مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والصحفي اللبناني خير الله خير الله، الذي عمل في صحيفة النهار اللبنانية قبل أن ينتقل في العام 1988 إلى لندن، ليعمل رئيساً للقسم السياسي ومديراً للتحرير في صحيفة «الحياة» حتى العام 1998.

ويكتب خيرالله مقالات في عدة صحف، منها: «المستقبل» في بيروت و«الرأي» في الكويت و«الغد» في عمَان و«الراية» في الدوحة و«روز اليوسف» في القاهرة و «26 سبتمبر» في صنعاء. إضافة إلى «إيلاف» الجريدة الإلكترونية. يسعى المؤلف في كتابه إلى فهم المغرب والتغيرات التي حصلت فيه خلال السنوات السبع الأخيرة، منطلقاً من أن محمد السادس له رؤيته الخاصة وفلسفته للحكم، ويستند في منطلقه على أن الملك حين سئل في بداية حكمه عن القدرة التي امتلكها والده حول تكريس الدور المغربي على الصعيدين العربي والإقليمي ونجاحه في ذلك،

كان جوابه: لئن كان المرحوم قد رصّع اسم بلاده في الخرائط الدولية، فإن همّ خليفته أن يرصّع اسم المغرب في قلب كلّ مواطن مغربي. ويبني على ذلك المؤلف مؤكداً أن تطور المغرب على كلّ الصعد انطلاقا من استيعاب أن الفقر يختزل سائر المشاكل. وكان مهما خوض الحرب على الفقر من زوايا عدّة بغية خلق واقع سياسي جديد في البلد.

ومن بين هذه الزوايا الاهتمام بالتعليم والمجتمع بما في ذلك نشر الوسطية. لا شك في أن المؤلف يروي تجربة خاصة ببلد زالت فيه الممنوعات خلال فترة قصيرة، وبات على النخبة السياسية التكيف مع واقع جديد لم تتعوّد عليه منذ بداية ستينات القرن العشرين المنصرم.

ويضع في كتابه المعلومات التي توافرت له، سعيًا منه إلى إلقاء الضوء على واقع المغرب المستجد بعد فتح المعتقلات السرية، وأبواب القصر الملكي أمام ذوي الحاجات والشكاوى، وكيفية معالجة حقوق المرأة وقضايا التعليم والفقر الذي ينتج الإرهاب، والذي جعل من الدار البيضاء عرضة للعمليات الانتحارية، إضافة إلى إعطاء خلفية تاريخية لنزاع الصحراء الغربية والمراحل التي مرّ فيها.

وعليه ينحصر اهتمام المؤلف بالمتغيرات التي حدثت في المغرب بعد وفاة الملك الحسن الثاني وتسلّم ابنه محمد السادس مقاليد الحكم، وعرض التحولات التي جرت على مختلف الصعد، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، محاولاً الإجابة عن تساؤلات كثيرة في المغرب، تخص الفقر الإرهاب والمتغيرات السياسية وحمى البحث عن الهوية بين العربية والأمازيغية، والتحديات التي تواجه الملك الشاب.

وما هي نظرة المغرب إلى موقعه كنقطة التقاء بين قارتين: أوروبا وأفريقيا؟ وانعكاسات سياسة محمد السادس على أوساط النخب، والأحزاب السياسية التي ما زالت أسيرة الحذر وصراعاتها القديمة؟ ويعتبر المؤلف أن المغرب صار أكثر إنسانية، إذ تغيّر المواطن المغربي نفسه في ظل التجربة الجديدة التي يخوضها البلد، والتي تنهض على التطلع إلى المستقبل، من زاوية جديدة،

تنطلق من هموم المواطن العادي، وتنتهي عند هموم المغرب، زاعماً أن التغير طاول حتى الطبيعة، حيث أضحت الأشجار أكثر اخضراراً، وصارت طرقات الشوارع نظيفة، وبات المواطن المغربي قادر على طرح كل الأسئلة التي كانت ممنوعة في الماضي.

ويبدأ المؤلف بالتحدث عن أسطورة هرقل التي تخبرنا بأن هرقل شق البحر المتوسط في لحظة غضب، وكان من نتائجها عزل أفريقيا عن أوروبا قبل أن يخلد إلى راحة أبدية عند مغارات منطقة «أسفار» المغربية في فترة تعود إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد،

ومجرد التفكير في سد لُحمة ما فعلته الأسطورة عبر نفق بحري عن طريق جبل طارق، يعكس التطلع إلى تحدي الطبيعة التي تُفرّق بين الحضارات والثقافات. وهذا الأمر جعل الأوروبيين أكثر اهتماماً ببناء نفق تحت بحر المانش للدلالة على قدرات الإنسان في تطويع الطبيعة لفائدة السلم والإخاء والازدهار، لكنهم وقفوا عاجزين أمام مشروع الربط القاري، كونه بين دولتين الأولى أوروبية والأخرى أفريقية.

ثم جاء محمد السادس إلى الحكم بلا ألقاب تسبقه، عدا صفته الأميرية، فأعلن أن معركته مع الفقر والبطالة والآفات الاجتماعية كانت سابقة لاعتلائه العرش. ويرى المؤلف أن قدر الملوك هو أنهم لا يخوضون منافسات انتخابية، كونهم ملزمون بالقدر نفسه بتقوية حاسة الاستماع إلى نبض الشارع من خلال الوظيفة الرمزية لمفهوم التعاقد المستند أساساً إلى مرجعيات روحية ودستورية وديمقراطية،

لذلك ركزت استخلاصاته المنحازة على الانطباع العفوي، حيث تغيرت صورة الملك الذي يمتطي جواده ويمارس لعبة الغولف، ويختار لباسه بعناية اقتناص اللحظة بصورة الملك القادم الذي يمارس رياضة التزلج على الماء ويقود سيارته بنفسه، ويتوقف عند علامات الطريق، ويسدّ رمقه بساندويتش من أقرب مطعم، ويهتم باختراق الحشود لمصافحة الرعايا.

والأهم من ذلك هو أن التظاهرات والاحتجاجات أصبحت ذات طابع سلمي، تعبر عن أفكار وتيارات ومواقف غنية بالرموز، وتنتهي بتوجيه رسائل وليس بقذف الحجارة أو إطلاق الرصاص. وكان الملك محمد السادس سباقاً في تطوير الممارسة السياسية، حيث اعتمد منظومة «الملكية المواطنة» التي تعتبر أكثر انفتاحاً من الملكية الدستورية والديمقراطية لتصبح جزءاً من مكونات المجتمع الحديث الذي يعتمد التقيد بحقوق المسؤولية وواجباتها.

ويتوسع المؤلف في تعداد مزايا شخصية محمد السادس، حيث يرى المغاربة لم يسبق لهم على امتداد عقود مضت أن رأوا ملكهم يزور السجون والإصلاحيات، بل إنهم لم يشاهدوا وزراء من بين المدافعين عن حقوق الإنسان والكرامة يدلفون إلى السجون لتفقد أوضاعها، وقد سمح الملك للمساجين باستكمال دراساتهم الجامعية، علاوة على العفو الملكي الذي شمل الآلاف وأمّن ظروفاً أفضل لهم، وسهل الخلوة الشرعية للمتزوجين،

وأقام المزيد من ورش التأهيل والدراسة وضمان علاج المرضى، حتى أن نزلاء احد سجون الدار البيضاء اختاروا موضوع «التنمية البشرية» عنواناً لمسرحية كتبها سجناء. ويزعم المؤلف أن الفقر الذي أخرج عمليات انتحارية في مايو 2003 أو يونيو 2007، بدأ يأخذ دوره في المراجعة الشاملة، ليست الأمنية فحسب، بل مختلف الظروف التي نشأ في ظلها الإرهابيون الذين يُتوقع منهم تصرفات يائسة ومتعصبة.

يعتبر المؤلف أن زيارة العاهل المغربي الشاب للجزائر والتجول في شوارعها بمثابة محاولة لتضييق الهوة بين البلدين الجارين. ثم يسرد المؤلف جملة من المعلومات بغية تقديم خلفية تاريخية لنزاع الصحراء الغربية والمراحل التي مرّ فيها، استناداً إلى تجربته الصحفية للنزاع منذ بداياته، والزيارات العديدة للصحراء في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين المنصرم،

حيث إن المؤلف كان من بين الصحفيين الذين غطوا في زياراتهم الصحراء كلها من الساحل إلى الداخل وصولاً إلى الجوار الذي يحميها عسكرياً والذي وضع نهاية لحرب الاستنزاف التي تعرض لها المغرب. ويتم التعرض للعلاقات المتأرجحة بين الجزائر والمغرب، حيث إنه ما أن تهدأ الأمور بين البلدين، إلا وتحدث شرارة بسيطة، تعود الأمور إلى نقطة الصفر،

أو ما دون ذلك. ومع ذلك كله فإن الأطروحة الجامعية التي قدمها الملك محمد السادس في العام 1985 كانت تحت عنوان «الاتحاد العربي - الإفريقي»، وقدمت في وقت أبرم فيه المغرب وليبيا معاهدة وجدة الوحدوية، لكن بقيت على الورق فقط، فيما كان الواقع على الأرض مختلف كلياً.

ويرجع المؤلف إلى سرد محاولة اغتيال الحسن الثاني والانقلاب عليه، حيث كان الملك الحسن يحتفل بعيد ميلاد بقصر «الصخيرات» في الثامن من يوليو عام 1971، وإذا بالجيش يستولي على السلطة، لكن الملك الحسن الثاني خرج كي يعلن من إذاعة طنجة عن فشل المحاولة التي قادها الجنرال أوفقير ساعد الملك الأيمن، والرجل القوي في عهده.

وعندما تكررت المحاولة في العام التالي تمت عملية إعدام الجنرال أوفقير، وخرج الملك الحسن الثاني يستشيط غضباً أمام التلفاز المغربي، وهو يتهدد ويتوعد قائلاً: «سأبيد الثلث ليقضي الثلثان في استقرار».

ويرى المؤلف أن نجاح التجربة المغربية يتوقف إلى حد كبير على مشاركة الجميع فيها. وحتى الآن استطاع محمد السادس تقديم الكثير من أجل ضمان المشاركة في مغرب أكثر إنسانية، مغرب لا يستثني أحداً من مواطنيه أو أيا من مناطقه، وقبل كل شيء مغرب متصالح مع نفسه.

عمر كوش

*الكتاب:المغرب في عهد محمد السادس: ماذا تغير

*الناشر: دار الساقي ـ بيروت 2007

*الصفحات: 278 صفحة من القطع الكبير