تخرّجت دانييل سالناف، مؤلفة هذا الكتاب، من دار المعلمين العليا في باريس، وهذه مؤسسة علمية عريقة جدا كانت قد أعطت لفرنسا العديد من أبرز مفكريها من أمثال جان بول سارتر وريمون آرون وسيمون دوبوفوار وغيرهم.

تحمل المؤلفة أيضاً شهادة الكفاءة العليا ـ أغريغاسيون ـ في الآداب وساهمت في العديد من الصحف والدوريات مثل «لوموند» ومجلة «الأزمنة الحديثة» التي كان سارتر قد أسسها. أنجزت ما يفوق عن عشرين عملا روائيا ودراسيا وحازت عام 1980 على جائزة (رونودو) الأدبية، وعام 2005 على جائزة الأدب الكبرى للأكاديمية الفرنسية.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن دانييل سالناف معروفة بمواقفها المناهضة للتزمت الديني والطائفي. وكانت قد واجهت حكما قضائيا ضدها إلى جانب عالم الاجتماع الشهير ادغار موران في القضية المعروفة باسم «قضية موران» بسبب أفكارها الناقدة لإسرائيل. هذا وكانت المؤلفة قد تعرّضت لحملة انتقادات كبيرة على قاعدة اتهامها بالترويج في كتاباتها «الأسطورة» تقول ان الشريطين باللون الأزرق الموجودين في العلم الإسرائيلي ترمزان إلى نهري النيل والفرات.

«القندس» هو حيوان صغير من فصيلة القواضم المشهورة بفرائها، كما يقول التعريف القاموسي. وكان الفيلسوف الفرنسي الكبير جان بول سارتر قد أطلق على صديقة ورفيقة حياته سيمون دو بوفوار تسمية «القندس» ـ كاستور ـ التي أصبحت مشهورة بها وكأنها اسم آخر لها، لاسيما بعد أن كتب سارتر «رسائل إلى كاستور». بكل الحالات من هنا جاء اختيار دانييل سالناف لعنوان كتابها «كاستور الحرب».

هذا الكتاب سيكون دون شك الكتاب الأول في سلسلة طويلة سوف تليه بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لولادة سيمون دو بوفوار إذ أنها من مواليد يناير ـ 1908 (توفيت عام 1986). وهي أحد أشهر الكتّاب، رجالا ونساء، في القرن العشرين، وصاحبة الكتاب الذي «أقام الدنيا ولم يقعدها»، أي «الجنس الثاني».

لا شك أن المؤلفة تعود إلى المحطات الرئيسية في حياة سيمون دوبوفوار لكنها تؤرخ في الوقت نفسه للقرن الماضي (العشرين) الذي تصفه أنه «قرن كل أشكال التطرف». ومن الواضح أنها قد نجحت إلى حد كبير في تقديم صورة جديدة، غير تلك الصورة الشائعة عن صديقة سارتر «التاريخية».

وذلك عبر العودة إلى «قراءة» جميع أعمالها والتنقيب فيها. لكن ما توصلت إليه المؤلفة لا يزيد شخصية «بطلتها» وضوحا وإنما بالأحرى يزيدها تشوشا. ذلك أن الآراء المقدّمة تتعارض مع «الكليشيهات» الشائعة المعروفة.

«سيرة الحياة» المقدّمة في هذا الكتاب لسيمون دو بوفوار هي في الوقت نفسه سيرة شخصية وسيرة فكرية. ذلك أن المؤلفة تشير بداية إلى «وعي» سيمون دو بوفوار ل«شخصيتها المستقلة» منذ سن مبكرة جدا. وتنقل المؤلفة عنها قولها: «في سن الخامسة يكون المرء فردا كاملا»، كما تؤكد أنها، أي سيمون دوبوفوار، كانت مأخوذة منذ سنوات شبابها الأولى بفكرة «المطلق».

تتمثل إحدى النقاط ـ المنعطفات الرئيسية في حياة سيمون دو بوفوار في عام 1956 عندما «التزمت» على الصعيدين الخاص والسياسي بصورة «جذرية»، وكان ذلك بمثابة نقطة الانطلاق نحو خوض معركة «الحرية» .

كما كانت تراها من موقع النضال السياسي عبر المشاركة الفعّالة في أحداث الطلبة خلال شهر مايو 1968 وأيضاً من موقع المرأة «الرافضة» لتفوق «الجنس الثاني». كما كان عام 1956 هو العام الذي عادت فيه السيدة دوبوفوار للبحث عن أسرار طفولتهاعن بذور «التمرّد» الذي عاشته ومارسته.

إذا كانت الصورة الشائعة عن سيمون دوبوفوار تقدمها على أنها كانت امرأة مزاجية وحادة الطباع وقاطعة الأحكام، فإن مؤلفة هذا الكتاب تؤكد بالمقابل على أنها كانت أيضاً «حارّة العواطف» في علاقاتها الإنسانية مع الآخرين، وكانت تهوى الأسفار للتعرّف على البلدان الأخرى إلى جانب تعلّقها الكبير بممارسة السير لمسافات طويلة على الأقدام للتمتع بالجمال المحيط.

بالاختصار كانت تجمع بين كم كبير من التناقضات والسلوكيات من الأكثر تشددا إلى الأكثر تصالحا. وكانت صاحبة «الجنس الثاني» و«بطلة» حركة النضال من أجل تحرير المرأة قد كتبت في إحدى رسائلها إلى الروائي الأميركي «نيلسون اليغرن» الذي أحبّته ووصفته أنه «تمساحها»، إنها سوف «تخدمه كزوجة عربية».

وتتعرّض المؤلفة على مدى العديد من صفحات هذا الكتاب إلى علاقة سيمون دوبوفوار بجان بول سارتر. وهي تؤكد أنه إذا كانت هناك العديد من النقاط التي تجمع بينهما، فإن ذلك لم يمنع وجود خلافات «جذرية» بين الشخصيتين. هكذا كان الفيلسوف الكبير ذا نزعة مادية متجذرة و«راديكالية» في مسألة الموقف من الموت ومن «المصير» عامة .

بينما كانت سيمون دو بوفوار قد تلقت تربية مسيحية كاثوليكية كان لها أثرا واضحا في مواقفها وكتاباتها ولعل أفضل ما يشير إلى التباين بين رؤيتي سارتر ودوبوفوار ما قالته هي نفسها في السطور الأخيرة من «حفلة الوداع» بمناسبة وفاة سارتر وجاء فيه: «لقد فرّقنا موته، ووفاتي سوف لن تجمعنا. هكذا إذن، لكن من الجميل أصلا أن الحياة التي عشناها استطاعت أن تجعلنا أن نتوافق ونتعايش فترة طويلة».

وتحكي مؤلفة هذا الكتاب عن فترة اللقاءات الأولى بين الفيلسوف والكاتبة عندما لم يكن سارتر قد أصبح آنذاك ذلك المفكر المشهور وإنما الشاب «المأخوذ» بالمغامرات وذي «النكهة الفريدة» في حديثه عن مسائل عصره.

أما سيمون دو بوفوار فقد كانت مغرمة بشاب اسمه «جاك». وكانت قد خرجت من تلك العلاقة بكثير من التأملات حول «نتائج الزواج». وعندما ارتبطت مع سارتر فهمت مباشرة أنه مصمم على أن لا يدخل في أية علاقة «حصرية».

وتحدد المؤلفة رأي سيمون دو بوفوار بالزواج على أنه «أحد الأكثر إثارة للشفقة بين العلاقات الإنسانية». تؤكد المؤلفة أن مثل هذا الرأي عندها لم يكن بعيدا عن فهمها لتاريخ الزواج في الغرب المسيحي. ثم إن رفضها للزواج كان منصبّا بشكل أساسي ضد «الزواج البرجوازي» الذي كان يقوم أساسا على عدم الإخلاص للعلاقة الزوجية.

ولم يكن «الزواج» الذي عاشه والدها غريبا عن مثل ذلك الرفض. وتشير المؤلفة في هذا الإطار إلى ما كتبته سيمون دو بوفوار عام 1964 في عملها الذي يحمل عنوان: «موت عذب جدا» ووصفت فيه الأيام الأخيرة من حياة والدتها وأكّدت أن والدها كان يحتفظ دائما في غرفة مكتبه بصور العديد من عشيقاته.

وترى مؤلفة هذا الكتاب أن سيمون دوبوفوار قد عرفت «الالتزام السياسي» عبر علاقتها مع جان بول سارتر، وبل وإنه كان للقائها به أثر كبير في تحديد توجهاتها واهتماماتها الأدبية. وتروي أنه في إحدى اللقاءات الأولى بين الاثنين في اللوكسمبورغ استطاع سارتر أن يبرهن لها أنه هو «الفيلسوف».

هذا على الأقل ما قالته لنفسها كي تحوّل من جهتها «طموحها الفلسفي» نحو الرواية والدراسات. وفي تلك الفترة كتبت «مذكراتها» التي تعود لها مؤلفة هذا الكتاب كثيرا من أجل تحليل شخصية ومواقف الكاتبة الشهيرة السابقة على كتابة تلك «المذكرات» ولكن أيضاً اللاحقة بعدها.

ومن المحطات الأساسية التي تتوقف عندها المؤلفة طويلا هناك علاقة سيمون دوبوفوار مع الروائي الأميركي «نيلسون اليغرن» الذي كتبت له مئات الرسائل ـ جرى نشرها في كتاب قبل سنوات قليلة تحت عنوان «رسائل إلى نيلسون اليغرن» ـ وكان سارتر على علم كامل بتلك العلاقة بل إنه «باركها».

وكانت سيمون دوبوفوار قد اكتشفت أميركا عام 1947 عندما أعدّت تحقيقا عنها تحت عنوان «أميركا من يوم إلى آخر». وآنذاك تعرّفت على الروائي الأميركي وبدأت علاقتها معه حيث اختلطت عندها الأمور الخاصة والأمور العامة. هكذا احتوت آراؤها حيال أميركا على المديح أحيانا وعلى عدة مقاطع «لاذعة» حيال الأميركيين.

وكل حديث عن سيرة حياة سيمون دو بوفوار وعن مسيرتها الفكرية والأدبية لا بد وأن يأخذ عملها الشهير «الجنس الثاني» مكانة خاصة. وهذا الكتاب لا يشذ عن القاعدة. وترى المؤلفة أن كتاب «الجنس الثاني» يتبع في مساره المسار نفسه الذي عرفته قضية تحرير المرأة.

وذلك بمعنى أن كاتبته أرادت أن تعطي للنساء «الأدوات» الضرورية من أجل مواجهة جميع الخطابات السائدة الساعية إلى إصباغ الشرعية على مختلف أشكال اضطهادهن. مع «إشارتها» إلى أن النساء أنفسهن كنّ يتبنين تلك الخطابات أحيانا.

وتلخص المؤلفة جوهر الموقف الذي دافعت عنه سيمون دوبوفوار في «الجنس الثاني» أنه «ليس هناك أي شيء يصبغ الشرعية على خضوع أي جنس للجنس الآخر». كما تؤكد أن «الجنس الثاني» لا يحتوي أبدا على فكرة تحويل «دونية» النساء إلى «فوقية» بالعلاقة مع الرجال (تجدر الإشارة هنا إلى أن آراء كثيرة تتهم سيمون دوبوفوار بعكس ذلك).

إن مؤلفة هذا الكتاب تتعرض أيضاً في صفحات هذا الكتاب التي يقارب عددها ال600 صفحة لمواقف سيمون دوبوفوار من الاتحاد السوفييتي السابق الذي زارته في سنوات الخمسينات لكنها «لم تر شيئا من التزييف» الذي كان قائما هناك إذ كانت «مدعوة رسمية».

ونفس «العماء» تراه المؤلفة في موقفها حبال كوبا ـ كاسترو، بل وحيال موقفها من بوريس باسترناك صاحب رواية «الدكتور جيفاكو»الذي كان معأرضا للنظام السوفييتي. إنه «العماء» القائم على قاعدة الإيديولوجيا.

الكتاب الأول في سلسلة من الكتب بمناسبة الذكرى المئوية لولادة سيمون دو بوفوار، ومن بينها «كتابات فترة الشباب التي سيتم نشرها للمرة الأولى في الربيع القادم وهي بقلم «المتمرّدة الخالدة».

*الكتاب: قندس ـ كاستور ـ الحرب (سيمون دوبوفوار)

*الناشر:غاليمار ـ باريس 2008

*الصفحات: 589 صفحة من القطع المتوسط

Castor de guerre

Gallimard- Paris 2008

P. 589