نسيج مدهش من الريبورتاج والتاريخ والقص رواية «أجانب» التي تعد الرواية الثامنة للكاتب البريطاني كاريل فيليبس هي خليط مدهش من الريبورتاج والحقائق التاريخية والقص بطل القارئ عبره على مسار ثلاثة من الرجال السود الذين تتحدث حياتهم بقوة واقتدار عن دور الأجانب ومكانتهم في المجتمع الانجليزي.

الرجل الأول هو فرانسيس باربر الذي منح للدكتور صمويل جونسون، عملاق الأدب الانجليزي في القرن الثامن عشر، ليكون رفيقاً له أكثر من كونه خادماً، والذي حقق تعمقاً في فهم الحرية مضى به بعد وفاة جونسون إلى مصيره البائس.

الرجل الثاني هو راندولف توربين الذي دخل السجلات التاريخية الرياضية في عام 1951 عندما هزم شوجر راي روبنسون ليصبح أول بطل للعالم في الملاكمة من السود البريطانيين، وليغدو ملاكما من الطراز الأول على امتداد اثنى عشر عاماً، ولتنتهي حياته ـ على الرغم مما عرفه من شهرة وثراء ـ بالدين والعوز واليأس.

أما الرجل الثالث والأخير من بين الشخصيات الثلاث البارزة في الرواية فهو ديفيد أولووالي النيجيري الذي وصل إلى ليدز في 1949 والذي تضع أحداث حياته واقع العدالة البريطانية موضع التساؤل، والذي تحول مصرعه على يد رجال الشرطة في عام 1969 إلى دعوة موجهة للأمة بأسرها إلى اليقظة من السبات الذي دام طويلاً.

ويلاحظ القارئ، على الفور تقريباً، أن قصص كل رجل من هؤلاء الرجال الثلاثة تروي بضمير مختلف ومتحقق إبداعياً إلى أبعد الحدود، وكل قصة تلقي الضوء على الدراما وعمق التعقد الكامنين وراء المفاهيم البسيطة للعجز التي استخدمت لتفسير تراجيديا حياة كل منهم، وكل قصة تستكشف، بطرق جديدة تماماً، الموضوعات الكامنة في صميم إبداع كاريل فيليبس، وهي الانتماء والهوية والعرق.

والقارئ لابد له كذلك من أن يلاحظ أن كل قصة من القصص الثلاث التي تشكل نسيج الرواية قائمة بذاتها، وغير متصلة بالقصص الأخرى، والصلات التي تربطها هي الموضوعات الكامنة في كل منها، والتي تدور حول نضال الشخصيات الثلاث لتحقيق الانتماء إلى انجلترا، فكل من الرجال الثلاثة هو رجل لا منتم في البلاد التي غدت وطنه، ولابد له من الوصول إلى التصالح مع مجتمع يفهمه على نحو غير مناسب، ولا يساعده بحال في التأقلم والاندماج.

والمؤلف في غمار محاولته إدراج هذه القصص في سياقها الصحيح يستخدم أساليب مختلفة في السرد في كل قصة. بهذا المعنى فإن قصة فرانسيس باربر تروي لنا بصوت صحافي ينتمي إلى القرن الثامن عشر، واللغة التي يستخدمها تبدو مرتبكة وباعثة على الضيق بصورة مقصودة ومتعمدة، والرواية تطرح وجهات نظره الليبرالية، زاعماً أنه يصحح التقدير المحدود الذي يكنه الناس لباربر في أعقاب وفاة سيده. غير أن هذا التعاطف المعلن مع باربر لا يحجب التحيزات ضد السود في ذلك العهد.

في الوقت نفسه فإن الكاتب المجهول لسيرة حياة راندولف توربين يبدي تعاطفاً أكبر مع الرجل الذي يروي قصة حياته والتحديات التي يواجهها، ويصف هذه التحديات بالتفصيل، حيث إن «راندي» الذي ربته أمه الأرملة يحذو حذو أخوته في احتراف الملاكمة، ويجلب صعوده المفاجئ إلى قمة الشهرة وإحراز اللقب ثروة مفاجئة عليه، هو الذي يبدو أبعد ما يكون عن الاستعداد لحياة مترفة ولإدارة شؤونه.

ومن هنا يستغل أصدقاؤه الذين ظهروا من العدم كرمه ولطفه. أما الجانب العدواني منه، الذي مضى به إلى عالم الملاكمة في المقام الأول، فيتجلى بصفة خاصة في تعامله مع النساء اللواتي يدخلن حياته. غير أن الثروة والشهرة لا تدومان طويلاً، ويقصم الفقر والبؤس اللذان يفرضان نفسيهما عليه ظهره، وذلك على الرغم من الدعم المفعم بالحب الذي تقدمه له عائلته.

يتبنى المؤلف في القصة الثالثة منهاجاً سردياً مختلفاً تماماً، فحالة ديفيد أولووالي هي بمثابة موزاييك مؤلف من حشد من الأصوات، فنحن بإزاء عدد كبير من الشهود الذين يقدم كل منهم رؤيته الشخصية ومنظوره فيما يتعلق بالرجل وبحياته في ليدز. وهؤلاء الشهود من بينهم فتاة في مقتبل العمر، اختصاصي اجتماعي، مهاجر نيجيري آخر، طبيب، وبالطبع الشرطة.

ما من أحد من هؤلاء الشهود كان يعرف أو لووالي معرفة جيدة بما فيه الكفاية، ومع ذلك فإن تصوراتهم له تتراوح بين وصفه بأنه «هادئ، متعلم، حسن المظهر، ومهذب»، إلى «سيئ المظهر، عنيف، أقل من العادي ومتوحش». والقارئ مطالب بأن يرسم صورته الخاصة عن الرجل في نهاية المطاف.

والمؤلف، الذي نشأ في ليدز، يوغل في التفاصيل المتعلقة بتاريخ هذه المدينة في العهود المختلفة ودورها في الثورة الصناعية في بريطانيا، وبينما تعمق هذه التفاصيل سياق القص فإنها لا تصرف انتباه القارئ عن الموضوع الرئيسي للقصة.

حيث أدى مصرع ديفيد إلى محاكمة اثنين من رجال الشرطة عرف بأنهما كانا يطاردانه بصورة مستمرة. وهكذا تنتهي مأساة حياة بدأت بأمل كبير ومثالية شامخة بعد مراحل متعددة من السجن وسنوات في مؤسسة لعلاج الحالات العصبية وأخيراً التشرد في الشوارع والطرقات.

هكذا فإن المؤلف يقدم لقرائه لوحات تفصيلية للرجال الثلاثة وظروفهم. وبينما تبدو قصصهم ملونة وحافلة، فإنه في غمار وصفهم من منظور مراقبين معاصرين ولكنهم خارجيون يتجاوز أي مناقشة للعذاب الداخلي الذي لابد أن الرجال الثلاثة قد خاضوا غماره.

وعلى مستوى عام، فإن السرد الذي يقدمه فيليبس يعري مشكلات الاندماج العرقي التي لها أهميتها اليوم، غير أنه يتجنب الموضوعات الدقيقة والمحددة باستثناء الحالة الثالثة والأخيرة، التي تعد في الكثير من الجوانب الحالة الأكثر تأثيراً من بين الحالات الثلاث، وأيضاً الحالة ذات النتائج الأكثر تدميراً بالنسبة للمجتمع وقتها ومنذ زمان حدوثها حتى الآن.

وفي التحليل النهائي، فإن المؤلف يظل في المنطقة الرمادية بين الحقيقة والخيال، وتفاصيل حالة توربين تبدو أقرب إلى صورة مستقاة من الواقع لحياته من دون الكثير من العناصر الإبداعية التي تقف وراء هذه الصورة، ويظل من غير الواضح، على سبيل المثال، ما إذا كانت إفادات الشهود في المحاكمة التي أعقبت موت ديفيد تشير إلى مقتطفات فعلية من المحاكمة الحقيقية أم إلى تعليقات متخيلة أدرجت لتناسب تفسير المؤلف لصورة المهاجر النيجيري إلى ليدز.

ومن المحقق أن هذه الرواية تفتح أمام القارئ والكاتب العربيين على السواء أفقاً مدهشاً فيما يتعلق بإمكانيات روائية وإبداعية تستحق الارتياد بالاستعانة بهذا العمل الروائي الفريد.

*الكتاب:أجانب

*الناشر: الفريد نوف نيويورك 2007

*الصفحات:256 صفحة من القطع المتوسط

Foreigners

A.Knopf- N.Y 2007

P. 652