ولد محمد الأرناؤوط بدمشق عام 1952، وحصل على الإجازة في اللغة العربية من جامعة دمشق، وعلى الماجستير والدكتوراه في الأدب المقارن والتاريخ من جامعة برشتينا بيوغسلافيا. فتخصص بتاريخ وآداب الشعوب في منطقة البلقان، يعد مرجعاً للدارسين العرب والأوروبيين في شؤون التاريخ والأدب الألباني.

من أهم كتبه : الثقافة الألبانية في الأبجدية العربية، الكويت، عالم المعرفة 1983. ملامح عربية إسلامية في الأدب الألباني، دمشق، اتحاد الكتاب 1990 ، دراسات في التاريخ الحضاري للإسلام في البلقان، أبوظبي، مؤسسة جمعة الماجد 1995. كوسوفو وكوسوفا بؤرة النزاع الألباني - العربي، القاهرة 1998. مداخلات عربية بلقانية، دمشق 2000. التأليف باللغة العربية في البوسنة، عمان، 2001. مراجعة الاستشراق، بيروت 2002. إسماعيل كداريه بين الأدب والسياسة، عمان 2006.

في هذا الكتاب يبين لنا المؤلف كيف جاء موقع البوسنة ما بين صربيا (التي تحولت إلى الأرثوذكسية) وكرواتيا التي تحولت إلى الكاثوليكية) منذ القرون الوسطى ليجعل منها حدّاً فاصلاً بين الشرق والغرب، حيث دخلت صربيا ضمن الإطار الثقافي السياسي البيزنطي، بينما دخلت كرواتيا ضمن الإطار الثقافي السياسي لأوروبا الوسطى (المجر والنمسا).

وعندما جاء الفتح العثماني للبلقان منذ منتصف القرن الرابع عشر ليكرس مفهوماً جديداً للشرق والغرب وحدّاً مختلفاً فيما بينهما، فقد انتشر الإسلام في البوسنة، وأصبح دين الغالبية بعد حوالي 150 سنة من الفتح العثماني. كما خرجت كرواتيا من الحكم العثماني نتيجة لمعاهدة كارلوفاتس في 1699، حيث ضمت بموجبها إلى النمسا، وبذلك أصبحت البوسنة تشمل آخر امتداد الدولة العثمانية في أوروبا بالمفهوم الديني والثقافي والسياسي.

وقد أدى انتشار الأرثوذكسية في صربيا وانتشار الكاثوليكية في كرواتيا، إلى بروز دور قومي للدين في المنطقة، وعلى هذا النمط فقد لعب انتشار الإسلام دوراً مماثلاً في حالة البوسنة، إذ إنه صار يعتبر من مكونات القومية البوسنوية.

يعطينا الكتاب تاريخاً عاماً وشاملاً للبشانقة، والمقصود هنا: «الشعب الذي يشكل الأغلبية منذ بداية التاريخ الحديث للبوسنة، بعد أن اعتنق الإسلام، شعب متميّز بلغته وثقافته». هذا الشعب أخذ يتعرض إلى تهديد وتطهير جسدي ونفسي وسياسي وثقافي منذ نهاية القرن الثامن عشر نتيجة للتطورات السياسية الجديدة في البلقان، وهذا ما جعله ينكمش وينحصر في الدفاع عن وجود البشانقة.

يؤكد المؤلف في المدخل على كون البشانقة شعباً أوروبياً من سلاف الجنوب، ويحدد موقع البوسنة بين كرواتيا وصربيا ليخلص إلى أن الفرق بين الألبان والبشناق يكمن في أن الألبان استمدوا وحدتهم من اللغة، لذلك نجد بينهم المسلمين والمسيحيين واليهود، بينما لدى سلاف الجنوب (الصرب والكروات والبشانقة) جاء التمايز بين الشعوب الجديدة بالاستناد إلى الدين (الكاثوليكية والأرثوذكسية) وهو ما جعل البشناق يتميزون عن غيرهم باعتناقهم الإسلام.

يستعرض المؤلف في سبعة فصول نشوء دولة البوسنة في القرون الوسطى، حيث برز أول حاكم لها باسم «بورتيش» خلال 1154 - 1164، وجاء بعده الحاكم الكبير كولين الذي توسعت حدود البوسنة في عهده خلال 1180 - 1204، وتميزت كدولة في المنطقة بنظامها الإقطاعي.

ثم يستعرض «مرحلة الحكم العثماني»، منطلقا من التعريف بالدولة الإسلامية والحضارة الإسلامية ثم يتابع الفتح العثماني للبوسنة ليصل إلى الفصل الثالث المتعلق بقبول «الإسلام في البوسنة» فالمؤلف يعتبر أن اعتناق الإسلام من قبل غالبية السكان في البوسنة يشكل أهم حدث في التاريخ الحديث، ويعتمد المؤلف على مختلف المصادر ليصل إلى أن الإسلام انتشر دون عنف وبشكل تدريجي، احتاج معه إلى مئة وخمسين سنة (الربع الأول للقرن السابع عشر) حتى يصبح ثلثي سكان البوسنة من المسلمين.

بعد ذلك يرصد المؤلف التغيرات الكبرى التي حدثت خلال الحكم العثماني، كما يرصد التطور الكبير للمدن والحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدن التي تمخضت عن عادات وتقاليد وثقافة جديدة تميّز البشناق عن الصرب والكروات.

ويتعرض المؤلف إلى ما يسميه «فاح البشانقة للحفاظ على وجودهم» فمع فشل الحصار العثماني الأخير لمدينة «فيينا»، تحولت النمسا من الدفاع إلى الهجوم واجتاحت البوسنة عدة مرات خلال القرن الثامن عشر، ففي حرب 1737 أصدر الإمبراطور النمساوي «كارل الرابع» بياناً لسكان البوسنة طالبهم فيه، بالانضمام إلى الجيش النمساوي، هذا بالنسبة للسكان المسيحيين، أما المسلمون، فقد ترك لهم خياراً واحداً فقط «التنصير» فيما لو أرادوا الاستمرار في العيش في البوسنة والحفاظ على أملاكهم فيها.

هذا الأمر دفع سكان البوسنة ليخوضوا حرباً ضد الدولة العثمانية عام 1831 للمطالبة بالحكم الذاتي، على نمط ما حصلت عليه صربيا خلال 1815 - 1830 ، ومع أن الحركة فشلت إلا أن الإصلاحات العثمانية اللاحقة، جعلت البوسنة تنفتح على العالم في الوقت الذي كان فيه الوضع الإقليمي يموت تحت تأثير الاختراق الروسي للبلقان الذي قلب الوضع رأساً على عقب إثر الحرب الروسية العثمانية 1877 - 1878 ، التي انتهت إلى هزيمة مذلّة للدولة العثمانية.

فمع اجتياح روسيا للبلقان اختلت موازين القوى مما أدّى إلى أزمة تهدد بحرب أوروبية جديدة، ولكن عقد مؤتمر برلين في صيف 1868 أنهى هذه الأزمة بحلول وسطية، وفي هذا الإطار تم تقليص التمدد الروسي وتفويض النمسا باحتلال البوسنة الذي قاومه البشانقة بقوة بعد أن تخلت عنهم الدولة العثمانية.

في عرضه «مرحلة الانتقال النمساوية المجرية»، ينطلق المؤلف من أن الاحتلال النمساوي المجري للبوسنة كان يمثل منعطفاً تاريخياً ومصيرياً للبشناق، فهو يعني الانتقال من حضارة «عثمانية» إلى حضارة «أخرى مختلفة» أوروبية.

وقد أخذ هذا التفاوت يبرز فيما يتعلق بمصير البشناق ومستقبلهم، إذ بقي بعضهم يحلم بعودة الحكم العثماني، بينما كان بعضهم يفضل بعد أن لمس حسنات الحكم النمساوي المجري البقاء في الإطار الجديد، الاختلاف حول مع أي طرف أفضل (مع النمسا أو مع المجر) يجب أن تكون البوسنة. وفي هذا الإطار جاء قرار ضم البوسنة إلى النمسا المجر في 1908 ليشكل ضربة نهائية لأحلام بعض المسلمين بعودة الحكم العثماني.

أما عن «الحرب العالمية الأولى وتشكيل الدولة اليوغسلافية » ينطلق المؤلف من حادثة اغتيال ولي العهد النمساوي في سراييفو التي أثارت أعمال عنف ضد الصرب. ومع أنه برزت في نهاية الحرب العالمية الأولى دولتان يوغسلافيتان، إلا أن الظروف فرضت على دولة الشمال «زغرب» أن تقبل بالانضمام إلى جولة الجنوب «بلغراد».

وفي القسم السادس «مرحلة الدولة اليوغسلافية 1918 - 1941 » ، يستعرض المؤلف التحديات التي واجهت البشانقة في الدولة الجديدة، فقد حملت الدولة الجديدة اسم «مملكة الصرب والكروات والسلوفين» فقد قامت الدولة على نفي هوية/ قومية البشانقة منذ البداية في سياسة إفناء جماعي للبشانقة المسلمين.

وقد خصص المؤلف قسما لـ «حرب 1941 - 1945» أي لانهيار يوغسلافيا الأولى الملكية في ابريل 1941، فقد وجدوا أنفسهم الآن دون أن يؤخذ برأيهم أيضاً، ضمن دولة جديدة ألا وهي دولة كرواتيا المستقلة التي أعلنت في 10/ 4/ 1941، برعاية ألمانيا،

ومع أن عدداً محدوداً من الأئمة تعاون مع الدولة الجديدة إلا أن الغالبية رفضت أو حتى انضمت إلى المقاومة المسلحة بقيادة الحزب الشيوعي اليوغسلافي التي كانت تسعى إلى تأسيس يوغسلافيا جديدة قائمة على المساواة والتعددية. وفي فصل «البشناق في مرحلة 1945 - 1990» يستعرض المؤلف المعاناة الجديدة للبشناق في سبيل الاعتراف بهويتهم / قوميتهم.

فقد انطلقت الدولة اليوغسلافية الجديدة/ الجمهورية، بإنجاز كبير وهو الاعتراف بالبوسنة كجمهورية فدرالية على قدم المساواة مع الجمهوريات الأخرى، ولكنها لم تعترف للبشناق بهويتهم، وبالتالي لم تجعل البوسنة دولة قومية كما هي صربيا بالنسبة للصرب وكرواتيا بالنسبة للكروات. وفي مطلع الستينات أعطى الرئيس تيتو الضوء الأخضر، في عام 1963،

فقد أعلن أن البشناق هم شعب متميز عن غيره، مع إطلاق اسم المسلمين (بالميم الكبيرة) Muslimani عليهم ليتميزوا عن غيرهم من المسلمين، ولكن هذا الاعتراف أثار انزعاج المعارضة الصربية المتطرفة، وقد تصاعدت هذه المعارضة بعد وفاة تيتو في عام 1980 وأصبحت تطالب علانية بإعادة تكوين يوغسلافيا بما يحقق للصرب مصالحهم أو تشكيل صربيا الكبرى.

وقد أدت الخلافات بين قيادات الجمهوريات إلى اللجوء للقوة لمنع استقلال سلوفينا وكرواتيا، وصولاً إلى التدخل العسكري لمنع استقلال البوسنة. ويخلص المؤلف إلى أنه خلال الحرب 1992 - 1995، جرى بشكل عفوي استعادة البشناق لاسمهم التاريخي، وهو ما أقره المؤتمر البشناقي الثاني الذي انعقد في سراييفو خلال خريف 1993.

في خاتمة الكتاب يصل المؤلف إلى أنه يمكن تلخيص تاريخ البشناق بأنه كفاح متواصل للحفاظ على وجودهم في أرضهم وسط محيط معادٍ لهم، ومن ناحية أخرى ينتهي المؤلف إلى أن الغرب لم يكن معنياً كثيراً لإنقاذ شعب أوروبي مسلم من الإبادة الجماعية، وهكذا وجد البشناق أنفسهم ضحية بين نارين: بين كرواتيا التي أرادت أن تتخلص من هيمنة صربيا في يوغسلافيا السابقة، وبين صربيا التي أرادت تأكيد هيمنتها على يوغسلافيا السابقة.

فيصل خرتش

*الكتاب:البوسنة بين الشرق والغرب

*الناشر:اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2007

*الصفحات:196 صفحة من القطع الكبير