تعمل مؤلفة هذا الكتاب، ريبيكا مور، استاذة للعلوم السياسية في جامعة كونكورديا بولاية مينيسوتا الأميركية حيث تترأس برنامج الدراسات العالمية . وهي تقوم تحديدا بتدريس السياسة الخارجية الأميركية والعلاقات والأمن الدوليين .

سبق للمؤلفة وقدّمت العديد من الدراسات في الدوريات المختصة وساهمت في الكثير من الندوات الدولية التي تتعلق بميدان اختصاصها . لها عدة مؤلفات من بينها « السياسة الأميركية لحقوق الإنسان» و «تشجيع المجتمع المدني في الصين».

موضوع هذا الكتاب الجديد كما يدل عنوانه هو الحلف الأطلسي بعد الحرب الباردة ؛ وتحديدا من حيث مهماته في فترة ما بعد انهيار جدار برلين في شهر نوفمبر 1989. ذلك على أساس أن هذا الحلف كان قد قام أصلا كي يكون وسيلة ردع في مواجهة التهديد السوفييتي السابق، وأيضا في مواجهة حلف وارسو الذي كان يضم بلدان الكتلة الاشتراكية السابقة التي كانت تدور في أفق القوة العظمى السوفييتية في ظل الحرب الباردة .

وتبدأ ريبيكا مور بتقديم شرح مفصّل لمنظمة معاهدة شمال الأطلسي والمعروفة اختصارا بـ «الحلف الأطلسي» . وتبيّن أن هذا الحلف كان قد بنى إستراتيجيته خلال عامي 1949 و1950 على أساس أنها مفهوم استراتيجي من اجل الدفاع عن منطقة شمال الأطلسي .

لكن ذلك المفهوم الذي جرت صياغته في البداية عرف بعض التحولات الجوهرية خلال سنوات الخمسينات التالية كي تصبح مهماته الأولى هي الانضواء ضمن إطار إستراتيجية الاستعداد للرد الجماعي «الأطلسي» والكبير على أية عمليات قد تقوم بها قوات المعسكر الخصم الذي كان آنذاك في وسط القارة الأوروبية وشرقها.

كان جوهر تلك الإستراتيجية هو «الردع» عبر تهديد الحلف الأطلسي بالرد على أي اعتداء يتعرّض له أي بلد من البلدان الأعضاء بكل الوسائل المتوفرة لديه ؛ والمقصود بذلك تحديدا كان إمكانية اللجوء إلى استخدام السلاح النووي. وفي تلك الفترة ساد في العالم ما سمي ب«سلام الرعب» القائم على معادلة «التدمير المؤكد المتبادل».

تلك الإستراتيجية التي سادت خلال سنوات الخمسينات من القرن الماضي طرأ عليها تعديل هام اعتبارا من عام 1967 ،إذ حلّ مكان مفهوم الرد الجماعي مفهوم آخر هو «الرد المتدرّج» . وكان يراد بذلك تأمين قدر أكبر من المرونة في هامش حركة الحلف الأطلسي في حال تعرّض سيادة أية دولة من الدول الأعضاء إلى التهديد.

بعد انهيار جدار برلين، وخاصة بعد سقوط المعسكر الشيوعي ومعه حلف وارسو تغيّر الوضع السياسي بشكل كامل في القارة الأوروبية القديمة خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق . وكانت قد بدأت بالظهور بعد انهيار جدار برلين ملامح مفهوم جديد بالنسبة للحلف الأطلسي . لقد جرت نقاشات معمّقة داخل الحلف حول التوجهات الجديدة قبل أن يتم الاتفاق على مفهوم استراتيجي جديد تمّ تبنيه في العاصمة الإيطالية روما في شهر نوفمبر من عام 1991 .

وتشير مؤلفة هذا الكتاب إلى أن المتغيرات الجذرية في أوروبا غيّرت بدورها بشكل جذري أيضا من مهمة الحلف الأطلسي . فإذا كانت جميع مفاهيمه القديمة قد قامت على فكرة الدفاع في مواجهة خصم محدد، فإن مهمته الجديدة لم تعد دفاعية بل أصبحت هي البحث عن الآليات التي يمكنه بواسطتها أن يساهم في الأمن والاستقرار فيما هو أبعد من حدوده الجغرافية .

وتركز المؤلفة في العديد من صفحات هذا الكتاب على شرح واقع أن الحلف الأطلسي لفترة ما بعد الحرب الباردة يتطلع إلى قيام «أوروبا كاملة متكاملة». بل وتؤكد أنه لم يكتف بالتطلع وإنما تبنّى كل الأدوات الممكنة من اجل أن يصبح هو نفسه «أداة فعّالة في التغيير».

إن مهمة الحلف الأطلسي لم تغير من شكلها وإنما غيّرت في الواقع من مجالها الجغرافي أيضا . فإذا كانت كل المفاهيم الأطلسية السابقة تقوم على قاعدة وجود مهمة دفاعية فإن المهمة الجديدة أصبحت في عمقها تقول ب«التعاون» مع خصوم الأمس القريب وليس المواجهة معهم .

لكن بنفس الوقت بقيت مسألة أمن البلدان الأعضاء في رأس قائمة مهمات الحلف الأطلسي بالتوازي مع «واجب» العمل بكل الوسائل الممكنة من اجل تحسين الحالة الأمنية في عموم أنحاء القارّة . وتؤكد المؤلفة في تحليلاتها على أن الحلف الأطلسي قد سعى من خلال توسيع إطاره كي يشمل عددا من البلدان الأوروبية الجديدة إلى تشجيع المسيرة الديمقراطية على صعيد القارّة، لا سيما وأن العديد من بلدانها كانت محرومة منها لسنوات طويلة .

إن مؤلفة هذا الكتاب تؤكّد أيضا في تحليلاتها على القول أن التدخل العسكري الأميركي في العالم ،بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، تحت العنوان العريض المعروف باسم «محاربة الإرهاب»، أكان ذلك مباشرة بعد تلك التفجيرات مثل الحرب على طالبان في أفغانستان، أو بعدها بفترة كما جرى في العرا ق في ربيع عام 2003 ،كان له آثاره السيئة الكبيرة خاصة على صورة الولايات المتحدة في العالم.

كما أن ذلك التدخل أثار الكثير من الجدل على صعيد العالم وفيما بين الحلفاء . لكن بالمقابل كانت الأزمة داخل الحلف نفسه، لا سيما بين الولايات المتحدة وأوروبا وبالتحديد أكثر في التباين بين الموقفين الفرنسي والأمريكي حيال الحرب على العراق، بمثابة «عامل تنشيط» للدول الأعضاء في اتجاه دفعهم نحو البحث عن «إعادة تعريف للإستراتيجية الأطلسية كلها.

وتؤكد السيدة مور في هذا السياق على أن اعتماد الحلف الأطلسي على القوة العسكرية قد أضيف له بعد نهاية الحرب الباردة طموحه في أن يلعب أيضا دورا سياسيا مشجّعا على الاستقرار فيما هو أبعد من أوروبا .

ويتم التركيز في هذا السياق على القول إن جميع المراهنات التي قام بها محللون عديدون حول ما أسموه بـ « وفاة» الحلف الأطلسي بناء على القول إنه قد فقد سبب «علّة» وجوده وأصبح بالتالي من متاع الماضي بعد أن زال الخصم التاريخي الذي كان الاتحاد السوفييتي يمثله، إنما هي مراهنات ثبت فشلها . وذلك على أساس أن الحلف الأطلسي يشغل اليوم مكانة على صعيد قضايا العالم لم يشغلها في أية فترة أخرى من حياته كلها .

وما يتم تأكيده هنا أيضا هو أن النقاشات التي كانت تعطل إلى حد كبير آليات عمل الحلف الأطلسي في ظل الحرب الباردة، وكذلك النقاشات التي شهدتها سنوات التسعينات حول من هو «داخل منطقة» اهتماماته ومن هو «خارجها»، قد انتهت إلى غير رجعة وأصبح دوره متركزا اليوم على قضايا الأمن الدولي بشكل عام . وتعتبر المؤلفة أن التوجه الجديد للحلف الأطلسي يرجع إلى السياق السائد في العالم بعد تفجيرات 11 سبتمبر.

وتشرح أن القرارات التي جرى اتخاذها أثناء قمة اسطنبول في عام 2004 الرامية إلى تعزيز العلاقات بين الحلف الأطلسي ودول آسيا الوسطى وكذلك القول بمد مفهوم الشراكة كي يطال «الشرق الأوسط الكبير» الذي كان يبدو آنذاك من بين أولويات الإدارة الأميركية إنما كان يعكس توجهات الحلف الأطلسي الجديدة ومسعاه للتواجد في مختلف مناطق العالم وأيضا، وأساسا، أفق قيامه بمهام عسكرية جديدة من أفغانستان إلى العراق.

وترى المؤلفة في محصلة تحليلاتها أن الذي استجد بشكل فعلي بالنسبة للحلف الأطلسي هو بالأحرى مجال نشاطاته . ذلك أنه يقترب أكثر فأكثر من مناطق كانت حتى الأمس القريب «خارج» دائرة اهتماماته، مع التأكيد على مهمات ذات طابع سياسي ؛ وإلى حد كبير في خدمة القيم اللبرالية .

هذا وقد حاولت الولايات المتحدة أن توظفه في هذا الاتجاه . وبهذا المعنى أصبحت المهمة الجديدة للحلف الأطلسي تدخل في نطاق «الدفع نحو الاستقرار في عالم ما بعد الحرب الباردة»، كما جاء في العنوان الفرعي لهذا الكتاب.

*الكتاب: مهمة الحلف الأطلسي الجديدة

*الناشر: براجر سيكوريتي العالمية نيويورك 2007

*الصفحات :224 صفحة من القطع المتوسط

Nato's New Mission

Preager Security International 7002 kroY weN

422.p