمن أصبح يطلق عليها مسميات عديدة، ومن أشهر المسميات التي تطلق على الحقبة المعاصرة بأنها حقبة الحداثة المتأخرة «أو المعاصرة» أو الحداثة العليا ولقد ظهر هذا الوصف في كتاب انتوني جيونز حول الحداثة والهوية الذاتية،
ويقصد بالحقبة الحداثية المتأخرة؟ المرحلة الراهنة في تطور النظم الحديثة والتي تتسم بسمتين هما : التطور الراديكالي للخصائص الحداثية، حيث الارتباط القوي بين العلم والتكنولوجيا، والتطور السريع الذي لا يمكن ضبطه أو التحكم فيه، والاعتماد الزائد على الخبرة الفنية،
والشك من المفهومات القديمة حول العقل المدبر، ومن ثم ظهور مفاهيم مختلفة للمخاطرة المحسوبة، والانعكاسية أو الشفافية، التي بددت فكرة التأمل في المستقبل على أساس التوقعات، واستعاضت عن ذلك بالنظر إلى المستقبل على أنه التأمل والانعكاسي المنظم للواقع في ضوء التدفق المزمن للمعلومات في البيئة، التي تتطور حولها هذه المعلومات .
ويخلص المؤلف إلى أن العولمة في مرحلتها الأخيرة تميل إلى خلق أطر تفكيكية بحيث يعرف الفرد نفسه من خلال انتمائه العرقي والنوعي والأثني، فكلما مال العالم في ثقافته ونظمه نحو الكونية كلما توصل الأفراد والجماعات في أطر ثقافية وعرقية،
وكلما ازدادت بالتالي صور الصراع والمقاومة، فالحقبة الحداثية الجديدة بما فيها من عالمية وعدم تنظيم وعدم يقين قد خلقت علاقة بين المحلي والعالمي، بحيث تصبح الأدوار الوسيطة كتنظيمات الدولة لها دور ثانوي في العلاقة، وإذا نظرنا إلى الذات كواقع محلي، فإنها تصبح مرتبطة بشكل مباشر بالظروف الكونية أو الوسط الكوني، أن ما تتسم به الحداثة المتأخرة من انعكاسية قد امتد إلى قلب الذات،
بحيث تحولت إلى مشروع انعكاسي، فالتحولات التي تطرأ على حياة الفرد تفرض عليه إعادة تنظيم بنائه النفسي، فهذا البناء لم يعد يرتبط بالجماعة والشعور الجمعي، ويرى المؤلف أن تحول الذات إلى مشروع إنعكاسي على هذا النحو يرتبط
ولا شك باستبدال الهوية الذاتية المجتمعية التي كان الفرد يحتمي بها في المجتمعات التقليدية، فلقد أصبح الفرد في الحداثة المتأخرة منعزلاً عن جماعته شاعراً بالقلق وعدم الأمن . إن الذات في الظروف الجديدة عليها أن تحمي نفسها من خلال مشروعها، لا أن تنتظر من المجتمع حماية خاصة من الجوانب النفسية.
إشكاليتان أنطولوجيتان
ويرى المؤلف أن لفهم طبيعة هذه التغيرات المتلاحقة ،أنه لابد من دراسة علاقة ما هو داخلي بما هو خارجي في عملية التغير، وهاتان الإشكاليتان هما إشكاليتان أنطولوجيتان بحكم التصاقهما بالوجود الاجتماعي للمجتمع والأفراد، ولذلك تبقى إشكاليتان نظريتان، الأولى تتعلق بطبيعة النظرية الحاكمة لدراسة التغير الاجتماعي في مصر،
أما الإشكالية الثانية، فإنها ترتبط بعوامل التغير الاجتماعي خاصة فيما يتصل بالعوامل الداخلية والخارجية، وتلك إشكالية التعامل معها لو افترضنا أن الداخل هو أصل الأشياء وجوهرها، وأن الخارج هو البيئة المحيطة التي تهيئ ظروف التفاعل للبيئة الداخلية، وبناء عليه تكون القرارات والتحديدات والتناقضات الداخلية، هي المحرك الأساسي للتغير، ولكنها جميعاً تعمل في إطار علاقات خارجية قد تحدد مساراتها ووجهتها في بعض الأحيان .
وفى النهاية خلص المؤلف إلى أن الدولة الوطنية الحديثة في مصر قد تأسست منذ ما يقرب من مائتي عام وإذا استبعدنا فترة حكم الأجانب والاستعمار، لقلنا إن الدولة الوطنية الحقيقية قد تأسست بعد الثورة، أي منذ خمسين عاماً .
وبعد مرور هذه الفترة الطويلة نجد أنه رغم المكاسب الكبيرة، التي تحققت على مستوى التطور في مجال التعليم والخدمات والتكنولوجيا، إلا أن المجتمع والثقافة ظلا هناك لم يتحركا كثيراً وإن تحركا، فإنهما قد ولدا صوراً من التناقضات التي انتهت بحالة يكاد المجتمع فيها يسير عكس اتجاه التطور المرغوب، ويكاد الناس فيها يديرون ظهورهم إلى الدولة وينكفئون على حياتهم الشخصية ويتجهون بوجوههم إلى الماضي وبظهورهم إلى الحياة العامة .
أيمن رفعت
*الكتاب:تناقضات الحداثة في مصر
*الناشر:مكتبة الأسرة - القاهرة 2007
*الصفحات: 246 صفحة من القطع المتوسط
