من جديد تنطلق الروائية الأميركية سو ميللر مع قرائها في روايتها الصادرة حديثاً «زوجة السناتور» إلى الحياة الخاصة لامرأتين عبر لوحة مدهشة لزواجين، تتم تعرية كل ما فيهما من مشاعر العار والشعور بالنقص والحب الذي يرفض الاستسلام لضغوط حياة مفعمة بعناصر الهزيمة والإحباط.

هكذا فإن مؤلفة رواية «الأم الطيبة» التي تتحدى النسيان ورواية «أثناء غيابي» التي صمدت طويلاً في قوائم أفضل الكتب مبيعاً تستعين مجدداً بموهبتها الاستثنائية لتقدم قصة قوية حقاً حول امرأتين غير تقليديتين تغير إحداهما حياة الأخرى بصورة غير متوقعة.

ميري، المرأة الأصغر بين بطلتي الرواية، متزوجة وحامل وتقف عند منعطف بالغ الأهمية في حياتها كزوجة وأم، حيث تدرك بفزع الهوة القائمة بين الواقع والتوقع. ودليا نيوتن، زوجة السناتور توم نيوتن، الذي صمد في موقعه في مجلس الشيوخ فترتين متواليتين هي جارة ميري في المنزل المجاور لها في إحدى مدن نيو انغلاند.

وسرعان ما نكتشف أن خيانة زوج دليا المزمنة لها هي السر الذي يعرفه الجميع في دوائر واشنطن، ولكن على الرغم من تعقد علاقتهما فإن الصلة بينهما تظل قوية. وهذا يطرح بصورة مباشرة سؤالاً على جانب كبير من الأهمية، وهو: ما الذي يبقي الناس معاً حتى في غمار خيانة ضاربة الجذور؟

كيف يمكن لرحلة تسودها الحلول الوسطى وخيبة الأمل أن تصل إلى ذروتها في الشفاء والتسامح؟

إن دليا وميري تجدان نفسيهما وهما تعيشان حياتين متوازيتين وتواجهان أسرار الزواج وألغازه عبر سنوات من الحميمية المعقدة بالنسبة لدليا والبداية المفعمة بالمشاعر بالنسبة لميري.

على امتداد هذه الرواية الجديدة يجد القارئ نفسه على موعد مع كل الأمور التي أحب القراء سو ميللر من أجلها، وفي مقدمتها تعقد التجربة التي ترسم ملامحها بدقة بالغة، وثراء الشخصيات، وعمق المشاعر، والإيجاز الرائع في الأسلوب، ويمتزج هذا كله مع قصة غير تقليدية تفصح عن الكثير فيما يتعلق بالنساء والرجال في كل العصور.

منذ المنعطفات الأولى من الرواية سيدرك القارئ كيف أن الولاء والخيانة يحدثان في إطار الزواج والصداقة، ويعدان أمرين محوريين، ولكنهما ليسا المسألتين الوحيدتين اللتين تطرحهما الروائية في عملها الجديد. تعود بنا الرواية إلى عام 1993 حيث نلتقي ميري وهي في عامها السابع والثلاثين مع ناثان الذي تزوجت منه حديثا، والذي يعمل بتدريس التاريخ.

وعلى الرغم من أن هذين الزوجين تربطهما كيمياء عاطفية مؤكدة، فإن ميري ليست واثقة تمام الثقة من القوة الباقية لعلاقة الحب التي تربطهما بقوة وعمق، وهي تدرك بمزيد من الألم الاختلاف بين خلفية كل منهما، وبصفة خاصة حب أمه المستمر له، الذي يشكل مفارقة حادة مع افتقارها هي لحب الأم في سنوات نشأتها.

وجارتهما في المنزل القريب منهما في تلك المدينة من مدن نيوانغلاند التي يقيمان بها هي دليا، زوجة السناتور توم نيوتن، التي تعيش حياة لا تفتقر إلى الصعوبة والتعقيد مع زوجها الذي تشكل خيانته لها المعلم الأساسي في حياته.

تجد ميري نفسها وقد اجتذبت إلى دليا باعتبارها شخصية تجسد الأمومة بالنسبة لها، ولكن دليا بينما تبدو ودودة حقاً إلا أنها تميل إلى العزلة بحكم طبيعة حياتها ذاتها والتعقيدات التي تلفها. وبينما تقوم ميري برعاية دار دليا في غيابها، فإن تقرأ رزمة من الرسائل الموجهة من توم إلى دليا، والتي تحدد الملامح الأساسية لتاريخ الزوجين نيوتن معاً.

وهي تدرك من خلال هذه الرسائل كيف أن خيانات توم، المتوالية بلا توقف تقريباً، لدليا قد جعلت زواجهما بالغ الصعوبة والتعقيد، خاصة بعد علاقته العاطفية التي لم تدم طويلاً مع شريكة ابنتهما في الإقامة في المدينة الجامعية، ولكن ذلك لم يحل دون استمرار لقاءات توم ودليا على الرغم من انفصالهما العلني.

بعد ولادة ميري لابنها بوقت قصير، يعاني توم من سكته دماغية تستنفد الجانب الأعظم من قواه، وتعود به دليا إلى دارهما في كونكتكيت للقيام على رعايته، وهي تعقب على ذلك بالقول إنها وميري تعيشان حياتين متوازتين، حيث ترعى إحداهما طفلاً وليداً، بينما ترعى الثانية رجلاً مريضاً على نحو يدعو للأسى.

وفي حقيقة الأمر، فإن ميري التي تفتقر دوماً إلى الشعور بالأمان تحس بالاغتراب عن زوجها ناثان، الذي لا يبدي حباً للطفل الوليد، ويبدو بصفة عامة بعيداً عن الشعور بالسعادة. في غضون ذلك، فإن دليا تحس بالسعادة الغامرة لاستعادتها زوجها ليصبح لها كلية، في نهاية المطاف.

لكن توم يفاجئنا مفاجأة مذهلة حقاً، فهو حتى خلال حياته التي يبدو في إطارها نصف مشلول تقريباً، يواصل غزله المشحون جنسياً، والموجه هذه المرة إلى ميري، الأمر الذي يقضي علي الفردوس المؤقت الذي تعيش دليا تحت ظلاله.

بعد سنوات، وفي غمار عيش ميري في سعادة في حياتها العائلية مع ناثان وأولادهما الثلاثة تجد القدرة على الحب التي كانت دليا تمثلها، ولكن شعورها بالندم على خيانتها لدليا يظل شعوراً محدوداً. وعلى الرغم من الإيقاع المقصود الذي تلتزم به الروائية، فإن سو ميللر تقدم لنا عمق الشعور بالخلاص في غمار الحب الحقيقي والخلاص من القيود والضغوط المفروضة على حياة لم تفتقر إلى التعقيدات.

ومن المؤكد أنه ليس من قبيل الصدفة أن الطبعة الأولى من هذه الرواية قد صدرت في 150 ألف نسخة، حيث إن روايات سو ميللر ذات الغلاف السميك تختفي بسرعة قياسية، في استثناء من القاعدة المعروفة التي تقضي بنفاد هذه الطبعة في غضون عام بكامله على الأقل.

وتقدم مجلة «كيركوس» الثقافية المتخصصة تفسيراً لهذه الظاهرة بالإشارة إلى أن روايات سو ميللر تخاطب شريحة عريضة من القراء الذين يهتمون بتطور الحياة الاجتماعية الأميركية والدور الخاص الذي يلعبه الشعور بالانتماء إلى العائلة في هذا التطور.

ويلقي موقع «بارنز أند نوبل» الإلكتروني الثقافي المتخصص بدوره الضوء على جانب مهم في عالم سو ميللر الروائي، حيث يشير إلى عمق تعاملها مع مفهوم التسامح الذي يكاد يشكل خطاً ناظماً في معظم رواياتها.

وتعرب سو ميللر عن اعتقادها بأن مفهوم التسامح يتم حسمه على أساس فردى، حيث إنه متعلق بتصور الفرد لقدرته على التسامح في مواجهة الخطيئة، الإساءة التي تشكل صدمة بالنسبة له، وذلك بالإيغال في المعنى التقليدي للخطيئة أو الإساءة بوضع الإنسان نفسه موضع المخطئ بدوره، انطلاقاً من الامتناع بأن كل البشر هم بشكل أو بآخر من الخطائين.

وتنتقل سو ميللر بالقارئ إلى مستوى مهم من مستويات التفاعل مع روايتها الجديدة بالإشارة إلى أنها تحرص دائماً في غمار الإعداد لكتابة رواياتها على تدوين ملاحظات ليس حول النساء وحدهن وإنما حول الرجال أيضاً فيما يتعلق بالضغوط التي يتعرضون لها في حياتهم اليومية.

وهي تشير إلى أن النساء هن الأكثر تعرضاً لهذه الضغوط، وبصفة خاصة مع تفاقم الإلحاح عليهن بضرورة الحفاظ على مظهر أكثر شبابا، بينما الرجال هم الذين يفلحون في الاحتفاظ بهذا المظهر لفترات أطول بالمقارنة معهن.

وحول المناخ الذي يتيح لها مواصلة إبداع أعمالها الروائية، وبصفة خاصة روايتها الجديدة تشير ميللر إلى أنه من حسن الطالع بالنسبة لها ولعائلتها أن لديهما داراً في فيرمونت تضم مكتباً خاصاً بها وآخر لزوجها في ركنين متباعدين، حيث يتاح لهما الوقت والهدوء للكتابة والإبداع.

وهي تشير إلى أنها من نوافذ مكتبها هذا يتاح لها أن تطل على التلال المترامية عبر أشجار التفاح التي غرستها عائلتها، وفي الاتجاه الآخر يبدو ما بقي من بستان قديم وبحيرة ممتدة إلى البعيد، بينما تترامى إليها أصوات نباح كلابها وهي تطارد الضفادع في الحقول القريبة.

البحث عن دار

«من مكانها في منتصف المقعد الخلفي للسيارة، مضت ميري ترمق الاثنين الجالسين أمامها، زوجها ناتان، وشيلا الوسيطة العقارية. ومضت تحدث نفسها بأن هناك شيئاً يوحي بالضعف فيما يتعلق بمؤخرة الرأس والعنق. وعلى سبيل المثال فإن ناثان يبدو أقرب إلى التلميذ ويبدو حزيناً لدى النظر إليه من الخلف ـ أذناه بصفة خاصة ـ ربما بسبب قصة شعره التي أنجزها قبل أن يبدأ في البحث عن دار.

كانا قد عكفا على البحث عن دار على امتداد يومين. وقد شغلت ميري المقعد الخلفي طوال الوقت، في البداية لأن تلك هي الكيفية التي تصادف أنهم جلسوا في إطارها داخل السيارة، ثم كان ذلك اختيارهم. وهي تجد أنها تحجب الإحساس بوجود مسافة تفصلها عنهما.

وهي تحب مشهد وجهيهما، فيما هما يلتفتان لتجاذب أطراف الحديث أحدهما مع الآخر أو معها. وهي تحس بأنها تتعلم شيئاً جديداً حول ناتان، وهي تنظر إليه بهذه الطريقة وتسمعه يطرح أسئلة عن العقارات. ولديه الكثير منها! أسئلة عن تكاليف التدفئة، عن الضرائب، عن عمر الأجهزة المنزلية، عن العزل الحراري والمناطق التعليمية».

*الكتاب:زوجة السناتور

*الناشر:نوف ـ نيويورك 2008

*الصفحات:320 صفحة من القطع المتوسط

The Senaor's Wife

Knopf- N.y. 2008

023.P