يدخل هذا الكتاب (التجريب الروائي عند نجيب محفوظ) للناقد المغربي د.محمد أمنصور في أغوار إبداعات الروائي الراحل نجيب محفوظ ليبحث في واقعيتها وتجريبها وحدود المعقول واللامعقول فيها متخذاً من روايات «أولاد حارتنا» (ابن فطومة)، و(ألف ليلة وليلة) نموذجاً للدراسة مستعيناً ببعض الآراء النقدية المختلفة، ساعيا إلى إعادة بناء صورة التجربة الروائية المحفوظية في جوانبها التجريبية وفق روح نقدية مشبعة بالفكر الجمالي.

وحرص الباحث على إثبات أن إنتاج نجيب محفوظ الروائي لم يكن في يوم من الأيام متشابها ولا متقوقعا في اختيار فني ـ جمالي بعينه، وإنما عرف تحولات كثيرة يشكل المكون التجريبي واحدا من بينها. من هنا عمد إلى وضع مفهوم الواقعية (أو ما يطلق عليه مفهوم التمثيل الروائي القائم على أساس مبدأ المحتمل) موضع مساءلة، محاولا تصحيح الصورة الأدبية السائدة عن نجيب محفوظ عند بعض النقاد والأدباء التي تروج أنه روائي تقليدي ومتجاوز..إلخ.

ود.محمد أمنصور كاتب قصة قصيرة وروائي وأستاذ التعليم العالي بجامعة المولى إسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس (المغرب)، من مجموعاته القصصية (النسر والألواح)، و(القيامة الآن) وفي الرواية له (المؤتفكة). وفي مجال النقد والدراسة الأدبية له (خرائط التجريب الروائي)،

(استراتيجيات التجريب في الرواية المغربية المعاصرة)، (محكي القراءة) والكتاب دراسة تقف على مغامرة تجديد الشكل الروائي عند الروائي الكبير نجيب محفوظ، والكيفية التي أنجز بها تحولا في الشكل الروائي الواقعي، انطلاقا من تحليل ثلاثة نصوص، هي (أولاد حارتنا / رحلة ابن فطومة / ليالي ألف ليلة)،

مؤكد أن كتابة محفوظ الروائية لم تكن في يوم من الأيام سجينة مفهوم ثابت أو جامد لممارسة الكتابة الروائية الواقعية، كما أنه يثبت، من جهة أخرى، قدرة الرواية العربية على تمثل قيم الفن الحديث (روح الرواية / النسبية / السخرية / اللعب / الرغبة / اللذة / الفردانية..... حكمة اللايقين)، وذلك في ضوء الأسئلة التالية: ما هو الاكتشاف الجديد الذي تقدمه لنا كل رواية من تلك الروايات؟ كيف استكشفت عقدة الوجود في العالم الحديث؟ كيف اختبرت كينونة الإنسان؟

لقد أكد الباحث في مدخله النظري حرصه على التشبث بقناعتين ثابتتين، هما:

ـ كون الحقيقة الجمالية في الفن أو الأدب لا علاقة لها بالحقيقة الأخلاقية، إلا أن تكون علاقة توظيف واستيعاب في سياق فني محض.

ـ لا علاقة لأصالة الأدب بتسخير قيمه الفنية والجمالية لخدمة القيم الأخلاقية.

وقد حرص في بناء منطلقاته المنهجية على الحذر من إسقاط أي قالب منهجي جاهز على النصوص، جاعلا من الفكر الجمالي الكونديري العمود الفقري لكل فرضياته ومقارباته التحليلية.

إن التقارب بين أفقين جماليين (كونديرا ـ محفوظ) في هذا الكتاب، هو ما سيشكل سندا قويا لدى الباحث لبناء مفهوم دينامي للتمثيل الجمالي يقوم على عدة مرتكزات، هي:

أولا: قدرة الشخصية الروائية ـ الأنا التجريبية على اختبار المقولات الموضوعات الوجودية الكبرى التي تضيء مظهرا أو أكثر من مظاهر الكينونة والوجود.

ثانيا: جنوح الاستكشاف الجمالي إلى خرق ميثاق المحتمل، ودفع الرواية إلى الانخراط ضمن سيرورة اللامحتمل.

ثالثا: التجاوب مع النداءات الكبرى للفن الروائي وممكناته الجمالية الثاوية في التاريخ الكوني للرواية (نداء اللعب / نداء الفكر / نداء الزمن / نداء الحلم).

رابعا: التمحيص الروائي المضطلع بدور المساءلة المزدوجة والمتقاطعة للمرجع المضاعف (قراءة الواقع بالتراث / قراءة التراث بأسئلة الوجود).

خامسا: الجمع بين التأصيل والتجريب.

وقد أفرد الباحث الأبواب الثلاثة الأخيرة من الكتاب لتحليل النصوص الروائية في ضوء المقدمات والمداخل النظرية والمنهجية السابقة، وفيها نقرأ:

(سلطة الإيهام باحتمالية اللامحتمل) كعنوان للمقاربة الأولى التي حاول فيها الباحث أن يوضح الكيفية التي استجاب بها نص (أولاد حاتنا) لنداء اللعب / السخرية. فالرهان على الجمع بين الدين والرواية سيقود إلى استقصاء طبيعة السؤال الجمالي الذي تبلوره الرواية انطلاقا من الجمع بين مقتضيات القدسي (الحقيقة الشرعية) ومتطلبات الفن الروائي (النسبية والشك والسخرية واللعب).

وهي محاولة لإبراز دور الأساطير القادمة من أعماق الأزمنة في تطوير وتثوير الجمالية الواقعية المحفوظية. وتحت عنوان (رواية تمجيد المثالية) ستقف المقاربة الثانية على بعض مستويات استجابة رواية (رحلة ابن فطومة) لنداءات اللعب والفكر والحلم من خلال سؤال التجنيس الروائي (حوارية الرواية والرحلة)، فاحصة معنى المغامرة (الموضوعة الأصلية للرواية) في ضوء المقارنة بين منظورين: منظور النظام الثقافي العربي ـ الإسلامي ومنظور النظام الثقافي الغربي ـ المسيحي.

أما الباب الأخير من الكتاب، فقد جاء تحت عنوان (حكمة اللامعقول في «ليالي ألف ليلة »)، وقد جعلت هذه المقاربة من البحث في تجاوب الرواية مع نداء اللامرئي مدخلا لقراءة (ليالي ألف ليلة)، حيث تم التركيز على مستويات الارتقاء بالتخييل الروائي الواقعي إلى آفاق أسئلة الوجود والكينونة.

كما اهتمت بتجلية الكيفية التي قطعت بها الرواية حبل الإحالة المرجعية على القارئ انطلاقا من مبدأ استكشاف عوالم الوجود الخفي، وما يتيحه جماليا من انتهاك لقواعد التماثل مع الواقع. وهكذا تمضي قراءات الباحث النقدية التفاعلية منطلقة من مفهوم للتأويل الجمالي يؤمن بأن السؤال الجمالي يكمن داخل النصوص الأدبية وليس خارجها.

محمد الحمامصي

*الكتاب:التجريب الروائي عند نجيب محفوظ

*الناشر: المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة 2007

*الصفحات:431 صفحة من القطع الكبير