مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور نصير عاروري، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساشوستس بدارتموث، ورئيس معهد الدراسات عبر العالم العربي ببوسطن في الولايات المتحدة الأميركية. أصدر العديد من المؤلفات والأبحاث، منها «المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي»، و«الاحتلال فوق أرض فلسطين»، و«تعويق السلام: الولايات المتحدة، إسرائيل، والفلسطينيون.
ويقدم المؤلف في هذا الكتاب تفاصيل مثيرة ومؤلمة لأحابيل «عملية السلام» وخفاياها وكواليسها، حيث يلتقطها بصبر وحساسية مرهفة، ثم يعيد نظمها وتحليلها لكي تعترف هي بما جنته يداها على السلام قبل أن تجنيه على فلسطين وأهلها، وهي تفاصيل تلذذت الإدارات الأميركية المتعاقبة على البيت الأبيض في ممارستها، وتفننت في تزويرها وتزويقها وترويجها وصناعة عباءاتها وطواويسها.
ويركز المؤلف على العلاقة المنحازة والشاذة بين الولايات المتحدة الأميركية وطرفي النزاع المباشرين: الفلسطينيين والإسرائيليين؛ إذ شهدت هذه العلاقة، على مدى العقود الأربعة الماضية، كثيراً من التحولات الحربائية والتجارب والمحن. لكن ما الذي تغير حتى انحدرت السياسة الأميركية في المنطقة من الحياد، بل وما يشبه الوقوف إلى جانب العرب عام 1956، إلى الانحياز الكامل للطرف الإسرائيلي،
بل لليمين الليكودي المتعصب والرافض للسلام العادل. وعليه يرصد المؤلف الانحدار الذي طرأ منذ أن وافقت أو صمتت الولايات المتحدة الأميركية على قراري مجلس الأمن 242 و338 اللذين يعتبران الضفة الغربية وقطاع غزة أراضي محتلة، وصولاً إلى اعتبار احتلال تلك الأراضي هو غنيمة حرب عادية، ومنذ أن رفضت الولايات المتحدة القدس عاصمة إسرائيل بوصفها أرضاً محتلة كذلك،
ومحط صراع عاصف بين الطرفين، وصولاً إلى أنها باتت تشتري أرضاً، مغتصبة ، كي تبني عليها سفارتها، تناغماً مع قرار الكونغرس الأميركي في منتصف التسعينات الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. واليوم، لم تعد الولايات المتحدة الأميركية تنظر إلى المستوطنات، والاستيطان الإسرائيلي بشكل عام، باعتبارها عقبة أمام عملية السلام، بل أصبحت تطالب بإزالة المستوطنات العشوائية.
كل ذلك وسواه، يؤشر على تطور «العلاقة الخاصة» ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل سافر، حيث تتغذى في كل مرة من «مبدأ» هذا الرئيس الأميركي أو ذاك في تعامله مع قضايا المنطقة. بدءاً من «مبدأ ترومان» القاضي باحتواء النفوذ السوفييتي، ومروراً ب«مبدأ آيزنهاور» القاضي بمساعدة دول المنطقة مادياً وعسكرياً لوقف الامتداد الشيوعي،
ووفقه احتلت إسرائيل موقعاً أساسياً في المواجهة وباتت حامل الراية الأميركية، وصولاً إلى «مبدأ بوش» الذي اعتبر إسرائيل شريكاً في الحرب على الإرهاب، وأن كل أعمالها العدوانية ضد الفلسطينيين تدخل في سياق حربه. وكان «مبدأ نيكسون» ووزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر قد وضع كي يعلن توثيق التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وكي يكون موجهاً للسياسة الأميركية في المنطقة، ويوكل إلى إسرائيل مهمة الوكيل المخلص الذي يمكن الاعتماد عليه فقط في اللحظات الحرجة.
غير أن العلاقة المميزة أو «العلاقة الخاصة» مع إسرائيل كلفت الولايات المتحدة ما يزيد على 8, 91 مليار دولار نقداً. وعند إضافة التكلفة غير المباشرة مثل تسهيلات القروض، وما دفعه الاقتصاد الأميركي لشراء نفط عالي السعر بسبب الصراع، أو خلال مراحل المقاطعة، أو تبعات الحروب العربية الإسرائيلية وغير ذلك، فإن التكلفة تصل إلى 6, 1 تريليون دولار.
بالمقابل يرى المؤلف أن السياسة الأميركية تطورت من سياسة رفضية سافرة تتنكر لأية مشاركة فلسطينية ولا تعترف للفلسطينيين بأية حقوق إلى سياسة تصب اهتمامها على تجديد متاهات وعثرات عملية السلام وليس على السلام. ولعل أعظم إدانة لها هو هذا المدى المتطاول المضجر من السنوات الذي بلغت معه عملية السلام أرذل العمر من دون أن تتقدم خطوة واحدة نحو السلام.
وشهدت مسيرة «العملية السلمية» على كثير من المناورة والتلاعب بعملية السلام، لكن التلاعب لم يبدأ مع إيهود باراك أو أرييل شارون أو مع أحداث سبتمبر 2001، بل إنه يرجع ضارباً في الزمن إلى نهايات الحرب الباردة عندما حل الإسلام محل الشيوعية، وصار العدو اللدود الأول للديمقراطية الليبرالية الغربية والقيم التي تنهض عليها حضارة الغرب.
كذلك أصبح الإسلام هدفا مستهدفا لأنه يشكل التحدي الأكبر لدولة إسرائيل. وقد أشار المحلل الإسرائيلي ناحوم برناع بصراحة مثيرة إلى الحملة الإسرائيلية على الإسلام السياسي منذ 1994، وكتب مؤكداً على ما تجنيه إسرائيل من هذه الحملة، فرأى أن أكبر فائدة تجنيها من حملتها الضارية على الإسلام هي: إدخال السرور على قلب الجمهور الأميركي.
ففي الكونغرس الأميركي نفسه هناك من يذهب إلى القول إن إسرائيل فقدت قيمتها الإستراتيجية للأميركيين. ويأتيه الجواب: الحملة على الإسلام. وعليه فإن إسرائيل ستصبح طليعة الغرب في محاربة العدو الإسلامي. أما الفائدة الثانية التي تجنيها إسرائيل من الحملة على الإسلام فهي أنها تبرر عملية السلام.
ويرى المؤلف أنه منذ بداية عملية أوسلو، لم يكن التمييز بين المرحلة الانتقالية والنهائية معنى حقيقي، فإسرائيل تصر على الاحتفاظ بالضفة الغربية، ولم تنو التخلي عنها، لا في عام 1993، ولا في مفاوضات الوضع النهائي. أما اليوم، بعد أن آلت السلطة إلى اليمين المتطرف في إسرائيل.
فقد صار الاحتلال النهائي تحصيل حاصل. كذلك الحال في واشنطن التي يحكمها اليمين المتطرف، فإدارة بوش منذورة لإسرائيل ومتفانية في سبيلها، ثم إن هاجس الحرب على الإرهاب شغلها نهائيا عن مجرد تذكير إسرائيل بضرورة احترام الاتفاقيات التي رعتها. أما الأوروبيون فليس لهم حول ولا طول أمام إسرائيل، وليس لديهم ما يجيبون به استغاثات وريث عرفات إلا ببعض الصدقات التي تبقيه عائما.
ويؤكد المؤلف أن جورج بوش بثنائيته الحادة بين الخير والشر، بين «من معنا» و«من ضدنا»، لم يترك فسحة ضئيلة لمجرد الأمل في التمييز بين الإرهاب والمقاومة أو بين السبب والمسبب. وبينما يسلط الإعلام الأميركي أضواءه الساطعة على العمليات الاستشهادية التي تقتل إسرائيليين مدنيين.
أو عسكريين، يلقي تعتيماً كاملاً على إرهاب الدولة الإسرائيلية، والجرائم المستمرة، والاغتيالات، وكتائب الموت، وتدمير البنى التحتية والفوقية، والحجر على سكان مدن أو قرى فلسطينية بقضها وقضيضها، وحظر التجول فترات طويلة، والاعتقالات الإدارية، والتعذيب، والمصادرة المنهجية للأرض الفلسطينية لبناء المستوطنات والطرقات الخاصة بالمستوطنين وحدهم.
ويعتبر المؤلف أن غياب الحوار الحقيقي حول الشرق الأوسط في الأوساط السياسية الأميركية كالكونغرس ووسائل الإعلام والمسارح والجامعات والأوساط التجارية، وغياب التحليل الموضوعي لإعلان المبادئ، يطيل من أمد التعتيم على حقائق الصراع. وكل ما تفعله الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط، ووسط آسيا يوفر الشروط اللازمة لأن تكون إسرائيل قوة مهيمنة تقضي وتمضي في المنطقة تحت المظلة الأميركية.
وهو إضافة إلى ذلك علامة على السعي الحثيث للسيطرة على النفط والغاز. وقد جنت إسرائيل من عمليتي أوسلو ومدريد مغانم هائلة، فحصدت سلاماً كاملاً مع النظام الأردني، وأخرجته بذلك من حلبة الصرع العربي الإسرائيلي، وكسبت تطبيعا آلياً مع الأنظمة العربية، ثم توجت تلك المغنم بعلاقات كاملة مع معظم الدول الإسلامية، ودول العالم الثالث التي كانت تقاطعها.
ويلاحظ المؤلف أن فكرة المسارات المنفصلة التي أصرت عليها إسرائيل دائما وأبدا، وسوّقها وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر للأنظمة العربية، مكنت إسرائيل والحركة الصهيونية الدولية من تحقيق هدف استراتيجي كبير، ذي أبعاد كارثية على الفلسطينيين وقضيتهم، وقد تجسد ذلك في اتفاقيات سلام منفصلة مع الدول العربية، غير مشروطة، بأن تلبي إسرائيل ما هو مطلوب منها تجاه الشعب الفلسطيني.
كما نص على ذلك عدد من قرارات الأمم المتحدة. بذلك صار كل من هذه الأنظمة يغني على ليلاه، فبند الانسحاب المنصوص عليه في القرار 242 لم يعد يعني للأردن، مثلاً، إلا رقعة صحراوية صغيرة في جنوب الأردن، وقد لا يعني، في حال الوصول إلى اتفاقية مع سوريا، سوى هذه القضية المعلقة في هضبة الجولان.
بالمقابل، يلتفت المؤلف إلى رصد صلابة الحقوق الفلسطينية، وكيفية تعرضها للتجزيء والتهشيم التدريجي، ومحاولة تغيير منحاها من «حقوق وطنية» وعادلة ومشروعة إلى مجرد نزاعات سكانية. وتلقت الحقوق الفلسطينية ضربات عديدة، مع نهاية حرب الخليج الثانية عام 1991، حيث جاءت ترتيبات مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو، فأزاحت جانباً كل من الأمم المتحدة وفكرة المؤتمر الدولي في جنيف والقانون الدولي.
واستحوذت الولايات المتحدة، «الوسيط النزيه»، منفردة بإدارة ملف الصراع العربي - الإسرائيلي، فجاءت كارثة أوسلو تنقل القضية من قضية إنهاء احتلال شعب وأرض محتلة إلى قضية «مسار تفاوضي بين طرفين متساويين» على قضايا متنازع عليها، وباتت الحقوق المعترف بها دولياً ساحة تمارين تفاوضية، تتم المقايضة بها بشكل سافر ورخيص.
وعلى هذا المسار مضت سياسة الرئيس بوش، الذي لا يفتأ عن مطالبة الفلسطينيين بالتخلي عن حقهم في المقاومة، كي يتأهلوا للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع فريق لا يعترف الطرف الآخر بأن لهم وجوداً ذا سيادة. وهذا ما أكده في خطاب 24 يونيو 2002، حيث أراد من شروطه التي أملاها على الفلسطينيين، أن تكون بديلا عن الحقوق التي يقرها لهم القانون الدولي، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
والحاصل هو أن الاستهتار بالمرحلة الانتقالية والعيش في مفاوضات الوضع النهائي، كلف الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً، فقد أصبحت غزة أتوناً ملتهباً، بينما تحولت الحياة في الضفة الغربية إلى جحيم، أما فلسطينيو الشتات فما عليهم إلا أن يتأقلموا مع منافيهم.
عمر كوش
*الكتاب:أميركا الخصم والحكم دراسة توثيقية في «عملية السلام» ومناورات واشنطن منذ 1967
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007
*الصفحات:413 صفحة من القطع الكبير
