أجرت مطبوعة «دبلن كوارترلي» الأدبية المتخصصة هذه المقابلة الروائي البريطاني كاريل فيليبس بمناسبة صدور روايته الثامنة مؤخراً بعنوان «أجانب»، حيث ألقى الضوء على جوانب مختلفة في عالمه الروائي، معرباً عن اعتقاده بأنه كلما أضاف الكاتب إلى أعماله ازداد وضوح المجال الذي يهتم به ويركز عليه، مشدداً على اهتمامه بمفهوم الهوية أكثر من اهتمامه بمفهوم العرق، وتطرق إلى مساهماته في مجالات أخرى، مثل الكتابة للسينما والتلفزيون والإذاعة والمسرح.

وفيما يلي نص الحوار:

* «أجانب» هي روايتك الثامنة، التي تشكل أحدث إضافة إلى كيان من العمل الإبداعي وصفته مجلة «تايم» مؤخراً بأنه: «واحد من تأملات الأدب العظيمة في العرق والهوية». كيف تمضي هذه الرواية قدماً بهذين الموضوعين في أعمالك؟

ـ أعتقد أنك كلما كتبت ونشرت غدا المجال الذي تهتم به أكثر وضوحاً وبروزاً. وأنا أكثر اهتماماً بـ «الهوية» مني بـ «العرق»، فهذا الأخير ليس إلا مكوناً واحداً من مكونات الهوية، جنباً إلى جنب مع الدين، النوع، الجنسية، الطبقة.. الخ. ومن الواضح أن أجانب هي رواية تدور حول هوية تتعرض للتحدي، ولكنها أيضاً رواية تدور حول الهوية الانجليزية، أو الهوية الوطنية.

* خلافاً لأعمالك السابقة، فإن روايتك السابعة بعنوان «شاطئ بعيد» تقع أحداثها في العصر الراهن. هل دفعت بك أحداث معينة برزت في الأخبار إلى كتابة رواية معاصرة؟

ـ لم تكن هناك قصة خبرية محددة، ولكن المرء لا يملك إلا أن يعي النقاش الذي يدور حول الساعين إلى اللجوء إلى أوروبا في غضون السنوات القليلة الماضية. وقد لاحظت أن جانباً كبيراً من اللغة المفعمة بالإهانات التي تستخدم لوصفهم هي لغة مشابهة لتلك التي استخدمت لوصف المهاجرين المنتمين إلى جيل أبوي.

وقد أحسست دائما بأنني سأكتب رواية معاصرة عندما يطرح الموضوع المناسب نفسه عليَّ، وكذلك بالطبع الشخصيات المناسبة. وأنا لا أزال ملتزماً بعمق بمفهوم التاريخ، باعتباره النافذة الأساسية التي يتعين علينا أن نطل عبرها لنرى أنفسنا بوضوح.

* من الشخصيات الرئيسية البارزة في أعمالك امرأة انجليزية في عمر الكهولة تدعى دوروثي والتي تبدو ضائعة في بلدها، كما لو أنها لم تعد تعرف القواعد الآن وقد أصبح المهاجرون إلى حد كبير جزءا من الحياة اليومية. لماذا اخترت أن تعهد إليها بهذا الدور الذي يجعلها من الأصوات البارزة في أدبك؟

ـ إنها شخصية تقتضي الاهتمام، وقد اجتذبني إليها تعقد حياتها والتآكل الذي تعاني منه، وحياتها يفترض أنها حياة هادئة، لا تتميز عن حياة غيرها تقريباً، ومع ذلك فهي مليئة بالدراما والمعاناة الداخلية، شأن الكثير من الناس.

* المنظور الآخر البارز يتمثل في شخصية غابرييل، وهو رجل إفريقي أسود، يرحل إلى انجلترا هرباً من الفظائع في وطنه. وقد سافرت أنت إلى سيراليون التي تعتبر رسمياً أفقر بلد في العالم وأحد أكثر بلاد إفريقيا عنفاً. هل تقوم هذه الشخصية على أساس أناس قابلتهم في تلك الرحلة؟

ـ لا، لقد ذهبت إلى سيراليون بعد صدور الكتاب في انجلترا، وأنا لم أضع شخصية غابرييل أو خلفيته أو رحلته على أساس أي بلد إفريقي بعينه. غير أنني وضعت في ذهني رواندا وليبيريا والكونغو وسيراليون. وقد ارتحلت طويلاً في إفريقيا جنوب الصحراء، ولكنني حاولت، عن حكمة فيما أظن، تجنب المناطق التي مزقتها الحرب، ولكن المرء يقرأ، ويسمع، ويلاحظ ما حوله.

* تربط صداقة غير متوقعة بين دوروثي وغابرييل. ما الذي تعنيه علاقتهما فيما يتعلق بالتحولات الثقافية في انجلترا؟

ـ إن صداقتهما مترددة، مليئة بالقلق، مثقلة بالشك والتشكك في الذات، وهي تمضي في ظل التمعن الكامل والحافل بإصدار الأحكام من جانب أناس يسارعون بالإدانة. ولما كان الأمر كذلك، فإنني لا أعتقد أنه كان هناك الكثير من التحول في انجلترا.

والناس يواصلون التحفظ فيما يتعلق بالتمازج من كل الأنواع بين الأعراق، بما في ذلك التمازج الجنسي والديني والطبقي، ومثل هذا التمازج يلقى رفضاً وانزعاجاً كبيرين. ولايزال من الصعب أن يكون المرء ودوداً تجاه «الآخر» في الكثير من أجزاء انجلترا.

* يلقى غابرييل مصرعه على يد مجموعة من المراهقين البيض بعد استقراره في مدينتهم. لماذا اخترت أن تنهي حياته بهذه الطريقة؟

ـ لايزال هناك الكثير من العنف العرقي، في الحياة الانجليزية على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي. والإحصاءات المتعلقة بجرائم القتل ذات الدوافع العرفية أو جرائم الكراهية في انجلترا تدفع للشعور بالعار. ويبدو لي أن من المحتمل تماماً أن يلقى رجل مثل غابرييل في قرية كالتي يقيم بها مصرعه بتلك الطريقة المأساوية.

* لقد نشأت في شمالي انجلترا، حيث كنت واحداً من السود القلائل في مدينة تغلب عليها الطبقة العاملة البيضاء. هل عدت إلى المدينة التي نشأت فيها لترى ما إذا كانت قد تغيرت؟

ـ لقد عدت إلى ليدز مرات عديدة. وهذه المدينة تغيرت إلى حد كبير، فهي مزدهرة الآن على الصعيد الاقتصادي، مفعمة بالثقة، وتجاري أحدث التيارات. وهي حافلة بالحياة الليلية، والنوادي الليلية فيها جيدة، والتسوق فيها رائع. والمكان يضج بالحيوية والنشاط. غير أن الجزء من ليدز الذي نشأت فيه لايزال يكافح في مواجهة المشكلات الاجتماعية، بما في ذلك النزعة العنصرية.

ولاتزال هناك وجوه محدودة غير بيضاء، وغير البيض الذين يجوبون الشوارع يتعرضون للكثير من التحرش والمضايقات. ولذا فإن هذا المكان، شأن معظم المدن، له وجهه العام ووجهه الخاص. ومن المؤكد أن الوجه العام أكثر تورداً مما كان عليه عندما كنت صبياً، ولكن الوجه الخاص لايزال رهيباً على نحو ما كان.

* تظهر أفلام مثل «العبها مثل بيكهام» و«الشرق هو الشرق» انجلترا يختلط فيها الفتية من الثقافات المختلفة بسهولة أكبر. هل الأمر كذلك؟

ـ لم يحجم الفيلمان عن استكشاف المشكلات العرقية. غير أن لندن التي شكلت الساحة التي صور فيها فيلم «العبها مثل بيكهام» ليست بالمدينة التي يمكنك استخدامها كمقياس لباقي انجلترا. والفتية في مناطق المدن يختلطون بسهولة معاً على نحو أكبر من نظرائهم في المناطق الريفية أو الضواحي، ولكن الغالبية الكاسحة من انجلترا ليست مناطق المدن الداخلية، وحتى في مناطق المدن الداخلية لايزال المرء يرى الكثير من المشكلات.

* هل كان يمكن إنتاج مثل هذين الفيلمين في الوقت الذي جاء فيه أبواك من جزر الهند الغربية إلى انجلترا قبل أربعة عقود؟

ـ لا، ما كان يمكن إنتاجهما آنذاك. فلم يكن أحد مهتماً بقصة تدور حول أناس «أجانب» بتلك الطريقة بالغة الوضوح، بمعنى أنهم مختلفون عرقياً. أما هذه الأفلام «الجديدة» فهي تدور حول أناس بريطانيين و«أجانب» والحقيقية القائلة إن هؤلاء الفتية يشاركون ويبتعدون في آن عن الحياة البريطانية تجعلهم محطاً للفضول. وقد كان آباؤهم ـ وكذلك أبواي ـ ينظر إليهم على الدوام من جانب السياسيين ورجال الأعمال على أنهم.. مشكلة قد تختفي يوماً».

*بعد تخرجك من جامعة أوكسفورد، قابلت الكاتب جيمس بالدوين الذي أثر في حياتك تأثيراً كبيراً. حدثنا عن الصداقة التي ربطتك به. ومن هو الكاتب الذي يترك التأثير نفسه على الشاب الأسود اليوم؟

ـ لقد كنت محظوظاً للغاية لمعرفتي لكاتب في كرم جيمس بالدوين، وقد كان أول كاتب عرفته، وقد تابعته وهو يتعامل مع الضغط النابع من كونه شخصية عامة، وهو ليس بالشيء الذي أتمنى لأي كاتب أن يتعرض له. وقد أدركت بسرعة مدى أهمية قيام المرء بحماية خصوصيته والحفاظ على تركيزه على عمله.

وفهمت أن العالم الأدبي يتعرض لتقلبات الموضة ولسم المال والشهرة، وكل ذلك لا يعني شيئاً عندما يوضع مقابل تراث العمل الذي يتركه المرء وراءه. وأنا لست متأكداً من الشخصية التي يمكن أن تقوم بهذا الدور في بريطانيا اليوم. وهناك نساء في صدر العمر، مثل زادي سميث، أنا على يقين من أنهن يقمن بتشجيع جيل جديد على النظر إلى الأدب كخيار مطروح.

* لقد كتبت عن الذكرى الأربعين لخطاب مارتن لوثر كينج الشهير «لديّ حلم». ما هو مغزى هذه الذكرى بالنسبة لك؟

ـ هذه الذكرى تذكر المرء بمدى التردي الذي تعرضنا له في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن، حيث تراجعنا من بلاغة ذلك الخطاب إلى رئيس يقلل من مكانة منصبه بإطلاق عبارات مثل «اقضوا عليهم!». إن اللغة شيء مهم وأثير، فهي تضفي علينا الكرامة والكبرياء.

محطات في مسيرة فيليبس

* ولد الروائي البريطاني كاريل فيليبس في سانت كيتس بجزر الهند الغربية، وانتقل إلى بريطانيا مع عائلته وهو في الشهر الرابع من العمر ونشأ في ليدز، ودرس اللغة الانجليزية في جامعة أوكسفورد.

* استهل حياته الإبداعية بالكتابة للمسرح، وكانت أولى مسرحياته «الثمرة الغريبة» «1980»، «حيث يسود الظلام» «1982»، «المخبأ» «1983» وكتب الدراما التلفزيونية والإذاعية.

* أصدر ثماني روايات، أولها «العبور الأخير» «1985» وأحدثها «أجانب» الصادرة مؤخراً. وله ثلاثة كتب خارج إطار الرواية.

* فاز بجائزة جايلز كوبر لأفضل مسرحية مقدمة عبر الإذاعة عن مسرحيته «السنوات المهددة» عام 1984، وأدرجته صحيفة «صنداي تايمز» عام 1992 ضمن قائمة أفضل الكتاب الشبان في بريطانيا، وأدرجته مجلة «جرانتا» في القائمة نفسها عام 1983.وفاز بجائزة مارتن لوثر كينج التذكارية، وبزمالة جوجنهايم، وزمالة المجلس البريطاني، وزمالة مؤسسة لانان، وجائزة جيمس تيت بلاك التذكارية عن رواية «عبور النهر»،

وجائزة كتاب الكومنولث عن روايته «شاطئ بعيد» عام 2004، وجائزة الاتحاد الدولي للكتاب عن رواية «الرقص في الظلام» عام 2006، وزمالة الجمعية الملكية للأدب، وعمل بالتدريس في جامعات غانا، السويد، سنغافورة، بربادوس، الهند، الولايات المتحدة، ويكتب بانتظام في صحيفة «غارديان»ومجلة «نيو ريبوبليك».

منى مدكور