لافينيا ستان تحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة تورنتو، وتعمل أستاذة في العديد من الجامعات الكندية مثل كلية العلوم السياسة في جامعة كونكورديا في مونتريال. قدّمت المؤلفة العديد من الكتب وعشرات الدراسات في الدوريات المختصّة بشؤون أوروبا الشرقية والوسطى (الشيوعية سابقاً).

من كتبها «الكنيسة والدولة والديمقراطية في أوروبا الموسّعة»، بالاشتراك مع لوسيان تورسيسكو وهو كتاب صادر عن جامعة اكسفورد. و«رومانيا في الفترة الانتقالية» و«آليات الحكم والمجتمع المدني والسياسة في رومانيا ما بعد الشيوعية». «الدين والسياسة في رومانيا ما بعد الشيوعية» كتاب يبحث في آليات عمل المجتمع الروماني في فترة ما بعد الشيوعية حيث يحاول المؤلفان، الأستاذان الجامعيان، تحديد العوامل التي تؤثر في توجيه سياسات «الديمقراطيات الجديدة» في أوروبا الشرقية والوسطى عامة وفي الحالة الرومانية بشكل خاص والتي كانت قد خضعت طيلة عقود عديدة لأنظمة دكتاتورية كان نظام نيكولاي ت شاوشيسكو في رومانيا أحد تعبيراتها «البليغة».

ما يتم تأكيده منذ البداية هو أن أحد أهم العوامل في تسيير التوجهات السياسية في رومانيا هو عامل غير سياسي، وإنما هو عامل ديني ويتعلق بدور الكنيسة الذي جرى تغييبه طيلة فترة طويلة باسم الايديولوجية الماركسية، الذي تمّ تغييبه، لكنه لم يكن غائباً، كما يتم التأكيد وكما تدل وقائع الحياة السياسية الرومانية في فترة ما بعد الشيوعية.

ويشير المؤلفان إلى أن الدستور الذي كان سائداً أثناء الحقبة الشيوعية كان يضمن «مبدئياً» حرية الاعتقاد الديني في رومانيا. لكن هذا لم يمنع من وجود محددات لتلك الحرية مثل منع الكنائس، بشتى مشاربها من إدارة مدارس تابعة لها. وتدل التقديرات المقدّمة على أن الرومانيين يمارسون بنسبة 80 بالمئة منهم تقريباً الشعائر الدينية بانتظام.

الرومانيون من الطائفة الارثوذكسية يشكّلون نسبة تزيد على 85 بالمئة من مجموع السكان. وهناك مناطق كبيرة لا يتواجد فيها سوى الارثوذكسيين تقريباً. أما الكنيسة الكاثوليكية «ذات الطقوس اللاتينية» فلا يشكّل أتباعها سوى نسبة تقارب 5 بالمئة من مجموع السكان، وأغلبية هؤلاء الأتباع هم من أصول هنغارية (مجرية) ويتواجدون خاصة في منطقة ترانسلفانيا التي تحتوي على أكثر من ألف كنيسة.

وهناك قسم من هؤلاء الكاثوليك ينضوون ضمن إطار «الطقوس اليونانية الكنسية»، ومن هنا تتم تسميتهم أحياناً بالمسيحيين الشرقيين والذين كان قد جرى إلحاقهم «بالقوة» بالكنيسة الارثوذكسية، وهم اليوم يطالبون بالعودة إلى «أصولهم» العقائدية، مما يخلق بعض التوترات ذات الخلفية المذهبية.

أما الطائفة البروتستانتية فهي تضم أيضاً نسبة تقارب ال5 بالمئة من مجموع الرومانيين، وتتركز نشاطاتها خاصة في منطقة ترانسلفانيا كذلك. وتتوزع هذه الطائفة بين «كنيستين» هما «الكنيسة اللوثرية» و«الكنيسة الإصلاحية».

وكانت الكنيسة البروتستانتية عامة قد لقيت نجاحاً مهماً في الأرياف خاصة حيث كان أبناؤها قد أصيبوا بنوع من خيبة الأمل بسبب تجاوز وإسفاف رجال دين الكنيسة الارثوذكسية السائدة. ومن الظواهر الجديدة التي تعرفها رومانيا بعد انهيار الشيوعية بروز عدد كبير من الجماعات الصغيرة ذات الطقوس الخاصة باسم العقائد الدينية.

كذلك يوجد في رومانيا عدد من الكنائس ذات الانتماء الاتني مثل الكنيسة الأرمنية. أما بالنسبة للمسلمين فهم لا يشكلون في رومانيا سوى أقلية صغيرة تتواجد حصرياً على شواطئ البحر الأسود وهم من بقايا الإمبراطورية العثمانية التي كانت جيوشها قد احتلّت المنطقة اعتباراً من القرن الرابع عشر.

وهؤلاء المسلمون يعتنقون المذهب السني وهم اتنيا من الأصول التركية، وخاصة من الأناضول، ومن التتار. بالنسبة لليهود لا يتجاوز عددهم في رومانيا 20000 نسمة تقريباً بعد أن كانت أغلبيتهم قد هاجرت إلى إسرائيل إثر قيام الدولة العبرية.

ويؤكد المؤلفان في تحليلاتهما أن الظاهرة الدينية قد تصاعد وجودها ونفوذها في المجتمع الروماني ابتداءً من مطلع سنوات التسعينات، وخاصة بين أوساط الشباب وبنسب تزيد كثيراً عمّا شهدته بلدان أوروبا الشرقية والوسطى الأخرى.

هذا ما يدل عليه تزايد الذين يؤمّون مختلف الكنائس وأماكن العبادة الأخرى. وتدل استطلاعات رأي عديدة أن ثقة الرومانيين بالكنيسة ازدادت كثيراً على قاعدة أنها تقدّم إجابات مناسبة لاحتياجاتهم الروحانية والأخلاقية، والأمر نفسه بالنسبة لأتباع المعتقدات الدينية الأخرى.

التفسيرات التي يتم تقديمها لظاهرة التحوّل الكبير نحو الدين تتمثل في القول بوجود عدة عوامل يكمن أهمها في إعطاء قيمة اجتماعية أكبر للدين في فترة ما بعد الشيوعية، وذلك بمشاركة فعّالة من قبل وسائل الإعلام. وبالتوازي مع هذا تنامي الحاجة إلى تحقيق نوع من الاندماج الاجتماعي من خلال طائفة دينية في وقت ازداد فيه الإحساس بفقدان الإحساس بالانتماء إلى الهوية.

ويتم التأكيد هنا أن «الحماس الديني» الذي عرفه الشباب الرومانيون بعد سقوط الشيوعية هو نتيجة للمكانة الاجتماعية المركزية التي اكتسبتها الكنائس التي أصبحت بالنسبة لأولئك الشباب المرجعية «المشروعة» المناهضة لمرجعيات الاضطهاد السياسي «الشيوعي» لفترة ما قبل عام 1990.

لقد كانت تلك الكنائس هي الرمز المناهض، بل وتعبير المعارضة «السلبية» الذي نبذته السلطات السابقة بعملية النبذ والتهميش تلك للكنائس باعتبارها رموزاً دينية «لا مكان لها في الإيديولوجية الشيوعية» أعطتها قيمة «رمزية» كبيرة، وصنع الشرعية أيضاً على أن تصبح عنصراً فاعلاً له وزنه في الحياة السياسية للبلاد في العهد الجديد.

وتتم الإشارة في هذا السياق أيضاً إلى الكم الكبير من المطبوعات والدوريات المختلفة ذات الطابع الديني والروحاني التي أغرقت «أسواق» القراءة وكان لها أثراً كبيراً في اهتمام شرائح اجتماعية جديدة، لاسيما بين جماهير الشباب بالقضايا ذات الطابع الديني.

وكان البحث عن «التجديد» بعد سنوات الجمود التي شهدتها الحقبة الشيوعية أحد العوامل في «نجاح» بعض التيارات «الدينية» الجديدة في استقطاب أعداد كبيرة من الرومانيين الذين أرادوا الخروج من جميع الأطر التي تحد من حريتهم. هكذا مثلاً لاقت تيارات «البروتستانتية الجديدة» نجاحاً لم تعرفه في البلدان الأوروبية الأخرى.

هذه التيارات الجديدة ركّزت في خطابها على مسائل الحياة التي يعاني منها البشر أكثر من تركيزها على فرض القواعد العقائدية الصارمة. وتمثّلت أيضاً إحدى الأوراق الرابحة التي لعبتها هذه التيارات هي اهتمامها بالبعد الاجتماعي وتقديم الكثير من الخدمات لمن كانوا بأمسّ الحاجة لها مما شكّل أداة فعالة في استقطابهم.

على المستوى السياسي يتم التفريق بين عدة مراحل عرفتها رومانيا منذ سقوط الشيوعية. والمرحلة الأولى كانت ذات طابع «انتقالي». وقد استمرّت عملياً طيلة فترات رئاسة «ايون ايلليسكو» الثلاث، أي الأولى والثانية ما بين عام 1989 وعام 1996 والثالثة ما بين عام 2000 و2004، وأيضاً في فترة رئاسة ايميل كونستانتينسكو خلال سنوات 19962000.

هذه المرحلة الانتقالية تميّزت بكون أن الطبقة السياسية الرومانية كانت قد انبثقت من بين صفوف الحزب الشيوعي. وقد عرفت تلك الفترة ازدهاراً اقتصادياً مهماً وانخفاضاً كبيراً في عدد العاطلين عن العمل جعلها مؤهلة للانتساب إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي عام 2004 انضمت رومانيا إلى الحلف الأطلسي وأصبحت عضواً في الاتحاد الأوروبي اعتباراً من مطلع شهر يناير 2007. وقد ترافق انضمامها مع تنامي قوة الحركات اليمينية المتطرفة فيها باسم المطالبة بـ «السيادة»، ومن بين هذه الحركات «حزب رومانيا الكبرى». وكان ذلك بمثابة «تجديد» كبير في المشهد السياسي الروماني لفترة ما بعد الشيوعية.

وبكل الحالات يؤكد المؤلفان وجود تداخل كبير بين الدين والسياسة في رومانيا، حيث حرصت الكنائس الارثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية على فرض وجهات نظرها في إطار الديمقراطية «الوليدة». كما يتم التأكيد أن هذه الكنائس،

إلى جانب «الجيش»، تتمتع بثقة الشرائح الشعبية الواسعة أكثر من الهيئات المنتخبة كالبرلمانيين الذين يحاولون «باسم الديمقراطية» خدمة مصالحهم الخاصة بعيداً عن الاهتمام الحقيقي بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.

*الكتاب: الدين والسياسة في رومانيا ما بعد الشيوعية

*الناشر:جامعة اوكسفورد 2007

*الصفحات:288 صفحة من القطع المتوسط

Religion and politics in post communist Romania

Oxford University Press 2007

P.288