هوبير فدرين، وزير خارجية فرنسي سابق، وأحد السياسيين المعروفين على الصعيد العالمي. كان مقرّبا من الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران، حيث تولّى العديد من المناصب في ظل رئاسته. قدّم العديد من الكتب لعلّ من أهمها: «عوالم فرانسوا ميتيران: في قصر الإليزيه 1981 ـ 1995» و«في مواجهة القوة الأعظم» و«التاريخ مستمر».

هذا الكتاب الجديد «حول فرنسا والعولمة» هو في الواقع تقرير كان الوزير الفرنسي السابق والمؤلف قد قدّمه لرئيس الجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي. والقصة هي أن الرئيس ساركوزي كان قد وجّه بتاريخ 2 يوليو 2007 رسالة إلى هوبير فدرين جاء فيها: «يعرف العالم منذ حوالي عشرين سنة تبدلات كبيرة لا يزال علينا أن نستخلص الدروس والنتائج منها.

لقد انتهى الاستقطاب الثنائي الدولي وبرزت قوى فاعلة جديدة، سياسية واقتصادية (...). في هذا العالم الجديد والمعلوم يتطلب من فرنسا والاتحاد الأوروبي إعادة التأمل بدورهما وموقعهما وعليهما، مع الاحترام الكامل لتاريخهما وتحالفاتهما،

القيام بمبادرات تسمح بتعزيز مبادئهما وقيمهما في إطار ذهنية تقوم على الحوار والتعاون. كما عليهما الدفاع عن مصالحهما». ويختتم الرئيس الفرنسي رسالته بالجملة التالية: «ليس هناك من هو أفضل منك في فرنسا بمقدوره أن يتفحص هذه المسألة ويقدّم اقتراحات ملموسة بشأنها».

كانت الإجابة هي هذا التقرير الذي أصدرته دار نشر فايار الشهيرة في كتاب من حوالي 150 صفحة. وقد طرح هوبير فدرين أولا السؤال التالي: «هل ينبغي على فرنسا إعادة التأمل بموقفها في مواجهة العولمة ؟» وتبدأ إجابته بتقديم ما يسميه «ملاحظات أولية حيال الحذر الفرنسي».

مشيرا إلى أن فرنسا تشهد منذ حوالي 15 سنة حالة من الحذر حيال العولمة، وهو حذر مشوب بالقلق من قبل الفرنسيين بالنسبة لمستقبل بلادهم و«مستقبل أولادهم». ويشير هنا إلى استطلاع للرأي يعود لعام 2001 أظهر أن 45% من الفرنسيين يرون أن «العولمة تمثل من المسالب أكثر مما تمثل من المناقب بالنسبة لفرنسا».

وفي ربيع 2006 أظهر استطلاع آخر للرأي أن 45% من الفرنسيين يرون أن العولمة تشكل «خطرا» بالنسبة لفرنسا. وأشار آخر في شهر سبتمبر 2007 أن 74% من الفرنسيين يرون أن العولمة سلبية بالنسبة لأصحاب الرواتب و48% يرونها خطيرة بالنسبة للشركات.

وعلى صعيد استطلاعات الرأي أيضاً أشار أحدها في ربيع 2007 قامت به «الفاينانشيال تايمز» أن 18% من الفرنسيين لهم رأي إيجابي في العولمة مقابل 35% من الألمان و23% من الإيطاليين و17% من الإسبانيين،

ومن المثير أكثر أن 17% من الأميركيين و15% من البريطانيين يصدرون حيالها حكما إيجابيا. الحذر حول العولمة ليس إذن خصوصية فرنسية، كما يخلص هوبير فدرين إلى القول، وإنما يتعلق الأمر إلى كون أن ثقة الفرنسيين بأنفسهم ضعيفة.

أما خلفية مشاعر «الحذر» حيال العولمة لدى الفرنسيين فيعيدها المؤلف إلى عوامل عديدة في مقدمتها «التعلق بهوية ولغة مهددتين من المدّ اللغوي الإنجليزي» و«الغيرة مما يتم النظر إليه على أنه أمركة وليس عولمة» و«قلّة الحماس الفرنسي لاقتصاد السوق» و«إرادة الحرص على الاحتفاظ بضمان اجتماعي متقدم»، الخ.

لكن رغم هذا كله «يقبل الفرنسيون الاقتصاد المعولم للأسواق كواقع قائم» و«تحاول فرنسا انتهاج سياسة تسمح لها بسحب أفضل النتائج من العولمة». وذلك بهدف معين يحدده هوبير فدرين بالجملة التالية: «الهدف المأمول هو أن يصل الفرنسيون إلى القناعة أن فرنسا تعرف جيدا ما هي بصدد فعله وكيف تفعله ليس في مواجهة العولمة وإنما في إطار العولمة».

وتحت عنوان: «فرنسا في إطار العولمة: استراتيجية هجومية»، يرى هوبير فدرين أن فهما موضوعيا للوضع في فرنسا في إطار العولمة، وبما يحتوي عليه هذا الوضع من نقاط قوة ونقاط ضعف، يسمح بالتفاؤل، ومهما كانت الخلافات السياسية والعلاقات بين التيارين الليبرالي والاشتراكي ـ الديمقراطي،

أي اليميني واليساري بشكل عام. ويحدد في رأس قائمة الإعاقة وجود «اقتصاد تنقصه المرونة» مع ما يترتب على هذا من نمو متواضع وزيادة بطالة. هذا إلى جانب حالة الجامعات والمدارس العليا الفرنسية الكبرى الغائبة عمليا عن كل التصنيفات العالمية لأهم المؤسسات العلمية.

أما أهم نقاط القوة فنجد في رأس قائمتها كون أن فرنسا تحتل المرتبة العالمية الخامسة على الصعيد الاقتصادي وتنتج 5% من إجمالي الإنتاج الداخلي في العالم مقابل 1% من مجموع سكان المعمورة. وتحتل فرنسا المرتبة الثالثة بين الدول المصدّرة للخدمات في العالم والمرتبة الثانية على صعيد الاستثمارات الخارجية.

ويحدد المؤلف الأولوية الرئيسية في الاستراتيجية المطلوبة حيال العولمة في «التأقلم معها» من أجل الاستفادة منها أكثر». ولكن عليها أن «لا تتردد في حماية الفرنسيين إذا اقتضى الأمر ذلك»، وهذا ما يعتبره الأولوية الثانية، وخاصة الحماية ضد السياسات التجارية أو الرأسمالية التي لا تحترم المبادئ المعمول بها والتأكيد على «المعاملة بالمثل».

وفي المحصلة يطرح المؤلف السؤال التالي: هل ينبغي على فرنسا أن تغيّر من مواقعها حيال العولمة؟ والإجابة هي بوضوح «نعم». ذلك أن من مصلحتها الانتقال من موقع الحذر «العقيم» في مواجهة العولمة نحو انتهاج دينامية هجومية «في إطار» العولمة.

هذا مع التأكيد أنه لن يتم الوصول إلى ذلك دون «التوفيق بين جميع متطلبات سياسة طموحة لولوج دروب العولمة على المدى الطويل». وتمثل تجربة «الدنمارك» في هذا الإطار مثالا يمكن الاحتذاء به، إذ أنها نجحت في تعبئة كل الطاقات من أجل ذلك.

والمطلب الثاني الذي يحدده هوبير فدرين في منظور الانخراط «المفيد» في إطار العولمة يتمثل في ضرورة الوصول إلى انتهاج سياسات داخلية واقتصادية واجتماعية وسياسة خارجية منسجمة مع طموحات فرنسا «المعولمة» والمساهمة في إعادة الثقة.

ويتم التأكيد أيضاً أن جميع المبادرات تفترض درجة عالية من الاتفاق مع الشركاء الأوروبيين، الأمر الذي لا يمنع فرنسا من تأكيد مواقعها والدفاع عن مصالحها. القسم الثاني من الكتاب ـ مكوّن من قسمين ـ يحمل في عنوانه السؤال التالي: «هل ينبغي على فرنسا تغيير سياستها الخارجية والدفاعية»؟

وبعد أن يستعرض هوبير فدرين ما يسميه ب«التيار الفدرالي الأوروبي» و«الخيار الأوروبي ـ الأطلسي» السائدين في توجهات السياسة الخارجية الفرنسية منذ زمن الديغولية بظل الجنرال، يؤكد أنه ينبغي على فرنسا انتهاج سياسة خارجية ودفاعية خاصة بها في عصر العولمة. وهي سياسة تؤكد على حماية مصالحها الخاصة مع الاستمرار بكونها غربية، وحليفة للولايات المتحدة، وكونها أوروبية أيضا.

على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة يستخدم هوبير فدرين التعبير التالي الذي يمكن أن يلخص رؤيته لما ينبغي أن تكون عليه سياسة فرنسا على هذا الصعيد والقائل: «أصدقاء وحلفاء ولكن ليسوا منحازين». ويحدد بالتالي نقاط «الجدل» الممكن مع الولايات المتحدة خلال الحقبة القادمة باحتمال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري من جانب واحد ضد إيران،

وتسريع مشروع الدرع الصاروخي الأميركي في بولندا وتشيكيا دون نقاش كافٍ ودون الاهتمام بالاستياء الروسي وبالمقترحات الروسية وبأسئلة الاستفهام الأوروبية. وطلب الأميركيون من الرئيس ساركوزي، على اعتبار أنه صديقهم، تقديم مساعدات لا تريدها فرنسا في العراق أو أفغانستان أو أية منطقة أخرى.

وتحظى سياسة فرنسا حيال العالم العربي وافريقيا ببعض الصفحات في نهاية الكتاب. ويعتبر فدرين أن التخلّي عن «السياسة العربية لفرنسا» قد يكون تنازلا غير مفيد لقسم من الصحافة الأميركية واليمين الإسرائيلي. المهم هو جعل هذه السياسة «أكثر وضوحا» مع «إعادة صياغتها» بحيث يُؤخذ في الاعتبار واقع أنه لا يمكن انتهاج سياسة واحدة حيال العالم العربي «المنقسم» كله، وإنما ينبغي اعتماد سياسة «لها خصوصيتها» مع كل بلد.

ويرى فدرين أنه قد تنبغي محاولة وضع علاقات فرنسا مع العالم العربي في إطار «شراكة من أجل التحديث السياسي والاقتصادي»، يكون للبلدان العربية فيها دور أكبر «شركاء حقيقيين» وليس على غرار «الشرق الأوسط الكبير» المولود ميتا.

ولا يتردد هوبير فدرين في القول ان السياسة العربية لفرنسا تعني قبل كل شيء المسألة الفلسطينية وضرورة العمل جديا من أجل قيام دولة فلسطينية مستقلة. ويؤكد أنه إذا كانت فرنسا قد قالت بقوة ووضوح وشجاعة رأيها حول هذا النزاع فإنها لم تستطع مع ذلك أن تتوصل إلى حل للمشكلة، مع ذلك عليها أن تثبت دائما أنها موجودة و«جاهزة» لتقديم مساعيها.

ولا ينسى فدرين أن يؤكد أنه من مصلحة فرنسا المحافظة على «سياسة إفريقية» وعدم الانسياق مع «إغراءات التخلي» عن مثل هذه السياسة. ومجرد نظرة للاهتمام الأميركي والصيني بهذه القارة تبرهن على ذلك.

*الكتاب:حول فرنسا والعولمة

*الناشر: فايار ـ باريس 2007

*الصفحات: 147 صفحة من القطع الصغير

Sur la France et sur la mondialisation

Fayard - Paris 2007

P.147