أجرت صحيفة «الغارديان» اللندنية هذه المقابلة مع الروائية الصينية كسياولو جوو بمناسبة صدور روايتها «عشرون شذرة من شباب جائع» في ترجمتها الانجليزية، حيث ألقت الضوء على جوانب من هذه الرواية وصلتها بأبعاد شتى في عالمها الروائي وتجاربها السينمائية.

وشددت بصفة خاصة على أن الاهتمام الكبير الذي تلقاه الروائيات الصينيات في الغرب حالياً مصدره انطلاق أعمالهن من تجاربهن الذاتية، وليس من التاريخ الصيني والحروب، مشيرة إلى أن عدم تعاطف بعض النقاد في الصين مع أعمالها مصدره أن رواياتها تحاول أن تعكس صوتها الخاص، وليس صوت الصين الهادر الذي يغرق في جموحه كل الأصوات. وفيما يلي نص الحوار:

تحت الشعر المنسدل على الجبين تتحرك عينا كسياولو جوو في أرجاء الغرفة، فوق أقداح القهوة والجدران الشاحبة، والنافذة المستطيلة بمشهدها المطل على لندن الرمادية. وهي جميلة على نحو هادئ، صغيرة، وحادة. وفي الرابعة والثلاثين من عمرها تعد روائية، كاتبة مقالات، كاتبة سيناريوهات ومخرجة سينمائية جمعت بين البراعة والنضج،

وحققت شهرة في الصين. أما في بريطانيا فقد انطلقت شهرتها من فيلمها «البعيد والقريب الذي فاز بجائزة أكاديمية السينما الدولية في عام 2003 وعبر عدة أعمال وثائقية وصولاً إلى فيلمها الأخير الذي يجمع بين الوثائقي والابداعي بعنوان «كيف حال سمكتك؟» فضلاً عن ستة كتب أحدثها روايتها »عشرون شذرة من شباب جائع» التي صدرت بالانجليزية مؤخراً عن دار شاتو أند وندسور اللندنية.

وقد بدأت حياة كسياولو جوو، شأن حياة بطلتها فينفانج، في قرية صغيرة في منطقة نائية من مناطق الصين. وشأن الراوية عاشت مع جديها حتى الثامنة من عمرها في بيئة متقشفة ومحافظة بعمق، وكان المجتمع يعيش نمط حياة يضرب جذوره بقوة في التقاليد الصينية،

وكانت جدتها لاتزال تربط قدميها بالطريقة الصينية القديمة، وتتذكر كسيالو جوو القماش الأبيض الطويل الموضوع على الأرض في يوم الغسيل و«القدمين الصغيرتين الملتويتين». كانت المادة الوحيدة للقراءة في القرية هي كتاب مقتطفات ماو الصغير، وتقول جوو: «لم يكن أحد يقرأ كتاباً، ولم يكونوا قد سمعوا عن جهاز يدعى بالتلفزيون، أقصد أنه لم يكن لدنيا شيء من هذا القبيل».

تطلعت عالياً إلى المصباح الكهربائي وقالت: «أقصد هذا المصباح الكهربائي. وأتذكر عندما كنت طفلة أنني كنت أقف على الشاطئ، وكانت تايوان تمتد عبر الجانب الآخر من خليج تايوان قبالة قريتنا. وفي الليل إذا لم تكن الريح قوية يمكنك سماع موسيقى المذياع التي تبث من تايوان.

لم يكن بمقدورك سماع الأغاني، واللغة التايوانية هي لغة مختلفة، ناعمة تماماً. لكنك تقف هنالك طوال الليل محدثاً نفسك (يا إلهي، يا لها من موسيقى جميلة!) وأعتقد أن هذه هي الحصيلة الثقافية الوحيدة التي كانت لدي، وجعلتني أحدث نفسي: كيف سيكون الأمر إذا غادرت هذه القرية».

كانت طفولتها مثقلة بالعنف، وهي تقول إن جديها ربطتهما علاقة عاصفة على الصعيد العضوي، وعندما انتقلت للعيش مع أمها كانت هذه الأخيرة تضربها كثيراً: «لأن الفتيات في الريف لا قيمة لهن». وهي تقول إنها كانت طفلة صعبة، مرتبكة، ونائية عما حولها: «لأنني لم أكن أعرف ما هو الحب، ولم يكن لدى أحد لأحبه، أو أي أحد ليحبني».

وفي الثامنة عشرة من عمرها، قررت أن تغادر القرية وأن تبتعد عنها إلى أقصى ما يمكنها، إلى بكين، وهناك درست في أكاديمية السينما، وأعالت نفسها بكتابات السيناريوهات للمسلسلات التلفزيونية التي تدور حول مطاردات الشرطة ومشاكسات الحموات.

في الأكاديمية انغمست جوو في عالم السينما، محاولة بصورة محمومة مجاراة زملائها الذين نظروا إليها باعتبارها «الفلاحة الصغيرة» التي تقتصر معرفتها بالسينما على الفتات. وكانوا يسألونها: «ألم تسمعي عن جان لوك جودار؟ ولم تعرفي شيئاً عن ديفيد لينش؟» وكما تعير عن الأمر فإنها تقول إنها بعد ذلك «كأنني وصلت حقاً إلى الانطلاق في حوض السباحة!».

تخرجت في عام 2000 وبدأت فترة من العمل غير مدفوع الأجر في مواقع التصوير السينمائي، ولكي تدفع عنها غائلة الجوع قررت تأليف كتاب. وهي تقول: «يقول الناس: (لابد أنك عاشقة للكتابة حقاً). ولكن الأمر كان بالنسبة لي جهداً لدفع غائلة الجوع، وحددت لنفسي موعداً هو أنه لابد لي من الانتهاء من الرواية في الشتاء».

على الرغم من أن الصين بها العديد من دور النشر، وأنها بلد يتحمس للأدب إلا أن جوو وجدت نفسها في حالة تباين إلى حد ما مع العرف الصيني السائد في الأدب، وهي تفسر الأمر بقولها: «نحن في الصين نحب كثيراً الروايات التاريخية الكبرى،

والكتابة تعني أن تكرس حياتك الصغيرة للحزب الكبير، للصين، للقارة الكبيرة. فنحن نضحي بأنفسنا لها. وليس من المدهش أن يبدي النقاد مقاومة لرواياتها الهادئة بموضوعاتها الشخصية إلى حد كبير التي تدور حول الحب، الحنين، الجانب الأكثر إظلاماً من العلاقات.

لم يبد النقاد الصينيون تعاطفاً مع الجيل الجديد من الكاتبات الذي تنتمي إليه جوو، الحريصات على الكتابة عن حياتهن الخاصة، مثل وانج آني، تاي نينج، وكاتبة المقالات عبر الانترنت موز ايمي، وكما تعير جوو فإن هؤلاء الكتاب: «يقولون: يا إلهي، إنها لا تنظر إلى حياة الآخرين أبداً!».

على الرغم من هذا، فقد أفلحت كسياولو جوو في أن تشق لها مسار حياة ناجح في السينما والرواية في الصين، ولكنها في عام 2002 وبعد أن كانت قد أصدرت خمس روايات، بدأت في الشعور بعدم التأكد من اتجاهها الذي تمضي فيه، وأحست بأنها متجمدة في موضعها، وفي المقام الأول وجدت حياتها الشخصية متضاربة مع مسار حياتها كمؤلفة.

وهي تقول في هذا الصدد: «لقد أمضيت أربعة أعوام في إطار علاقة، ثم أربعة أعوام أخرى مع رجل آخر، وألفت كتباً في ذلك الوقت، ثم أربعة أعوام أرى مع رجل آخر، وألفت كتباً آخرين، ولكن المشكلة هي أنه طوال ذلك الوقت فإنك تعيش داخل دار مع رجل وليست لك حياة جديدة على الإطلاق، ليست لك مؤشرات خارجية. وهذا أمر يمكن أن يكون مدمراً حقاً».

انتقلت جوو في عام 2002 إلى بريطانيا بعد حصولها على منحة دراسية من المجلس البريطاني لدراسة السينما الوثائقية في الكلية الوطنية للسينما في لندن. وهي تقول في هذا الصدد: «لم أكن مهتمة بدراسة السينما، وإنما كنت أريد أن أكتب،

كنت أريد مغادرة الصين عاماً واحداً، لكن الأمر انتهى بقدومي إلى بريطانيا لإنجاز فيلم، حيث قدمت فيلماً (بعيداً وقريباً) الذي يدور حول كاتب صيني يصل إلى بريطانيا للمرة الأولى، وأنجزته في أسبوعين، ووجدت نفسي أقف هنالك وسط كل هذه الريح والسيارات وكاميرات التصوير وأحدث نفسي قائلة: (أوه إنني أريد العودة إلى الكتابة).

على النقيض من الوضع السائد داخل الصين نفسها، فإن الكاتبات الصينيات هن الأكثر نجاحاً وشهرة خارج الصين، روائيات مثل جونج تشانج، هوالينج نيه. وتعقب جوو على ذلك: «أعتقد أن الروائيات الصينيات كن على نحو ما رمزاً للثقافة الصينية التقليدية، فهن يكتبن عن الأقدام المربوطة والخليلات وحياة النسوة الصينيات التقليديات اللواتي يعتبرن بمثابة رمز للصين القديمة، التي يمكن أن تكون غرائبية حقاً بالنسبة للقارئ الغربي».

ولاتتردد جوو في الإعراب عن اعتقادها بأن الحقيقة القائلة إنه هي والكاتبات الصينيات المعاصرات قد اخترن أن يكتبن انطلاقاً من تجربتهن وعبر منظورهن وليس من خلال فكرة مخترعة عن الصين القديمة ـ هذه الحقيقة هي التي جعلتهن أكثر شعبية خارج الصين.

وتوضح أن: «الكتاب الصينيين يحبون الكتابة عن تاريخ الصين أو عن الحرب، وهو أمر صعب بالنسبة للغرب. والغربيون عندما يشرعون في القراءة عن الصين، فإنهم لا يمكنهم المضي في يسر إلى الدراما السياسية، أو الحرب الأهلية. وهكذا فإنه عندما تقول الكاتبات: (لقد اعتادت أمي أن..) فإن هذا أمر عاطفي للغاية، ومن السهل كثيراً على الغرب أن يتفهمه.

ربما كان هذا النمو في الاهتمام بالأدب النسوي الصيني ينبع من الحقيقية القائلة إن الأديبات الصينيات أكثر اهتماماً بالعالم وانغماساً فيه. وكما تعبر جوو عن الأمر فإنهن ربما لم يكن على استعداد كبير، شأن الكتاب الصينيين: «لتكريس حياتهن الصغيرة من أجل الحزب الكبير».

وكتابات جوو مليئة بشغف إنسانة بمقدورها أخيراً أن تفصل تاريخها الشخصي عن تاريخ بلادها. وهي تقول في هذا الصدد: «بعد عدد من السنين سأعود إلى الصين. ولكنني أريد أولاً أن اكتشف نفسي، أن أرى انعكاسي، أن أرى ما يمكنني القيام به إذا لم أعش في الصين لبعض الوقت. لأنك عندما تكون في الصين فإن صوتها الهادر يبتلعك».

محطات في مسيرة جوو

*ولدت الروائية والشاعرة وكاتبة السيناريو والمخرجة السينمائية الصينية كسياولو جوو في عام 1973 في إحدى قرى صيد الأسماك النائية في جنوب الصين، وبدأت نشر القصائد والقصص القصيرة وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وفي الثامنة عشرة من عمرها التحقت بالدراسة في أكاديمية السينما في بكين.

* نشرت خمسة كتب باللغة الصينية قبل أن يتم اختيارها للحصول على منحة لدراسة السينما الوثائقية في الأكاديمية الوطنية للسينما في لندن من المجلس البريطاني في عام 2002، وهي منذ ذلك الحين تقيم في لندن وتقضي أوقاتاً قصيرة في الصين، وقد أصدرت باللغة الانجليزية روايتها «قرية حجرية» ومؤخراً ترجمة لروايتها الأولى الصادرة بالصينية قبل عشر سنوات بعنوان «عشرون شذرة من شباب جائع».

*تواصل إصدار رواياتها وقصائدها ومقالاتها وقصصها القصيرة، بينما يشمل رصيدها السينمائي أعمالاً مميزة مثل فيلم «البعيد والقريب» (2003) الذي سبقه فيلمها «عصر الانترنت» (1999) و«ثورة الأسمنت» (2004) ومؤخراً فيلمها «كيف حال سمكتك اليوم؟» الذي أطلقته بدعم من القناة الرابعة في التلفزيون الانجليزي ويجمع بين الجوانب الوثائقية والإبداعية، كما كتبت سيناريوهات العديد من الأفلام، أبرزها فيلم «الصينية».