جوديث بتلر، هي أستاذة البلاغة والأدب المقارن في جامعة كاليفورنيا ببيركلي. سبق لها وقدّمت العديد من الأعمال من بينها: «الحياة النفسية للسلطة» و«سلطة الكلمات» و«اضطرابات حسب النوع: الحركة النسائية وتخريب الهوية»، وهذا هو كتابها الأكثر شهرة.
أما المؤلفة الثانية «غاياتري شاكرافوتري سبيفاك» فهي من مواليد مدينة كالكوتا عام 1942، ذهبت للدراسة في الولايات المتحدة الأميركية حيث أصبحت أحد الوجوه المعروفة في إطار الدفاع عن حقوق الإنسان، بل وأحد أكثر الشخصيات نفوذا على الصعيد العالمي في ميدان البحث بالقضايا الفكرية الخاصة بالدفاع عن حقوق المرأة. لها العديد من الكتب مثل «نساء هنديات» و«في عالم آخر» و«النقد ما بعد الاستعماري»، الخ. في هذا الكتاب الجديد الذي يأخذ صيغة حوار بين المؤلفتين تتم محاولة الإجابة عن أسئلة جوهرية مثل: ماذا يمكن للمفكرين المعاصرين أن يقولوا لنا عن ظاهرة ضعف مكانة الدول في الحقبة الراهنة؟ وكيف يمكن الاحتفاظ بشعور الانتماء إلى أمة ما؟ من يمارس السلطة الحقيقية في عالم اليوم؟ هل يحق لنا أن يكون لنا حقوق؟ ما معنى ترديد النشيد الوطني الأميركي باللغة الاسبانية من قبل شريحة هامة من الأميركيين؟
ما تؤكده جوديث بتلر بأشكال مختلفة أنه يمكن فصل تعبير «الدولة» عن تعبير «الأمّة»، ذلك أن «الدولة» ليست دائما هي تعبير عن دولة ـ أمة. تجدر الإشارة إلى أن هذا المفهوم، الدولة ـ الأمة شاع وازدهر في القرن التاسع عشر مع تصاعد الحركات القومية في أوروبا، وتجسّد واقعيا وتجذر في القرن العشرين قبل أن تأتي العولمة لتغيّر الكثير من المعادلات القائمة على صعيد موازين القوّة بين الدول والأمم.
ويتم في هذا السياق نقاش طويل لوظيفة الدولة في المجتمعات الحديثة حيث يمكنها أن تؤمن الرابطة بين أفراده «باسم الأمة». ولكنها يمكن بنفس الوقت أن تكون أداة قمع وطرد «باسم ممارسة السلطة». مثل هذه الوضعية يمثلها بشكل جيد «اللاجئون» الذين يتم إخراجهم بالقوة من قبل الدولة التي يعيشون بكنفها.
ويتم هنا انتقاد الفكرة التي تقدّم اللاجئين وكأن كل ما يفعلونه هو «الانتقال» من دولة إلى دولة أخرى. وإذا كان من الصحيح القول ان «اللاجئ»، الذي قد يكون خروجه «قسرا» سوف يصل بالضرورة إلى مكان ما. ولكن قد لا يكون دولة جديدة وإنما نوع من غوانتانامو «حيث الدولة غائبة» أو نوعا من قطاع غزّة الذي ينطبق عليه جيدا توصيف «سجن في الهواء الطلق»، كما تعبّر المؤلفة.
من جهة أخرى يمكن لعمليات التهجير أن تكون مقدّمة لقيام دولة جديدة. المثال الذي تورده المؤلفة يتمثّل فيما عرفته فلسطين أثناء «النكبة» عام 1948. كما يمكن للتهجير نفسه أن يكون نتيجة لوجود الدولة المعنية بهذه الظاهرة، مثلما هو الحال في كل من العراق وقبلها أفغانستان، في حالة حرب.
هنا يتم التمييز بين أمثال هؤلاء «اللاجئين» الذين يتولاهم الشعور أنهم يعيشون حالة من «اللاانتماء» الكامل بسبب «اقتلاعهم» من جذورهم عنوة، وبين اللاجئين الآخرين الذين قد تحكم أوضاعهم بعض الاتفاقيات وتحدد «جوديث بوتلر» قمة الإحساس بالاقتلاع من الجذور «عندما لا يعرف المرء أين يمكن أن تصبح أراضيه أو ربما لا يعرف إذا كان هناك مكان يمكنه أن يذهب إليه».
كما تفتح المؤلفة قوسين هنا كي تشير إلى حالة السجون المتواجدة «في الخارج»، مثل تلك التي جرى تحويل بعض السجناء «المتّهمين بالإرهاب» من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إليها قبل أن يستقرّ بهم الأمر نهائيا في غوانتانامو.
مثل هذه السجون «لا تخضع للشروط التي تفرضها السيادات الوطنية والدساتير التي تتبناها الدول في عمليها». وهذا ما يتم اعتباره هنا نوعا من الدلالة على «انحطاط مكانة الدولة ـ الأمّة ونهاية حقوق الإنسان»، نقلا عن تعبير استخدمته المفكّرة الشهيرة «حنّة ارنت» في كتابها «أصول التوتاليتارية».
وتتم في هذا السياق مناقشة العديد من الأفكار التي طرحتها السيدة «ارنت»، وذلك «ليس فقط بسبب أهميتها الأكيدة نظرا للأبعاد السياسية التي أُعطيت حاليا لحقوق المهاجرين في الولايات المتحدة، وإنما أيضا بسبب أفكارها حول بعض أشكال الاضطهاد التي أصبحت بمثابة تكتيكات حربية على المدى الطويل»، كما تقول المؤلفة.
وبعد أن تقدم «جوديث بتلر» شروحات مسهبة حول الأهمية الفكرية الاستثنائية لـ «حنة ارنت» فيما يخص فهم الحياة السياسية والاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية، تتعرض لموقف ارنت من المسألة الفلسطينية وإسرائيل. وما يجهله الجميع، باستثناء قلّة قليلة من المهتمين،
هو أن هذه المفكّرة ذات الأصل اليهودي قد «انتقدت بشدة قيام إسرائيل على أساس هوية ودينية واعتبرته بالطبع غير شرعي»، كما تقول المؤلفة، ثم تنقل عنها ما يلي: «وبعد الحرب ـ العالمية الثانية ـ وجدت المسألة اليهودية حلا، وكان الجميع يعتبرون أنها الوحيدة غير القابلة للحل. وقد وجدت حلاّ عبر الاستيطان في أراضي ثم الاستيلاء عليها.
لكن ذلك لم يشكّل حلا لا لمشكلة الأقليات ولا لمشكلة أولئك الذين يتم تصنيفهم في خانة البدون جنسية - الأبارتهايد ـ. على العكس، ومثلما هو الحال عمليا بالنسبة للأحداث الأخرى التي شهدها قرننا، لم ينجح ذلك الحل الذي عرفته المسألة اليهودية سوى في خلق فئة جديدة من اللاجئين العرب
كي تزداد بذلك أعداد أولئك الذين لا جنسية لهم ولا حقوق حوالي ما بين سبعمئة ألف إلى ثمانمئة ألف شخص جديد. وما جرى في فلسطين لمئات الآلاف من الأشخاص عرفته الهند بعد ذلك أيضا بالنسبة لعدة ملايين».
ثم تنتقل المؤلفة للحديث عن «قوانين الملكية التي عرفتها إسرائيل ما بين عام 1948 و1953» والتي ترى أنها «أعطت صفة المؤسسة لعملية سرقة أراض باسم قانون إداري». ثم تشير المؤلفة أنه من الملفت للانتباه وجود «رغبة عامة» في عدم التحدث بهذا الأمر أبدا.
وإذا كانت المساهمة الأخرى في تأليف هذا الكتاب، أي غاياتري شاكرافاتوري سبيفاك، الأستاذة في جامعة كولومبيا قد اكتفت عمليا في القسم الأول بالتعليق وطرح الأسئلة فإنها قدّمت في الصفحات الأخيرة بعض الآراء. ومن أهم الأفكار التي قدمتها قولها ان ترديد النشيد الوطني الاسباني في شوارع سان فرانسيسكو أو النشيد الأميركي باللغة الاسبانية يبيّن مدى «محدودية» الرابطة بين الدولة الأميركية ومفهوم الأمة الأميركية تاريخيا وأيضا على الصعيد المستقبلي.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن «النشيد الوطني» ـ وعلى عكس «النشيد الأممي» ـ غير قابل للترجمة إلى أية لغة أخرى. ولا ترى «سبيفاك» أية إمكانية لـ «التفاوض» حول لغة الأناشيد الوطنية. وبهذا المعنى لا تزال الدول ـ الأمم تحتفظ بـ «قوة تاريخية لا بأس بها» في عصر العولمة.
أمّا مظاهر الضعف التي تحيط بها فإن المؤلفة تعيدها بالأحرى إلى الاقتصاد والسياسة، إذ تقول: «بصورة عامة ينتج تقهقر الدول ـ الأمم عن إعادة بناء سياسي واقتصادي للدولة لصالح رأس المال العالمي».
وتشير المؤلفة إلى خصوصيات «القيم الآسيوية» وأيضا خصوصيات الكونفوشيوسية حتى بالنسبة لمفاهيم تبدو «كونية» اليوم مثل حقوق الإنسان. ففي بلاد مثل الصين يتم «لجم» جميع الحريّات وكل أشكال التعبير عبر فرض بعض «الحدود الأخلاقية» التي لا يمكن تجاوزها.
ولكن مع هذا لا يمكن الحديث عن «دولة أخلاقية» صينية. مع ذلك لا ينبغي تحميل مسؤولية غياب البعد الأخلاقي على تعاليم كونفوشيوس وإنما بالأحرى على طبيعة الدولة نفسها، باعتبارها مفهوما مرتبطا بالسلطة.
كذلك تتم مناقشة العلاقة بين الدولة والسيادة وحيث تتمثل الحالة التي يتم التعرض لها كثيرا في فلسطين وما يتم طرحه من «حق تقرير المصير» بالنسبة للفلسطينيين وهل يتضمن إقامة دولة واحدة تضم الجميع في ظل سيادة واحدة أو دولتين لكل منهما سيادتها الكاملة؟
*الكتاب:من قلل مكانة الدولة
*الناشر:سيغل بوك ـ نيويورك 2007
*الصفحات : 128 صفحة من القطع الصغير
Who sings the nation- state ?
Seagull Books - New York 2007
P.128

