مؤلف كتاب «عمدة الكتّاب وعدة ذوي الألباب» وهو: «يوسف بن عبد الله الزّجاجي الجرجاني أصله من همذان، وقد أخذ الزّجاجي هذه النسبة، نسبة إلى عمل الزجاج وبيعه وقد اتفق معظم الذين اشتغلوا بالتراجم بأنه كان عظيم الشأن لا يوازيه أحد في إنتاجه المعرفي والثقافي، فقد ذكروا له كثيراً من المؤلفات، من أهمها: شرح فصيح ثعلب كتاب خلق الإنسان، كتاب خلق الفرس، كتاب الرياحين...».

قال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام: أبو القاسم الأديب الجرجاني عظيم القدر في اللغة والأدب والعربية وفنونها، قليل المثل، له شروح وتصانيف وكان محباً في اللغة ودقائقها. يعد هذا الكتاب أثراً مشهوراً، ومعلماً مميزاً في تاريخ العلوم عند العرب،

إذ يقدم الإطار التفصيلي لصناعة المخطوط العربي، منذ فجر الإسلام، حتى تاريخ تأليفه، فقد اشتملت مواضيعه عناصر معرفية مهمة، هدفت التأريخ العلمي لصناعة الكتاب، بدءاً من انتخاب الأقلام الجيدة للكتابة والنسخ، وانتهاءً بالتجليد.

لقد ضم هذا الكتاب مواضيع مختلفة يحتاج إليها الأديب والناسخ والورّاق والمجلد، وذلك من صنع القلم والمداد، أنواع الأحبار وتلوينها، والأصباغ وخلطها، والكتابة بليق الذهب والفضة والنحاس، ووضع الأسرار في الكتب، وما يمحى به الكتابة، وعمل الأغرية وحلّها، وإلصاق الذهب والفضة على الثياب، وتوشية الأقلام ونقشها، وصباغ العظم والعاج والقرون وغيرها.

ولعل قارئ الكتاب سيدهش بتفاصيل دقيقة جداً، لكنها سمة من سمات حضارتنا حضارة القلم حضارة المعرفة المتناقلة، وبخاصة أن الخلفاء والسلاطين تباهوا بما ملكوا من كتب مكتوبة بطرق جميلة ساحرة. واشتهرت دور العلم والخزائن المستقلة، ومكتبات الجوامع والمدارس في أنحاء دولة الخلافة في الموصل والبصرة وبغداد والقاهرة ودمشق ومكة المكرمة.

لذا كنا أمام ثروة معرفية هائلة، وأمام ملايين الكتب وهكذا يشكل هذا الكتاب مساهمة علمية في رفدنا بالمعلومات اللازمة عن تقنية الكتاب العربي المخطوط والمعالجة الكيميائية المبكرة التي عرفها أسلافنا في تحضير ما يلزم تلك الصناعة من نباتات وأحجار ومعادن وأملاح ومركبات كيمائية وغيرها.

قسّم المؤلف كتابه إلى خمسة عشر باباً في كل فصل دراسة وافية لموضوعة تتعلق بالكتاب:

الباب الأول: في فضل القلم والخط، وانتخاب الأقلام واختبارها، واختلاف بريها على أجناس الخطوط، والدّواة وما يصلح لها من الآلات وما يليق بها على سائر الأوقات.

الباب الثاني: في عمل أجناس المداد، وإضافة الحداد وما في ذلك من الوجوه والأنواع.

الباب الثالث: في عمل الأحبار السّود، وأجناس التركيبات وفي ذلك وجوه.

الباب الرابع: في عمل الأحبار المونة واللّيف المركبة وما فيه من الأنواع.

الباب السادس: في تلوين الأصباغ وخلطها واستخلاص بعضها من بعض وتوصيلها.

الباب السابع: في الكتابة بليق الذهب والفضة والنحاس، وما في ذلك من التحف والعجائب.

الباب التاسع: في عمل ما يمحى به الكتابة والطبوع في الثياب والدفاتر.

الباب العاشر: في عمل الأغرية وحلّها وإلصاق الذهب والفضة عليها وصفة الصق والصقال، وقلم الشعر، وآلات هذه الصنعة على مر الدهور.

الباب الحادي عشر: في عمل الأوراق وتوشيه الأقلام ونقشها، ثم في صباغ العظم والقرون وغيرها. ثم في عمل الهباب، وعمل الصبّاغ الذي يعمل به كل لون وذكر أشياء تتعلق بإصلاح الحبر المركب الأسود وغيره.

إن هذا الكتاب تحفة فنية نادرة، فهو في ذكره لأعمال الكتابة إنما يذكر تاريخيتها وبخاصة في الأقلام والحبر والورق وما أضافه العرب على تلك الصناعة، طالما كانوا أمة معرفية، الكتاب جزء من حياتها وعمدة رؤيتها، وسر إنتاجها المعرفي، ليكون الكتاب بانوراما شاملة لصناعة الكتاب.