مؤلفة هذا الكتاب هي روكساني ايليني مارغاريتي من مواليد أثينا في اليونان حيث تابعت دراساتها الأولى قبل التوجه إلى بريطانيا لدراسة علم الآثار وبعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية لإكمال دراساتها في التاريخ البحري والآثار بجامعة تكساس. وحصلت عام 2002 على شهادة الدكتوراه من جامعة برنستون في مجال الدراسات الشرق أوسطية.
كرّست المؤلفة اهتمامها الأكاديمي حول دراسة التاريخ البحري لمنطقة الشرق الأوسط ومجتمعاتها وثقافتها، وأولت اهتماما خاصا للتجارة البحرية. ساهمت أيضا في الفرق التي قامت بالعديد من الحفريات الأثرية في اليونان وتركيا وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة.وهي تقوم حاليا بتدريس تاريخ الشرق الأوسط وحضاراته في العصور الوسطى بالجامعات الأميركية وتلقي المحاضرات في هذا الميدان في أميركا وأوروبا. هذا هو كتابها الأول الذي أصدرته جامعة كارولينا الشمالية في الولايات المتحدة الأميركية.
تؤرخ المؤلفة في هذا الكتاب لـ «150 سنة من النشاط التجاري لمرفأ عدن اليمني خلال العصور الوسطى»، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب. وتقدم فيه، بالاعتماد على الوثائق التاريخية المثبتة وعلى الخرائط والنصوص القديمة التي يتم حفظ قسم هام منها في مصر، البراهين على أن ميناء عدن قد احتل مكانة مركزية في التجارة التي كانت قد ازدهرت في المحيط الهندي خلال القرون الوسطى ابتداء من مرافئ شبه القارّة ومن الأرخبيل الإندونيسي ووصولا إلى الإسكندرية.
السمة المركزية الأولى التي تؤكد عليها المؤلفة بالنسبة لميناء عدن هي موقعه الإستراتيجي الهام بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط مما جعله عقدة وصل هامة بين القارة الآسيوية وأوروبا. وتؤكد ثانيا أن ميناء عدن كان في العصور الوسطى أحد أكبر المرافئ في حوض المحيط الهندي ومن أهمها على صعيد النشاطات التجارية.
ويتم التأكيد هنا على أن الازدهار السكاني والتجاري لمرفأ عدن آنذاك كان بنفس الوقت سببا ونتيجة للأهمية التي اكتسبها في التجارة في حوض المحيط الهندي وعبره. وتشرح المؤلفة الآليات التي جرى على أساسها توسيع مؤسسات ميناء عدن ومنشآته العمرانية من اجل الاستجابة لمتطلبات التجارة البحرية. كان المطلوب هو استخدام واستثمار الإمكانيات التي يوفرها الموقع الإستراتيجي الاستثنائي من جهة وواقع ملائمة حوض المحيط الهندي نفسه لازدهار التجارة.
وإذا كان هناك من المضائق والرؤوس الناتئة في العديد من المناطق المحيطية لحوض المحيط الهندي فإنه لا توجد مع ذلك عقبات لا يمكن التغلب عليها. وكذلك لا توجد بين مختلف مناطقه تقسيمات طبيعية فمنذ القديم كان يتم النظر إلى المحيط الهندي والبحر الأحمر على أنهما يشكلان «بحرا واحدا» أطلق عليه البعض تسمية «بحر إريتريا».
من هنا بدا الدور «التاريخي» للمحيط الهندي «قريبا» من دور البحر الأبيض المتوسط من حيث إنهما شكّلا «صلة وصل» أكثر مما هو قريب للدور التاريخي للمحيط الهادئ ـ الباسيفيكي ـ والمحيط الأطلنطي اللذين كانا عقبة في التواصل.
إن المحيط الهندي أصغر مساحة من المحيطين الهادئ والأطلسي والملاحة فيه عرفت الكثير من التسهيلات بفضل ما حبته الطبيعة من ميزات، هذا بالإضافة إلى إيقاع الرياح الموسمية في المناطق الجنوبية منه خاصة، كما أن العدد الكبير من الجزر لعب دورا ايجابيا في تشجيع التجارة إذ خدمت في أحيان كثيرة كمحطات. وفي المحصلة يتم التأكيد على أن المحيط الهندي لم يشهد فقط طرق الحرير والتوابل وإنما أيضا سهّل التواصل بين الغرب والشرق.
وبعد أن تتحدث المؤلفة عن العديد من المحاور التجارية عبر الأطلسي تركز على دور مرفأ عدن في إطار تلك الشبكة. إن موقع عدن جعلها نقطة مركزية بالنسبة لخطوط الملاحة بين المنطقة العربية وبلاد فارس والقرن الإفريقي. وكان جزيرة سوقطرة القريبة من عدن نقطة مرور هامة نشّطت إلى حد ما الحركة التجارية في مرفأ عدن.
وتؤكد المؤلفة أن عدن كانت في فترة القرون الوسطى مركزا رئيسيا فيما يتعلق ب«توزيع» السلع القادمة من الهند ومصر بصورة خاصة. والتي يوجد في رأس قائمها التوابل والعنبر والكافور والخشب والحديد والأنسجة. ويتم الحديث في هذا السياق عن العديد من الضرائب على السلع مثل «ضريبة العشر» أحيانا، أو الضرائب المفروضة على مجرّد عرض البضائع. وكانت تلك الممارسة موجودة في عموم مرافئ جنوب شبه الجزيرة العربية.
وتكرّس مؤلفة هذا الكتاب العديد من صفحاته للحديث عن آليات الممارسة التجارية في البحار أثناء القرون الوسطى. لقد كانت التجارة آنذاك مختلفة تماما عما نعرفه اليوم حيث يمكن خلال دقيقة واحدة الحجز في رحلة بحرية للأشخاص أو للبضائع بين مختلف أصقاع الدنيا والحصول على «التأكيد في الدقيقة التالية» حسب تعبير المؤلفة. كما يمكن بسهولة فائقة التعرّف على الموقع الذي تتواجد فيه السفن في أية بقعة كانت من البحار والمحيطات عبر «كبسة زرّ».
بالمقابل كانت أية سفينة عربية «من الصنف الأرقى في العصور الوسطى» لا تستطيع أن تحمل جزء بسيط مما يمكن للسفن الكبرى أن تحمله اليوم. وتضيف المؤلفة هنا القول إن الرحلة البحرية آنذاك بين مصر والهند كانت تستغرق مدة عامين، وغالبا أكثر، بالنسبة للذهاب والإياب.
ثم إن «طلبية» من السلع المرسلة في مطلع السنة من الهند إلى عدن ما كان لها أن تصل قبل شهر سبتمبر التالي، وذلك في أسرع الحالات. وتذكر المؤلفة في هذا السياق حادثة غرق أحد المراكب لأسباب مجهولة في منطقة بحرية بمحازاة الشاطئ عل مسافة أربعة أيام إبحارا بقارب شراعي انطلاقا من ميناء عدن، لكن أخبار غرق المركب لم تصل إلى الميناء إلا بعد ستة أشهر.
ثمّ أمضى الموظفون العدنيون عامين من الزمن في إجراء التحقيقات وجمع الشهادات من اجل إعداد التقرير الرسمي عن الأحداث المتعلقة بغرق القارب وتقديمها إلى أهل الضحايا من البحارة في الاسكندرية، وحيث وصلهم التقرير في منتصف السنة التالية.
من خلال سلسلة طويلة من الأحداث من كل صنف ونوع ترسم مؤلفة الكتاب الواقع الذي كانت تجري فيه التجارة البحرية في المحيط الهندي خلال القرون الوسطى. ومن أهم السمات التي تبرزها وجود مختلف الأخطار وتواضع وسائل النقل والاتصالات وهامش بسيط من الفعالية والأمن فيما يتعلق بتسيير أية عملية تجارية. وذلك كلّه أمام عاملين أساسيين هما المسافة والزمن.
وبكل الأحوال كانت التجارة آنذاك تقوم بشكل رئيسي على الثقة الملازمة للعلاقات العائلية التي كانت تفرض «قوانينها» على جميع العاملين. وكانت المحاكم الشرعية الإسلامية في عدن هي التي تنظر في الخلافات إذا لم يتم التوصل إلى حلّها عائليا.
في المحصلة تقدم المؤلفة صورة لمرفأ عدن في العصر الوسيط كانت فيه ملتقى ممرات بحرية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وأنها عرفت منظومة تجارية مندمجة في شبكات الملاحة آنذاك. كما أنها ساهمت في الربط بين عوالم البحر المتوسط والمحيط الهندي.
كذلك تحاول مؤلفة هذا الكتاب أن تبيّن في نهاية المطاف، وفي منظور يتجاوز الحالة التي تدرسها، الدور الذي لعبته المدن ـ المرافئ باعتبارها عقدات للتبادل والتواصل في تاريخ المحيط الهندي والشرق الأوسط، وقبل كل شيء في التمازج بين الحضارات.
*الكتاب:عدن والتجارة في المحيط الهندي
*الناشر:جامعة كارولينا الشمالية 2007
*الصفحات: 360 صفحة من القطع المتوسط
Aden and the Indian ocean rade
Univercity of north carolina 2007
P.360

