لم تتفوق حضارة الغرب بين ليلة وضحاها وكأنها مشهد في فيلم سينمائي، ولم تتفوق لأن الحضارات الأخرى تراجعت، أو انكفأت إلى الداخل كما هو حال الحضارة العربية التي انقطع بها عهد السيادة مع خروج آخر جندي عربي مسلم من غرناطة في عام 1492.
ومع وصول كريستوف كولومبس إلى «العالم الجديد»ومنذ ذلك الوقت تطلعت أوروبا إلى المحيطات الشاسعة، وجابت سفنهم المياه العالية وقطعت ملايين الأميال لتصل إلى أراض بكر لم يطأها احد بعد حيث سادت حضارة الغرب وانتصرت.
إن تفوق الحضارة الغربية تم من خلال ذلك الانكفاء إلى الداخل لدى الأمم الأخرى التي كانت حضارتها سائدة ذات يوم، كما أن التفوق الغربي جاء نتيجة أو حصيلة المعارف والعلوم والثقافات العربية والإسلامية التي قدمت للبشرية الأسس التي أوصلتها للتفوق الذي تشهده اليوم،
وهذا يعني أن الحضارة الغربية لم تكن نسيج وحدها أو ذاتها. إذ يكفي سيطرة الكنيسة القاسية على جميع مناحي الحياة مما جعل أوروبا تعيش جهلاً مطبقاً، ويكفي انه حتى منتصف القرن الرابع عشر لم يكن مسموحاً للطبيب أن يجرح جسد المريض لمعالجته، في حين كان الطبيب العربي يعمل مبضعه في جسد المريض لإخراج الدمل فيشفى سريعاً.
ولكن ما الذي حدث خلال عدة قرون عندما غرق الشرق في جهله وأمراضه الاجتماعية وطيلة خمسمئة سنة لم يعرف الشرق شكلا للمعرفة إلا ما يتم جلبه من الغرب، وطيلة قرون لم يترجم إلى العربية سوى كتاب في الطب لأن أحد السلاطين العثمانيين أصيب بمرض جنسي عضال.
وعندما كان الشرق غارقا في ملذاته وشهواته كان أقصى الشرق يصعد ليلحق بالغرب المتقدم صناعيا وخلال مائتي سنة قفزت اليابان إلى المستقبل، وكذلك حال استراليا رغم أنهما لا يقعان جغرافياً في الغرب إلا إذا كان المقصود بالغرب المرادف للرأسمالية والتي لها سمات محددة حيث يمكن أن تشمل القارة العجوز وأميركا وكندا وجنوب إفريقيا واستراليا واليابان وأيرلندا.. الخ.
وبشكل أكثر دقة حيث الثورة الصناعية واختراع الآلة البخارية التي أوجدت نظاماً جديداً لعلاقات ووسائل الإنتاج وانعكاساتها على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهو ما نتج عنها بالنهاية الحضارة.. أو حضارة الغرب كما يتفق على تسميتها.
في فترة صعود الإمبراطوريات الحديثة كان يكفي أن تملك سفينة بخارية لتصبح سيد التجارة البحرية، وهذا كان حال دولة استعمارية كالبرتغال مثلا، ولكن أين هذه الدولة الآن، إنها بلد زراعي على أطراف أوروبا، فما بال الدول التي لم يكن لديها سفينة بخارية أو لم تترجم كتابا طيلة قرون! نحن اليوم تلك الدول، الدول التي تصالحت مع الأمس وعادت المستقبل.