جاك جوليار، مؤرخ وصحافي، وهو مدير للدراسات في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس، كما أنه أحد مدراء مجلة «نوفيل اوبسرفاتور» الأسبوعية الباريسية الشهيرة. كان جاك جوليار مسؤولا لفترة طويلة عن النقابة الفرنسية الديمقراطية للعمال، وهي أحد أكبر النقابات الفرنسية تاريخياً، وهكذا كرّس العديد من أعماله لما أسماه «النقابية الثورية» وحول الثقافات السياسية في فرنسا المعاصرة.
قدّم هذا المؤلف العديد من الكتب بينها: «قاموس المثقفين الفرنسيين» الذي يزيد عدد صفحاته عن الألف صفحة و«خطأ روسو» و«تاريخ المناطق الفرنسية» و«البؤس الفرنسي » المنشور عام 2005 والذي أثار ضجة كبيرة... الخ.
«ملكة العالم » الصادر في مطلع هذا العام 2008 يخص تحديدا «ديمقراطية الرأي العام»، أو ما يسميه المؤلف بـ «حكم الرأي العام» أو «الدوكسوقراطية». ويؤكد المؤلف أن العالم يتجه أكثر فأكثر نحو الاعتراف بـ «سلطة الرأي العام » فيما يتعلق بالتطبيق الديمقراطي. وهو يميّز هذا النوع عن غيره من الصيغ السابقة للديمقراطية.
ويحدد المؤلف أهم هذه الصيغ في «الديمقراطية المباشرة» مثل تلك التي طبّقتها أثينا في اليونان القديمة أو طبّقها «اليعاقبة» في فرنسا بعد قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. وتقول هذه الصيغة من الديمقراطية بالمشاركة الشعبية المباشرة في المداولات الخاصة بالسلطة.
لكن مثل هذه الصيغة من «الجمعيات الشعبية» لم يتم تطبيقها منذ بدايات القرن العشرين إلا في بعض الاستثناءات «المؤقتة» مثلما كان قد عرفت روسيا سابقاً في بدايات الثورة البلشفية عام 1917 وحيث كان يتم تسيير التعاونيات «السوفييتات» مباشرة من قبل العاملين فيها.
ومثال آخر كمن في «المجالس الألمانية» التي قامت غداة هزيمة 1918 عند نهاية الحرب العالمية الأولى. آخر الأمثلة كان في فرنسا خلال «ثورة الطلبة « في شهر مايو من عام 1968 في ظل ما سمي آنذاك بـ «مجالس الطلبة».
ويرى المؤلف أن الصيغ التي تشهدها معظم بلدان العالم وتتمثل في تجمّع أعداد كبيرة من البشر باسم دعوات وعناوين متنوعة ولخدمة هدف ما. ومثل هذه التظاهرات قد يعرفها بلد أوروبي مثل اللوكسمبورغ أو بلد عملاق مثل الصين الشعبية ذات الـ 3. 1 مليار نسمة.
كما يميّز مؤلف هذا الكتاب بين «ديمقراطية الرأي العام» وبين «المنظومة التمثيلية التقليدية»، أي تلك التي تبنّتها عمليا الديمقراطيات الغربية كلها منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها.
هذه المنظومة لا تقوم على أساس المداولة المباشرة حول مسائل تسيير أمور الدولة وإنما بالأحرى على أساس «تفويض» نخبة سياسية في تمثيل الجميع ونقل إرادتهم. هذه النخبة شكّلت تاريخيا نوعا من «الدائرة المغلقة»، وعلى أسس مقاييس فيها الكثير من اللبرالية الاجتماعية. بمعنى أن المجتمع يوكل مسألة «السيادة» الشعبية «بشكل حر « إلى الطبقة السياسية.
أما ديمقراطية الرأي العام أو الدوكسوقراطية» فإنها تقوم على أساس التدخل المستمر للرأي العام في الشؤون العامة لبلدانه. وبهذا المعنى هي «ديمقراطية إعلامية» ومباشرة ومستمرة. ويحدد المؤلف القول أن بعدها «الإعلامي» يعود إلى الزخم الكبير الذي أعطاه لها واقع ازدهار مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، وخاصة التلفزيون. ثم جاءت ثورة المعلوماتية كي تعطيها دفعة أكبر عبر شبكات الانترنت.
هذا الواقع الجديد قلل من هيمنة «المنظومة التقليدية التمثيلية». ذلك أنها جعلت الصلة «مباشرة» بين الرأي العام وبين قمة السلطة السياسية متجاوزة بذلك مختلف الهيئات التي كانت تتحدث عن الجميع وباسم الجميع.
وبما في ذلك البرلمانات والجمعيات الوطنية نفسها التي فقدت من مصداقيتها ومن فاعليتها في الديمقراطيات الغربية. بهذا المعنى ولّى «العصر الذهبي» الذي كان يبدو فيه «ممثل الشعب » وكأنه يتحلّى بكل الفضائل والشمائل وحيث «يعبّر عن الرأي العام بكل تنوعه وعن الشعب بأكمله».
مثل هذا الوضع تغيّر. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن «ممثلي الشعب أنفسهم يعترفون بذلك»، لاسيما وأن مصادر الشرعية قد تنوعّت كثيراً، ولم تعد محصورة بالمجالس التمثيلية. تتم الإشارة هنا إلى أن الجنرال شارل ديغول كان قد اقترب عندما أسس الجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1958 من النظام الرئاسي عندما قلّص من سلطة البرلمان، وبالتالي من سلطة الأحزاب، كي يزيد من صلاحيات رئيس الجمهورية.
ويرى المؤلف أن الأهمية الكبيرة التي أخذها الرأي العام تعود إلى «خروج الشعب من إطار الاتهام الموجّه له بعدم الكفاءة الكاملة». ثم جاءت الثورة التكنولوجية كي تؤمّن «وسائل المشاركة» العامة. هكذا يتم القول إن ديمقراطية الرأي العام كانت نتيجة للجمع بين هذه الثورة التكنولوجية وبين الرغبة لدى الجماهير الشعبية في المشاركة بالقضايا العامّة لبلدانها.
و«ديمقراطية الرأي العام » هي أيضا «مباشرة» بمعنى أنها ترفض «الوسطاء»، ومهما كانت التسميات التي يتخذونها «نوابا» أو غير ذلك. بل يرى المؤلف أن البرلمانات أصبحت تبدو كـ «عقبة » أمام الديمقراطية وليس «مكانا» لممارستها.
ونتيجة لهذا التوجه في «تهميش» هيئات التمثيل تواجه أدوات الديمقراطية التي تجذرت منظومتها منذ القرن التاسع عشر أزمة كبيرة وعلى رأس هذه الأدوات هناك البرلمانات والأحزاب والاقتراع العام.
ويرى جاك جوليار أن «ديمقراطية الرأي العام» تميل بالأحرى نحو تفضيل النظام الرئاسي وليس النظام البرلماني. ذلك أن «النظام الرئاسي يؤمّن اللقاء المباشر بين الرأي العام مع الرئيس وفيما يتجاوز الهيئات المنتخبة».
هنا يتم فتح قوسين من أجل التأكيد أن الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي هو بصدد أن يدفع المنظومة القائمة إلى أبعد نهاياتها، وذلك بالاعتماد على الرأي العام كأداة رئيسية في الحكم وليس على البرلمان، بل «غداً التلفزيون أهم من البرلمان»، كما يشير المؤلف. بنفس الوقت وبالتوازي مع هذا، تعاظم دور اللعب على الانفعالات بالقياس إلى استخدام العقلانية في معالجة مختلف القضايا والمواضيع.
البعد الثالث والأخير لديمقراطية الرأي هو أنها «مستمرّة». ويرى المؤلف في هذا البعد «السمة الرئيسية» لهذه الديمقراطية «الجديدة ». إن النظام التمثيلي يلجأ إلى الممارسة الديمقراطية كل خمس أو سبع أو أي عدد آخر من السنوات دوريا، حسب القوانين النافذة.
ذلك أنه منذ اللحظة التي يتم فيها انتخاب ممثلين يمارسون السيادة، فإنه لا يبقى أمام أولئك الذين كانوا قد أعطوهم ثقتهم سوى «أن يلوذوا بالصمت». وانتهى الأمر بهؤلاء أن تعبوا من تلك «الديمقراطية الوهمية»، ذلك أنهم لم يكونوا يجدون حقيقة أنفسهم بها.
إن مؤلف هذا الكتاب يربط بين رغبة الرأي العام في المشاركة بالشأن العام وبين مفهوم «الاستعراض» الذي يقدّمه المجتمع عبر ما يعبّر عنه من آراء. ويؤكد المجتمع بنفس الوقت رغبته في أن يكون «بالغا» ويعتمد بالتالي على نفسه وليس بعد على نخبة وحدها والتي عليها أن تقبل بـ «تخلّيها» عن احتكار دور القيادة.
وإذا كان المؤلف يؤكد على سيادة «ديمقراطية الرأي» فإنه بنفس الوقت يؤكد كذلك على فقدان المجتمعات «الديمقراطية» الحديثة لمرجعياتها وإلى حد كبير فقدانها لسلم قيمها، إذ يتساءل: «من هو الذي تُناط به وظيفة تحديد المعايير الاجتماعية»؟
ويجيب «لا أحد يحدد بعينه، وإنما إلى التلفزيون بشكل عام». هذا في ظل تأكيده على غياب: «الخوري ومعلّم المدرسة والمناضل السياسي الذين يتحدثون عن الخير والشر، عن العدل والظلم وعن الجمال والبشاعة».
ويتم التأكيد هنا أن التلفزيون لم يبحث ولم يطالب أبدا بالدور الذي لعبه، ولكنه لعبه في واقع الأمر بسبب غياب «القوى الفاعلة » الأخرى. هذا فضلا عن أن التلفزيون لا يقوم بالدعوة لأية «أخلاق صريحة»،
وإنما إلى «أخلاق ضمنية « يعبّر عنها «أبطال المسلسلات الأميركية» التي يعرضها وأيضا عبر «مرجعيات» يمثلها «لاعبو كرة القدم» الذين أصبحوا نجوما بفضله، ويمثلها «مقدمو برامجه» الذين يغالون بتقدير أهميتهم.
أما جوهر الأخلاق التي تتم الدعوة لها فإنها «تتمثل في مديح المال ومديح كل السبل التي لا يتصورها عقل من أجل الحصول عليه ». وقيمة أخرى يذكرها المؤلف وهي «العنف» و«قانون الأقوى». باختصار إنها قيم «الرأسمالية العشوائية» كما ينتهي المؤلف إلى القول.
*الكتاب:ملكة العالم، دراسة عن ديمقراطية الرأي
*الناشر:فلاماريون ـ باريس 2008
*الصفحات:330 صفحة من القطع المتوسط
La reine du mon essai sur la démocratie d'opinion
Flammarion - Paris 2008
P.330
