هذا هو الإصدار الخامس من الكتاب السنوي لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي في طبعته العربية. وتنتقل النسخة الجديدة من كتاب «سيبيسر» من جوهر الموضوع الذي تعرضت له عام 2006 والتي اتسمت وعلى نحو شمولي بمعالجة قضايا الأمن والصراعات، والصراعات المسلحة الكبرى والإنفاق العسكري والتسلح في العالم عام 2005.

بالاضافة إلى وموضوعات حظر الانتشار والحد من الأسلحة ونزع الأسلحة إلى الانتقال نحو البحث في جوهر المشكلة وهى النظر بعمق إلى عالم من الخطر والذي يتحدد في كونه مجموعة من ظواهر الإشكالات الأمنية أوسع بكثير مما يعكسه مصطلح تهديد أو حتى مصطلح «تحد» الأكثر عمومية.

وقد تم تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أقسام تمحور الأول حول الأمن والصراعات عام 2006، وفي سياق هذا القسم تم تناول العديد من القضايا الحيوية منها قضية الأمن والمؤسسات الأورو ـ متوسطية وفي هذا المجال تم التطرق إلى عملية العراق والجدل الداخلي الأميركي، وكذا جوانب الاتفاق والاختلاف بين الولايات المتحدة وأوروبا في هذا الخصوص.

كما تم في إطار هذا القسم تناول قضية الصراعات المسلحة الكبرى ومن خلالها تم تناول الأبعاد العابرة للحدود القومية في الصراعات المعاصرة ومن ذلك نزوح السكان وحالات الشتات وشبكات الصراعات العابرة للحدود القومية والتي تشمل الدول والإرهاب الدولي والجريمة، وحفظ السلام ومدى مجاراة التغيرات الطارئة على الصراعات.

فضلاً عن قضايا التعاون الإقليمي في منطقة الاتحاد السوفييتي السابق، والمسائلة الديمقراطية لأجهزة الاستخبارات. وهنا يشير الكتاب إلى ما يصفه بتحدي الإشراف ويتمثل في الحاجة إلى السرية مقابل الحاجة إلى الشفافية للرقابة على الأجهزة الأمنية والاستخبارية مع استعراض التدابير الوقائية من سوء الاستخدام الوزاري للأجهزة الاستخبارية من خلال مناقشة دور البرلمانات والمحاكم والهيئات المستقلة، وأخيراً قضية الطاقة والأمن وأبعادها الإقليمية والدولية.

فيما تناول الكتاب في القسم الثاني قضية الإنفاق العسكري والتسلح خلال عام 2006. وفي هذا الصدد تم تحليل المخاطر على حياة البشر، وقضية الإنفاق العسكري ويستعرض الكتاب هنا الاتجاهات الإقليمية والبلدان المنفقة الرئيسية مع تقديم جدول بالبلدان الـ 15 ذات الإنفاق العسكري الأعلى في سنة 2006 بحسب سعر صرف السوق ومكافئ القدرة الشرائية.

وفي إطار التفصيل في هذا الجانب يقدم البيانات الخاصة بالولايات المتحدة لجهة اتجاهات نفقاتها العسكرية ومخصصات الحرب العالمية على الإرهاب والإنفاق المستقبلي والاستراتيجيات البديلة والتأثير الاقتصادي.

كما يتناول الكتاب في إطار القسم الثاني قضية إنتاج الأسلحة مستعرضاً الشركات المئة الكبرى بحسب تصنيف سيبيري المنتجة للأسلحة والشركات التي حققت أعلى الزيادات في مبيعات الأسلحة عام 2005، فضلاً عن عمليات نقل الأسلحة على الصعيد الدولي.

أما في القسم الثالث فقد تم التطرق إلى قضية حظر الانتشار والحد من الأسلحة عام 2006 وفي إطار هذا القسم تم استعراض قضايا خفض المخاطر الأمنية بالحد من امتلاك مواد مدنية واستخدامها، إلى جانب قضية حظر الأسلحة النووية والحد من انتشارها، وتطورات الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والحد من التسلح، والحد من الأسلحة التقليدية، وأخيراً مراقبة عملية النقل الدولية المرتبطة بالأمن.

وحسب ما يشير الكتاب فإن تنامي الصراعات في ظروف خصبة من الاختلال وعدم التوازن في العلاقات الدولية أدى إلى تفجر أنواع وصيغ مختلفة من تلك الصراعات فلم تعد مسائل الحدود أو الاختلاف على اقتسام منافع المياه وغيرها هي المحرك الأساسي لتلك الصراعات بل إن الاضطراب السياسي في العديد من بلدان العالم يسبب مشكلات اثنية أو دينية ويمثل تهديداً مباشراً ليس لدول موقع الصراع بل للمحيط المجاور لها وللأمن والسلم العالميين في الوقت ذاته، ولم تعد الإمكانات الأممية متمثلة بجهود الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية.

وبالمقابل لكل تلك الصراعات وعوامل تفجرها وانتشارها واستمرارها وما تخلفه من دمار وتهديد، فإن الجهود الدولية المختلفة تبدو خافتة وتتحرك وفق مواسم معينة لاعتبارات مختلفة، وعلى هذا يشير الكتاب إلى انه لم يتحقق خلال عام 2006 ما يذكر في سبيل معالجة أهم الأزمات في المنطقة العربية وجوارها، فالوضع في أفغانستان والعراق وفلسطين والسودان والصومال تجاوز الكثير من المتوقع لآثاره.

وأضحت المشكلة الإنسانية وتداعياتها عامل قلق وتوتر للأسرة الدولية بأكملها. ويوضح الكتاب أن السمة الغالبة في تلك الصراعات واتجاهات تطورها أن تسير نحو المزيد من التعقيد بما يوحي بإطالة زمن الوصول إلى حلول حاسمة لها وفي الوقت ذاته إطالة المعاناة للشعوب وإضاعة فرصة التقدم والارتقاء لها.

ويقدم الكتاب مسحاً للصراعات المسلحة الكبرى في العالم وليس مفاجأة أن تكون إفريقيا وآسيا وبشكل خاص منطقة الشرق الأوسط من المناطق الرئيسية للصراعات المسلحة وأن تلك الصراعات لم تعد أزمات محلية محدودة في رقعة جغرافية.

بل إنها تتسم بالقدرة على التجاوز في تأثيرها نحو محيطها الإقليمي والتفاعل مع الأزمات الأخرى في أنحاء العالم. وفي المقابل فإن الجهود الدولية المختلفة تبدو عاجزة عن ملاحقة إطفاء الحرائق، كما أن تدابير السلام رغم أهميتها والجهود الأممية في سبيل تمكينها من أداء واجبها تبقى رهينة المساعدة والدعم الإقليميين.

ويقدم الكتاب إزاء اتساع مادته رؤية ختامية يحاول من خلالها تلخيص الاتجاهات الأساسية في ضوء الطابع التخصصي للمادة الرئيسية على النحو الذي قد يعيق عدم استفادة غير المتخصصين. فيشير مثلاً إلى أنه كان يوجد في عام 2006 نحو 17 نزاعاً مسلحاً رئيسياً في 16 وهذان الرقمان مشابهان للرقمين عام 2005 والنزاعات نفسها كانت ناشطة في كلتا السنتين.

ولم يندلع نزاع بين الدول في العام 2006 على نحو نشط وبقيت آسيا للسنة الثانية على التوالي المنطقة التي تشهد أكبر عدد من النزاعات في العالم وخلال الفترة بين عامي 1997 و2006 دار 34 نزاعاً مسلحة رئيسياً مختلفاً وفيما عدا فترة امتدت ثلاث سنوات كان نصيب إفريقيا أكبر عدد من النزاعات لكن حدث تراجع في العدد السنوي للنزاعات من 26 نزاعاً عام 1996 إلى 17 نزاعاً عام 2005.

أما على صعيد الجانب المتعلق بالطاقة والأمن وأبعاده الإقليمية والدولية فيشير الكتاب إلى أن الباعث للمخاوف الحالية المتعلقة بأمن الطاقة عبارة عن مجموعة مختلفة وأكثر تعقيداً من العوامل مقارنة بما كان عليه الحال في سبعينات القرن الماضي، حيث طرأت تغييرات كبيرة على مفاهيم أمن الطاقة والأفكار المتعلقة بأفضل السياسات الوطنية والإقليمية والعالمية لمضامينه.

وتدرك بعض الدول الحاجة إلى وجود تعاون دولي في حين تتبنى دول أخرى مقاربات ذات نزعة وطنية حتى أنها على استعداد لاستخدام القوة العسكرية من أجل حماية مصالحها الخاصة بالطاقة وبالتالي يعمل أمن الطاقة على إعادة صياغة العلاقات الدولية المعاصرة.

كما أدت المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة إلى بروز تحالفات استراتيجية جديدة وتعاون بين الدول التي هي بمثابة جهات فاعلة رئيسية في أسواق الطاقة ولكنها مصادر للتوتر والمنافسة والنزاع أحياناً. وفيما يتعلق بتحليل المخاطر على حياة البشر يشير الكتاب إلى أن الحكومات تفرد مبالغ ضخمة من المال لقطاعاتها العسكرية على خلفية الغرض المعلن المتمثل بتوفير الأمن لمواطنيها لكن تحقيق هذا الهدف يعتمد جزئياً على كيفية تعريف الأمن، فالتحليل من منظور الصحة العامة.

يشير إلى أنه إذا كان الأمن يقاس بدلالة الخطر الشامل على الأرواح البشرية فيمكن لمجموعة من التدخلات غير العسكرية أن تكون أجدى من الناحية الاقتصادية في توفير الأمن من الأدوات العسكرية وحدها. يضاف إلى ذلك أن التداخل بين الأنواع المختلفة لعوامل الخطر تفتح الباب أمام احتمال حدوث مقايضات بين الأنواع المختلفة لاستراتيجيات الأمن.

وفيما يتعلق بالإنفاق العسكري العالمي يشير الكتاب إلى أنه يقدر في عام 2006 بأنه وصل إلى 4, 12 مليار دولار أي أعلى بمقدار 5, 3% في الواقع منه عام 2005 وأعلى بنسبة 37% منه قبل عشر سنوات عام 1997، وترجع نسبة 83% من الإنفاق العالمي إلى أول 15 دولة تنفق على الأسلحة حيث تبلغ حصة الولايات المتحدة بمفردها 46% بفارق كبير عن الدولتين اللتين تأتيان بعدها وهما فرنسا والمملكة المتحدة.

وقد زادت النفقات المخصصة للدفاع الوطني في الولايات المتحدة بنسبة 53% بين السنتين الماليتين 2001 و2006 ويأتي ذلك بشكل رئيسي نتيجة للمخصصات الداعمة الضخمة لتمويل العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق والمقارنة بين أولويات الإنفاق بين مجموعات الدخل في البلاد تظهر أن نسبة النفقات الاجتماعية إلى النفقات العسكرية زادت بالمقارنة مع الدخل الفردي.

وعلى صعيد حظر الأسلحة النووية والحد من انتشارها يشير الكتاب إلى أن كوريا الشمالية أجرت تجربة نووية عام 2006 ولكنها لم تبدد الشكوك حيال ما إذا كان في مقدورها إنتاج أسلحة نووية. وتبقى الأسئلة مطروحة حول أفق برنامج إيران النووي وطبيعته وامتثالها لاتفاقية الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقد فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على كلا البلدين تستهدف نشاطاتهما التي تثير المخاوف المتعلقة بالانتشار وتم اتخاذ الخطوات التمهيدية نحو تنفيذ مبادرة التعاون النووي المدني الهندية الأميركية المثيرة للجدل والتي ستعفي الهند من القيود المفروضة على الموردين النوويين الدوليين لكن الخلافات الإجرائية تستمر في تأخير افتتاح المفاوضات حول معاهدة عالمية لخفض المواد الانشطارية في مؤتمر نزع السلاح.

وأما على صعيد الحد من الأسلحة التقليدية فيشير الكتاب إلى أن التقدم بصدد تلك القضية واجه على الصعيد الأوروبي إعاقات عام 2006 بفعل جملة من الأسباب منها فشل روسيا في الوفاء بالتزاماتها والمنافسة بين روسيا وحلف الناتو وتعب الحد من التسلح.

ويوضح الكتاب أن الحلقة الدراسية التي انعقدت في فيينا حول المذاهب العسكرية سمحت بتوضيح الاتجاهات الفكرية والأمنية العسكرية والوضعيات الحالية للأطراف المشاركة فيها. وفي أميركا اللاتينية هناك اهتمام متواصل بتدابير بناء الثقة.

كما أن بدء سريان تنفيذ البروتوكول الخامس المتعلق بالمخلفات الحربية المتفجرة والخاص باتفاقية الأسلحة التقليدية المعيبة والتطورات التي حدثت في مؤتمر المراجعة الثالث للاتفاقية أظهر اهتماماَ عالمياً غير مسبوق بالحد من الأسلحة «اللا إنسانية».

مصطفى عبدالرازق

*الكتاب: التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي

*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007

*الصفحات:1086 صفحة من القطع الكبير