مؤلف كتاب «النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعة الإلهية» هو «الشيخ الرئيس الحسين أبي علي بن سينا» المولود في قرية «أفشنة» من أعمال بخارى، سنة 370 هجرية، وكان أبوه واسمه «عبد الله» يطالع «رسائل أخوان الصفا» على مسمع منه.
إضافة إلى كتب فلسفية أخرى، ولذلك ربما يكون لذلك تأثير في إقباله على الفلسفة فيما بعد، وكان يشتغل بادئ الأمر بالفقه ولكنه لم يلبث أن تحوّل إلى الفلسفة التي تتلمذ فيها على أهم أساتذته الأول «أبي عبد الله الناتلي».
بدأت دراسته الفلسفية بالمنطق على «الناتلي» ثم انتقل إلى الهندسة فالفلك، ومع أنه يعترف بفضل «الناتلي» بتعريفه بهذه العلوم، فهو لا يتورع عن الغمز من قناته، فما من مسألة قالها «إلا وتصورتها خيراً منه» كما يقول كما أنه لم يأخذ عنه إلا ظواهر المنطق، «أما دقائقه فلم يكن عنده منها خبر» ولما رحل «الناتلي» أخذ «ابن سينا» بتحصيل الطبيعيات والآلهيات على نفسه،
ثم انتقل من ذلك إلى دراسة الطب فبلغ فيه مبلغاً عظيماً، حتى بات فضلاء الأطباء يقرأون علم الطبّ علي» وهو لم يتجاوز السادسة عشرة بعد. في أعقاب ذلك، أقبل على مراجعة العلوم الفلسفية والتملك منها حتى استحكم منها جميعاً.
ولما بلغ الحادية والعشرين شرع بالتأليف فألف أول كتبه وهو «المجموع» في سائر العلوم، عدا الرياضيات وأعقبه «الحاصل والمحصول» في الفقه، وكتاب «البرّ والإثم» في الأخلاق». ولما توفي أبوه انتقل من بخارى إلى «كرمانج» ثم انتقل إلى «نسا» ف«طوس» ومنها على «جرجان».
وفي أعقاب ذلك انتقل إلى «الري». ويبدو أنه شرع هنا بتأليف كتابه الشهير «الشفاء» ولم يلبث أن أصيب بداء القولنج فراح يدبّر نفسه ويفرط في الاحتقان حتى أصابه الصرع حتى توفي. دفن في «همذان» سنة 428 هجرية، تاركاً قرابة مئة كتاب.
أما كتابه «النجاة» فقد قسمه على ثلاثة أقسام:
أ ـ المنطق: وفي هذا القسم تناول «ابن سينا» على طريقة «أرسطو» اللفظ والمركّب، قبل أن يعرض للألفاظ الخمسة. ومن ذلك يتطرق على أقسام الكلام الثلاثة، وهي الاسم والكلمة (أو الفعل) والأداة، وبعد أن يتناول أقسام القياس الثلاثة: أي الاقتراني والاستثنائي والشرطي، يأتي على المقدمات التي يبنى عليها القياس بأشكاله وهي تسع.
وعند «ابن سينا» أن البرهان يتقوم من ثلاثة أمور هي المقدّمات، أو المبادئ التي يبرهن بها فالمسائل التي يبرهن عليها فالموضوعات التي يبرهن فيها. ويختم «ابن سينا» المنطق بالبحث في «المغلطات» في القياس سواء ما كان منها في اللفظ أو في ما يخرج عن اللفظ، وهو الباب الذي عالجه «أرسطو» في كتاب «السفسطة».
ب ـ الطبيعيّات: وفي هذا القسم يبدأ بتعريف هذا العلم بقوله: إنه صناعة نظرية، موضوعها الأجسام الموجودة، بما هي واقعة في التغيّر، وبما هي موصوفة بأنحاء الحركات والسكونيات. ويختلف هذا التصنيف على حد ما عن تصنيف «أرسطو» الذي قصر مبادئ العلم الطبيعي على المادة والصورة والعدم.
ويقرر «ابن سينا» في المقالة الثانية من الطبيعيّات عدداً من القضايا العامة الخاصة بهذا العلم، منها أن لكل جسم طبيعي حيزاً طبيعياً، وشكلاً طبيعياً، وأن جميع الحركات الطبيعية تنتهي عند حركة مستديرة مبدعة، هي حركة الأجرام السماوية التي لا بداية زمانية لها.
ج ـ يستهل «ابن سينا» القسم الثالث من كتابه «النجاة» بقوله: إن العلم الإلهي يختلف عن العلم الطبيعي والعلم الرياضي اللذين يبحثان في أحوال بعض الموجودات الجزئية، من حيث يفحص عن أحوال الموجود المطلق ولواحقه، وهي الوحدة والكثرة والقوة والفعل والقدم والحدوث والعلة والمعلول.
ويذهب إلى إن أعمّ أقسام الوجود هما الجوهر والعرض، وينقسم الجوهر إلى ثلاثة أقسام: الهيولى والصورق والمفارق، بينما ينقسم العرض إلى تسعة، هي الأعراض أو المحمولات والتي تناولها «أرسطو» لذا يعود «ابن سينا» إلى معالجة موضوع المادة والصورة
والمفارق التي كان قد أشار في الطبيعيات إلى أن العالم الطبيعي يتقلدها عن الناظر في العالم الإلهي، ثم يتناول أقسام العلل وأحوالها فمعاني القوة. ليقدم لنا بحثاً مدهشاً في عمقه وأصالته ومرجعاً لابد منه لمعرفة تطور البحث الفلسفي.