مؤلف هذا الكتاب هو برونو لومير نائب في الجمعية الوطنية الفرنسية. كان قد عمل لفترة من الزمن مديراً لمكتب دومينيك دوفيلبان رئيس وزراء فرنسا السابق، ما بين 2005 و2007. يقول المؤلف في مقدمة كتابه: «عملت مستشاراً ثم مديراً لمكتب رئيس الوزراء من عام 2005 حتى عام 2007 (مايو)، وكنت أكتب كل يوم ما عشته وشاهدته.
وهذه هي المادة التي أقدمها هنا عبر هذه المذكرات في غابة المشاعر المختلطة والمتشابكة، الصادقة أحيانا والمشوشة أحياناً أخرى، والتي تعتلج في صدور رجال السلطة. ويمكن للقارئ أن يجد فيها بدقة ردود الأفعال المفاجئة والجامحة التي تشهدها الحياة اليومية على قمة السلطة التي كان جاك شيراك ودومينيك دوفيلبان ونيكولا ساركوزي يحتلون فيها الأدوار الأولى».
هذا إذن كتاب شهادة عن آلية عمل الدولة في بلد مثل فرنسا وعن خفايا ما يدور خلف الكواليس. الفرق كبير وهائل بين ما يراه الناس وما يدور حقيقة في كثير من الأحيان. والفترة التي يخصها المؤلف بمذكراته وتحليلاته هي فترة دقيقة من تاريخ فرنسا الحديث، إذ هي الفترة التي شهدت «المعركة» من أجل «الاليزية» في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2007.
لكن من الواضح أن مؤلف هذا الكتاب قد حرص على أن لا يكون كتابه مجموعة من «الحكايات» التي يكشف عنها لقارئه. لقد أراده أن يكون «تأملاً فكرياً حول آلية ممارسة السلطة، وعمل يرفض سهولة السرد»، على حد تعبيره.
مراكز الاهتمام الرئيسي التي يتناولها هذا الكتاب هي بالطبع «مراكز السلطة» التي كان له علاقة مباشرة بها، أي «قصر الاليزية» حيث كان الرئيس السابق جاك شيراك و«قصر ماتينيون»، مقر رئاسة الحكومة الفرنسية حيث كان يتواجد «معلّمه» دومينيك دوفيلبان، وساحة بوفو مقر وزارة الداخلية التي كان نيكولا ساركوزي على رأسها. بكل الحالات أراد المؤلف أن يرسم «صورة» لأصحاب القرار و«هم يعملون».
وهو يؤكد في هذا السياق على وجود فرق شاسع بين ما كان يعيشه وما كان يتم نقله إلى وسائل الإعلام.
«رجال الدولة» الذين يقصدهم عنوان هذا الكتاب هم الرئيس السابق جاك شيراك ورئيس وزرائه آنذاك دومينيك دوفيلبان رئيس الجمهورية الفرنسية الحالي نيكولا ساركوزي، ووزير الداخلية الأسبق. والعلاقات بين هؤلاء الثلاثة هي الموضوع الحقيقي للكتاب.
ويعود المؤلف إلى اللقاءات العديدة التي جمعت بين نيكولا ساركوزي ودومينيك دوفيلبان ومنها ذلك اللقاء ذات يوم من عام 2005 والذي قال فيه ساركوزي لرئيس الحكومة دوفيلبان ومنها ذلك اللقاء ذات يوم من عام 2005 والذي قال فيه ساركوزي لرئيس الحكومة دوفيلبان: «دومينيك، عليك أن لا تنخدع. فأنا سوف أخوض معركة الانتخابات الرئاسية. ومهما حصل سوف أخوضها بالتأكيد».
ثم أضاف: «يمكننا أن نتحالف أنت وأنا. ونحن قريبان، كل منا للآخر، أكثر مما يقال. إن شيراك يريد أن يدير شؤون فرنسا أما نحن فإننا نريد تغييرها». كان التلميح واضحا في هذا القول لدفع دوفيلبان نحو التخلّي عن «تحالفه التاريخي» مع جاك شيراك وإقامة حلف ثنائي، يميني، مؤهل للفوز.
وكان رد دوفيلبان واضحا هو الآخر، إذ قال: «أنا بونابرتي ـ مخلص لرأس السلطة ـ ، وأنا هنا من أجل القيام بمهمة محددة. الأمور الأخرى ليس وقتها الآن». ويحدد مؤلف هذا الكتاب القول أن رفض الفرنسيين لمشروع الاتفاقية الدستورية ـ الدستور الأوروبي ـ يوم 29 مايو 2005 في استفتاء شعبي عام
كان الرئيس جاك شيراك قد قرره، شكّل نقطة ـ منعطفا بدأ نيكولا ساركوزي انطلاقا منها تركيز «هجومه» باتجاه «الاليزية» وأيضا باتجاه قصر ماتينيون، مقر رئاسة الحكومة، أي ما كان يبدو له «الجبهة المنافسة» في أفق انتخابه رئيسا.
وكان من بين المقرّبين للرئيس شيراك، رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية آنذاك جان لويس دوبريه الذي دخل في «خصومة» علنية مع نيكولا ساركوزي، وبعض الأحيان في «ملاسنات» أمام النوّاب. وينقل مؤلف هذا الكتاب أن ساركوزي قال ذات مرّة أمام ممثلي الشعب: «أقول لكم بصراحة،
إمّا أن يسحب جان لويس ما قاله قبل قليل، أو أنكم سوف تضيفون أزمة سياسية للأزمة الاجتماعية الحالية». فقاطعه جان لويس دوبريه قائلا: «نيكولا، عليك أن تفهم أنني لم أخف منك في أي يوم من الأيّام».
ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى أن نيكولا ساركوزي قد حذر في عام 2006 دوفيلبان قائلا: إن لكل واحد منّا حساباته الخاصة. لقد شنّ عليك نوّاب مجموعة حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية ـ الحزب الحاكم ـ هجوما في الجمعية الوطنية، وكان يحق لك أن ترى أني كنت قد دبرت ذلك.
ثم كانت هناك ثلاثة أسئلة في الاجتماع من قبل النوّاب ولم تترك لي أي سؤال منها كي أجيب عليه ـ كوزير للداخلية ـ ، وكان يحق لي أن أرى في ذلك وسيلة من أجل إسكاتي، أليس كذلك؟ (. . . ) المهم هو أن لا يتم اقتراف ما لا يتم إصلاحه».
كذلك ينقل برونو لومير عن ساركوزي قوله ذات يوم من شهر يونيو 2006 في حديقة قصر ماتينيون قوله لدوفيلبان أن مشروعه للحكم، بعد الانتخابات الرئاسية جاهزا، وهذا ما أوجزه بالجملة التالية: «أنا لدي حكومة، حكومتي. إنها تتألف من خمسة عشر شخصاً فقط.
سوف أسترجع آلان جوبيه ـ رئيس الوزراء الأسبق ـ وأعطي مهمة لإدوار بالادور ـ رئيس وزراء سابق أيضا ـ . إنني أريد الاعتماد على أشخاص من ذوي التجربة وليس من الشباب. هؤلاء عليهم أن ينتظروا. كذلك سوف أعتمد على أشخاص من اليسار من أمثال فالس وبوكل وفدرين».
بشكل عام تتمثل الملامح الأساسية للصورة التي يرسمها مؤلف هذا الكتاب لنيكولا ساركوزي إنه رجل كان يريد الذهاب في طموحاته إلى نهايتها كذلك في مشروعه بالنسبة لفرنسا. وكان منذ عام 2005 قد قدّم لدوفيلبان إستراتيجية من أجل الوصول إلى السلطة .
والتي تمثلت خطوطها العريضة في انتهاج خط يميني واضح وانتقاد الإدارة القائمة «من داخلها» والقطيعة مع الممارسات السياسية للماضي. ويشير المؤلف هنا إلى أن الكثيرين كانوا آنذاك يبدون شكوكهم بإمكانية أن تعطي تلك الإستراتيجية «الجسورة» ثمارها، لكن الواقع كذبهم جميعا.
وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن دومينيك دوفيلبان لم يبد أمامه في أي يوم من الأيام «طموحات رئاسية»، ولم يذكر جديّا أية إمكانية في ترشيحه لانتخابات عام 2007. كل ما كان يعتقده هو أنه يمتلكه
المكانة والمؤهلات التي تسمح له أن يكون رئيسا وأنه لا شك قد فكّر في بعض اللحظات بترشيح نفسه للرئاسة. لكن مركز اهتمامه طيلة فترة رئاسته للحكومة كان منصبّا، كما يؤكد مدير مكتبه السابق، على أن يقوم بمهام منصبه بأفضل صورة ممكنة، وأنه قد نجح إلى حد كبير بذلك، حسب رأي المؤلف.
ويشرح لومير كيف أن مصالح ساركوزي ودوفيلبان قد تباينت تماما اعتبارا من شهر سبتمبر 2006، ذلك أن دوفيلبان كان قد أصبح «على الهامش» تماما فيما يخص السباق الرئاسي، هذا إذا كانت لديه أية نيّة لم يعلنها في ذلك المنظور، لاسيما وأن المشروع الذي كان قد قدّمه حول ما سمي ب«عقد التشغيل الأول» أثار احتجاجات وإضرابات عنيفة أرغمته على سحبه بعد أن فقد شعبيته تماما لدى الفرنسيين.
واعتبارا من شهر سبتمبر أصبح همّه الوحيد هو متابعة عمل الحكومة بينما كان نيكولا ساركوزي قد بدأ «واقعيا» حملته الانتخابية الرئاسية، قبل بدايتها رسميا. ويؤكد المؤلف أن الرجلين كانا على وعي كامل بصعوبة ذلك الوضع ولكنهما عرفا كيف يتوصلان إلى «أرضية للتفاهم». ولكن مع الألم أحيانا، كما يعترف المؤلف.
وماذا عن الرئيس جاك شيراك؟ ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أنه كان «يعتصم» خلف جدران قصر الاليزية «عجوزا منهكا». ولكنه احتفظ دائما بمشاعر سلبية حيال نيكولا ساركوزي إذ انه لم ينس أبدا أنه كان قد تخلّى عنه قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 1995 كي ينضم إلى فريق «الخائن» ادوار بالادور الذي رشّح نفسه لتلك الانتخابات الرئاسية على خلاف اتفاق مسبق بينه وبين «صديق» العمر شيراك.
وينقل مؤلف الكتاب عن دومينيك دو فيلبان قوله عن جاك شيراك، بعد طرح مشروع «عقد التشغيل الأول»، وما أثاره من احتجاج عارم، ما مفاده: «إنه لا يعرف ماذا يريد. ولم يعرف أبدا في أي يوم ماذا يريد. كان هدفه الوحيد دائما هو إعادة انتخابه. واليوم حيث لم يعد لديه مثل هذا الهدف لا يعرف ماذا يفعل، ويجعل هدفه أمورا لا يفهمها». هذا رأي عنيف من قبل رجل أظهر باستمرار إخلاصه للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك.
كتاب عن آلية عمل السلطة في فرنسا وعن التنافس العنيف أحيانا حولها، وهو لا يخلو أيضا من الكثير من الحكايات الطريفة مثل «مداعبة» ساركوزي لتمثال إفريقي في ماتينيون (مقر الحكومة) أو حديث الرئيس شيراك عن «بيزو» وهو كان يقصد «عزوز بقّاق» الوزير في حكومة دوفيلبان لفترة.
*الكتاب:رجال دولة
*الناشر:غراسيه ـ باريس 2008
*الصفحات:450 صفحة من القطع المتوسط
Hommes d'Etat
Grasset - Paris 2008
P. 450

