مؤلف هذا الكتاب (العراق: دراسة في تاريخه السياسي1908-2005) الصحافي السوري حسن ظاظا الذي عمل محرراً في العديد من الصحف ووكالات الأنباء في سوريا وخارجها وله مجموعتان شعريتان هما: «دمع عبر بياض الحب»، و«قصائد للعالم الثالث»، إضافة إلى عدد من الكتب مثل «التطور التاريخي للديمقراطية» الصادر عن دار الرؤية (دمشق ـ 2007).

وكتاب «الحكومات السورية في القرن العشرين» (تأليف مشترك)، وهو من الناشطين في مجال حقوق الإنسان وساهم في تأسيس عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية التي شهدتها سوريا، وخصوصا مدينة دمشق التي ولد فيها المؤلف سنة 1950م.

في كتابه الجديد «العراق ـ دراسة في تاريخه السياسي» يقدم ظاظا صورة مختصرة عن تاريخ العراق السياسي مرتكزة على الخريطة الحزبية والإشكاليات بين الأحزاب العراقية بكردها وعربها، والمعوقات التي تقف حجر عثرة أمام لم شمل العراقي.واهم هذه المعوقات هي قضية كركوك التي كانت سببا للخلاف بين المكونات العراقية الاثنية هذا فضلا إنها سبب للحؤول دون وصول الاتفاق بين الأكراد والعرب.

ويرى ظاظا بأنه ومنذ تأسيس الدولة العراقية قبل خمس وثمانين عاما، لم تتح للفرد العراقي فرصة المساهمة في بناء الدولة ومؤسساتها بالشكل الذي يريد. وبقي دوره مغيبا منذ ذلك الحين، بالرغم من جميع أشكال النضال التي خاضها من اجل ذلك، وخاصة في مرحلة العهد الملكي، والتي اتسمت بتوفير إمكانية معقولة للعراقيين للمطالبة بحقوقهم.

والتي تلخصت بالاستقلال التام والدستور والانتخابات البرلمانية الحرة وإصلاح الوضع الاقتصادي والتي استقطبت في حينها غالبية الشارع السياسي، وفي مقدمتها الأحزاب الوطنية، حيث تميزت فترة الخمسينات من تلك المرحلة بتطوير مستوى التعاون بين الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية، توج بإعلان جبهة الاتحاد الوطني عام 1957، والتي كانت القاعدة السياسية لثورة 14 تموز عام 1958.

يمكن القول ان الثورة هذه تهيأت للعراقيين فرصة معقولة لتحقيق ما ناضلوا من اجله على مدى أربعين عاما، غير ان تلك الفرصة قد أهدرت بسبب النزعات الانفرادية لدى قادتها، وأصبح الصراع سيد الموقف بين الأحزاب من جهة وبينها وبين السلطات من جهة أخرى إلى ان وصلت الحال مع الأحزاب العراقية لتجتمع .

وتلتقي في كردستان العراق واستطاعت تلك الأحزاب ان تحول لقاءاتها إلى ورشة عمل للتفاعل الفكري والسياسي من اجل وحدة العراق ومن اجل تحقيق الديمقراطية وتطوير قدراتهم على الحوار وإدارته، والتأسيس لعلاقات حميمية بين العراق، لكنها سرعان ما اكتشفت هذه القوى بان ثمة عقبات تقف حجر عثرة أمامها وتطوير نظامها السياسي قبل وبعد سقوط النظام العراقي السابق.

بداية العمل الحزبي في العراق تبدأ مع ظهور جمعية «الاتحاد والترقي» وذلك قبل الحرب العالمية الأولى(1908) وهي كانت امتداد لجمعيات سياسية قائمة في الآستانة وكانت تضم نخبة من الموظفين والضباط العراقيين وكذلك وجهاء البصرة مثل «طالب النقيب» ومن بعدها تأسست «لجنة المشورة» وهي أتت كرد فعل عفوي على تأسيس فرع جمعية «الاتحاد والترقي».

ونتيجة لسياسة الاتحاد والترقي «المنحرفة» بعد ارتكابها لمجزرة ثكنة «طاش قشلة» تم تأسيس«حزب الحرية والائتلاف» والتي كانت أهدافه ترتكز على: إنصاف العرب وإرجاع حقوقهم والمساواة بين جميع أبناء الأمة، وحاول القوميون العرب العراقيون تأسيس حزب خاص بهم «حزب الاستقلال العراقي»، وفي شباط 1957 تأسس «جبهة الاتحاد الوطني» من الشيوعيين البعثيين وحزب الوطني وحزب الاستقلال.

وهي ثمرة التنسيق الذي حصل بين القوى في انتفاضة عام 1952، وبعدها في العمليات الانتخابية لعام 1954 وكذلك العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956. وتتحول ساحة العراق مفتوحة على تأسيس الأحزاب، مثل حزب المؤتمر الوطني وكان من مؤسسيه كامل جادرجي، وحزب الاتحاد الدستوري، وحزب شورش الكردستاني في عام 1945 برئاسة صالح الحيدري، وحزب رز كاري كورد وهو تنظيم ماركسي.

ومنظمة زياني كورد(فرع السليمانية) والحركة الإسلامية وحزب التحرير الإسلامي. وحزب الدعوة الإسلامي، وجمعية العهد العراقية، وحزب الحر المعتدل، وجمعية النادي العلمي الوطني، والحزب الوطني العراقي، وحزب النهضة، وثلاثة أحزاب للدفاع عن قضية الموصل في وجه الأتراك.

وحزب التقدم، حزب الشعب، نادي المثنى الثقافي، جمعية حرس الاستقلال، جمعية الموصل السرية، الحزب الحر العراقي، حزب الأمة، لجنة آزادي «الحرية»، حزب هيوا، الاشتراكيون العراقيون، وجماعة الأهالي، الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي.

وخصص المؤلف جزءا كبيرا من كتابه عن الكرد والقضية الكردية في العراق بدءا من توزعهم الجغرافي والسكاني، ويجزم ظاظا بأن التعداد السكاني(حسب إحصاءات 2003) في تركيا 30 مليون كردي 25مليونا يعيشون في كردستان وما تبقى يكونون موزعين في المدن التركية أنقرة 2مليون واسطنبول 3ملايين.

أما في إيران يبلغ تعدادهم بين 10الى 12 مليونا بمعنى أكثر من أكراد العراق حيث يبلغ عدد سكان أكراد العراق ما بين 7و8 ملايين كردي، ويوجد في سورية ثلاثة ملايين، ويعيش في لبنان ما بين 150-200 ألف، والباقي موزعون في كل من أوروبا وروسيا ومصر وباقي أنحاء العالم.وحسب الكتاب ان منطقة كردستان العراق تمتد من سلسلة جبال (بشتو كوه) الواقعة في المنطقة الحدودية المحصورة بين محافظة الكوت العراقية وإيران .

وهي ما يشكل الشريط الذيلي النهائي الجنوبي لعموم كردستان وتتجه شمالا لتشمل محافظات دهوك والسليمانية وأربيل وشمال الموصل مرورا بمناطق خانقين،شهرزور وكلار الواقعة في هضاب ديالي.وتعد مدينة السليمانية مركز الثقافة الكردية في العراق منذ فترة طويلة رغم ان أربيل هي مركز رئيسي للمنطقة الكردية،وبموجب اتفاقية11 آذار 1970 تم إنشاء جامعة السليمانية أوائل عام 1971 .

إلا انه وسرعان ما بدأت عملية إلغاء تدريجي لها بين أعوام 1973-1977 حيث نقلت إلى اربيل وأطلق عليها هذه المرة اسم جامعة صلاح الدين.ويقسم ظاظا الشعب الكردي في العراق إلى قسمين رئيسين أو أساسيين. الأول شمالي منطقة كردستان العراق منطقة المسلمة السنية.

وتستخدم اللهجة (السورانية)القريبة من شعب كردستان إيران واللهجة (الكرمانجية) القريبة من لهجة أكراد تركيا وسوريا وتقطن منطقتهم أقلية إيزيدية وهي من أقدم وأعرق الديانات بالشرق الأوسط.والثاني جنوبي وهم الكرد الفيليون من المذهب الشيعي ولهجتهم هي اللهجة اللورية الكردية السائدة في إقليم لورستان في جنوبي إيران.

ويتطرق ظاظا إلى الخلاف الرئيسي بين الأكراد والمكونات العراقية ويرى بان هناك خلافا شديدا حول محافظة كركوك(التأميم في زمن النظام السابق) الغنية بالنفط والتي تقطنها مجاميع سكانية مختلفة مؤلفة من التركمان والأرمن والآشوريين وفضلا عن الكرد وبعض العرب،والخلاف حول المدينة المذكورة الذي برز بين السلطة والقيادات الكردية هو ذو طابعين: سياسي:يستهدف عزل هذه المحافظة الاستراتيجية بكاملها عن إقليم كردستان العراق واقتصادي: يرتبط بالثورة النفطية فيها.

ويستغرب ظاظا كيف ان اتفاقية آذار 1971 بين الحكومة العراقية والقيادات الكردية ولا سيما مصطفى ملا البرازاني لم تستطع حل الخلاف ولم تحسم المشكلة بشكل نهائي،إنما ظل هذا الموضوع قيد الدراسة وحوار على ان يحدد مستقبل المحافظة المذكورة استفتاء شعبي يجري فيها،لكنها أصبحت سببا لاشتعال الحرب ثانية بين الأكراد والحكومة بعد ان تملص النظام السابق من وعوده ومضمون الاتفاقية.

وفي بحثه تحت عنوان «كركوك بين القرائن الكردية والأحلام التركية» يرى ظاظا بان الحكومة التركية اليوم تعيش في أزمة حرجة بين انهيار أحلامها الإمبراطورية في إقامة عالم تركي مركزي يكون فيه دور القيادة والسيادة في منطقة الشرق الأوسط وبين أزمتها الداخلية مع حزب العمال الكردستاني وبين الفيدرالية في إقليم كردستان العراق.

والأحلام الطورانية بمدينة الكرد التاريخية كركوك،والمخاوف الجيوسياسية التي تنعكس في عمق الكيان التركي،ويرى ظاظا بان احد أسباب أزمتها تتعلق بتدخلها في العراق عسكريا تحت شعار «إنقاذ تركمان» في مدينة كركوك ودعمهم للاستيلاء على هذه المدينة الكردية.

ويقول ظاظا: بان التهديدات التركية المتعددة الجوانب مرتبطة امنيا بتطورات الوضع الميداني في العراق،وادعاءات بعض الشخصيات والقوى التركمانية المقيمة في كركوك بالتزامن مع مطالبة تركية لمدينتي الموصل وكركوك،

واللجوء إلى زعزعة الوضع الأمني وفق سيناريو مرسوم للاستيلاء على كركوك: لبسط السلطة التركية على هذه المدينة وإجبار القيادات الكردية على المثول الكامل إرادة أنقرة وهذه الرؤية التركية لا تتعارض مع رؤية الولايات المتحدة الأميركية (حسب ظاظا).

ويدعم ظاظا أبحاثه بالوثائق والدلائل التاريخية والاستكشافات الأثرية والتي تثبت بوضوح «ان مدينة كركوك كردستانية» ويرى بان تلك الدلائل التاريخية تؤكد،بأن مدينة كركوك الحالية هي كانت «اربخا أو ارنا» وذلك منذ عام 2216-2210 قبل الميلاد،

وكذلك يعيد المؤرخون تاريخ القلعة كركوك الأثرية إلى خمسة آلاف سنة قبل الآن ولعل أعمال التنقيب في هذه المدينة العريقة تاريخيا وأطرافها الكردية تثبت بأنها «موطن الكردي القديم» بقرائن حقيقية دافعة ان هذه المدينة وقلعتها كانت عاصمة سلطان «الكوتيين» وهذا يعني بحسب المؤلف بان المدينة كردية كون «الكوتيين» أجداد الأكراد القدامى.

فاروق حجي مصطفى

*الكتاب:العراق (دراسة في تاريخه السياسي1908-2005)

*الناشر:دار الرؤية ـ دمشق 2007 *الصفحات: 232 من القطع المتوسط