صدر هذا الكتاب (سنوات الضحك في السينما المصرية) للناقد السينمائي طارق الشناوي في إطار مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الواحدة والثلاثين الذي شهدت القاهرة فعالياته أواخر نوفمبر 2007.
ويرصد بالتحليل لصعود موجة الكوميديا أفلاما ونجوما في العشر سنوات الأخيرة أي ما بين 1997 حيث انطلق فيلم (إسماعيلية رايح جاي) لمحمد هنيدي ومحمد فؤاد وحتى 2007 حيث الموسم الصيفي الذي عرض خلاله فيلم كركر لمحمد سعد وكده رضا لأحمد حلمي وعندليب الدقي لمحمد هنيدي ومرجان أحمد مرجان لعادل إمام وغير ذلك، ثم يضع فيلموجرافيا لأفلام الفترة من 1997 إلى 2007، ويختتم الكتاب بملحق صور مختارة لعدد من الأفلام. وينطلق الكاتب في رؤيته من أن ما حدث للسينما المصرية من ثورة لم يكن بعيدا عن الحياة السياسية في مصر التي يريد لها الناس أن تتغير في الوجوه والأسماء، ومن ثم ما أقبل الجمهور المصري على هؤلاء النجوم الجدد، فكان أن تألق هنيدي ثم سعد وأخيرا حسب رأيه أحمد حلمي.
والشناوي ناقد سينمائي وكاتب صحافي بمجلة روز اليوسف تسعى رؤيته الثقافية الى سينما أفضل فكرياً وجمالياً، كما يبتعد عن مجاملة المبدع ويعتبرها نهاية الناقد، إذ يرى أن قول الحقيقة حول العمل الفني مسؤولية وموقف، له عدد من الكتب من بينها (سعيد مرزوق عاشق السينما) و(أنا والعذاب وأم كلثوم)، كما أعد وقدم عددا من البرامج التليفزيونية منها (عمالقة الفن السابع) على قناة أوربيت.
يرصد الشناوي لعدد كبير من المتغيرات شهدتها السينما المصرية في تلك السنوات العشر من بينها : أولا تضاؤل متوسط عدد الأفلام المنتجة سنويا، حيث كان المعدل 60 فيلما انخفضت إلى 20 فيلما، وثانيا : زيادة عدد شاشات دور العرض بسبب كثرة إنشاء الـ حفٌٌَّ، وثالثا أصبح النجم السينمائي يقدم فيلما واحدا في العام.
في حين أن نجوم السبعينات والثمانينات كان يصل معدل أفلامهم أحيانا 12 فيلما في العام، رابعا انتقال الصراع بين أفلام كبار النجوم من الأعياد إلى شهور الصيف والتي تحولت مع الأيام إلى مأزق عاشته السينما المصرية في آخر عامين وسوف تعيشه أكثر الأعوام القادمة، لأن شهر رمضان يزحف للأمام ويقلص شهور الصيف حتى انه هذا العام (يقصد 2007) وفي شهر رمضان لم تغلق دور العرض أبوابها وذلك حدث لأول مرة.
خامسا تغير نجم القمة بمعدل سريع محمد هنيدي 97، ثم محمد سعد 2002، ثم أحمد حلمي 2007، بينما استمر عادل إمام قرابة ربع قرن.، ومن جانب آخر أصبحت البطولة قائمة فقط للنجم وخفت تواجد نجمات هذا الجيل كبطلات مطلقات على الشاشة مثل الجيل الأسبق نادية الجندي ونبيلة عبيد.
ويؤكد الشناوي أنه لا يمكن تفسير الثورة التي حدثت قبل عشر سنوات عندما تغيرت خريطة الفن في مصر وخاصة السينما بمعزل عن الحياة السياسية في مصر التي يريد لها الناس أن تتغير في الوجوه والأسماء لكنها لا تتغير ولا تتحرك وتتمسك بنفس الوجوه والأسماء، رجل الشارع في أعماقه يريد التغيير وهو متلهف على ذلك لكن الأمر لم يتجاوز مجرد التمني وإلى الرغبة وإلى الفعل والقرار لأنه لا يملك الفعل وليس في يده القرار،
ولهذا يرضي بنجومه في السياسة والاقتصاد والثقافة، أما نجومه في الفن فإنه قادر إلى حد كبير على تغييرهم واستبدالهم إذا أراد، الجمهور يستطيع أن يقول للفنان استمر نحن نريدك أو يقول له شكرا نكتفي بهذا القدر، إنه شباك التذاكر أكبر سلطة ديمقراطية في بلادنا لا يمكن تزوير إرادتها لأنها تعبر عن مصالح مادية لا تعرف إلا من يبيع أكثر وله ثمن أكبر ولا تعترف بنسبة 9,99 % التي تعودنا عليها إلا إذا كان النجم بالفعل يستحق عن جدارة هذه النسبة.
ويضيف : لو أننا تتبعنا الأرقام منذ صيف عام 1997 عند عرض فيلم (إسماعيلية رايح جاي) لاكتشفنا أن النتيجة لم تكن مجرد نجاح فيلم أو نجم لكنها إرادة جمهور بات لا يطبق صبرا على التغيير ولا يهم أن يختار الأفضل فلم يكن (إسماعيلية رايح جاي)
بالمقياس الفني هو الفيلم الذي من الممكن أن تتحمس له فنيا وبالتأكيد ليس هو الأفضل لكنه فقط من خلال أداء محمد هنيدي البطل الثاني في الفيلم بعد البطل الأول، كان محمد هنيدي من خلال أدائه يجسد مفردات مغايرة تعبر عن رجل الشارع في العقد الأخير من الألفية الثانية.
ويرى الشناوي أن الراحل أحمد زكي لم يذهب إلى تلك السينما ولم يغير من طبيعة اختياراته، السينما هي التي خضعت له وظل المنتجون وحتى اللحظة الأخيرة يلاحقونه بأفكارهم حتى إنه عندما رحل كانت لديه على الأقل عقود لخمسة أفلام هو بطلها،
أما نور الشريف فقد توقف بضع سنوات ثم عاد في السنوات الأخيرة بما هو معروف عنه من مرونة.. ومحمود عبدالعزيز ابتعد خمس سنوات متتالية ثم أخيرا وقبل أن ينتهي هذا العام 2007 عرف كيف يجد لنفسه مكانا في ظل هذا الطوفان من خلال فيلم الـ (بيبي دول )..
ونادية الجندي منذ خمس سنوات وعلاقتها هي مجرد أخبار تنشر عن أفلام قادمة ولا تزال أفلامها القادمة قادمة، ونبيلة عبيد مناضلة من الطراز الأول لعبت بطولة قصاقيص العشاق من أربع سنوات ولم يحقق إيرادات تذكر أو حتى لا تذكر وعاودت المحاولة في (مفيش غير كده)
وهي من النوع الذي لا يستسلم وأراها وكأنها تقفز إلى بحر السينما الشبابية المتلاطم الأمواج بلا طوق نجاة، وليلى علوي ويسرا تتواجدان داخل أطراف الدائرة، أما إلهام شاهين فإنها ذهبت بعيدا إلى بحر الظلمات السينمائي.
وينتقد الشناوي الفنان محمد سعد قائلا : لو شاهدت أفيش أفلام سعد لن تجد إلا سعد يملك منحة الارتباط الشرطي بينه وبين الجمهور، هم يضحكون على أية حركة أو لفتة ودائما ما يفضل سعد أن يلعب بقانون التصلب الحركي ومن الممكن أن يقدم مئات بل آلاف من الفنانين هذه الحركات المتصلبة لكنها لن تضحك أحدا. الذي يضحك إذن ليس هو ميكانيزم التصلب .
ولكن الفنان نفسه الذي يؤدي ذلك، وسعد زادته الإيرادات التي حققها في أربع معارك سينمائية متتالية قناعة بأنه هو فقط الذي يعرف السر، لا كاتب ولا ممثل بجواره ولا مونتاج ولا موسيقى ولا صورة ولا إضاءة، ولأن الهدف هو أن يحتل كل المساحة على الشاشة فهو يلعب دورين في الفيلم فعلها من قبل في فيلمي (اللي بالي بالك) و(عوكل)،
أما في (بوحه) فإنه لم يغادر الشاشة مطلقا ولهذا اكتفي بدور واحد فقط، كان ينبغي أن يتم تلفيق الأحداث لكي يؤدي سعد دور الشبيه في (كتكوت) ويتحول في النهاية إلى بطل قومي ينقذ مصر ويجنب مترو الأنفاق الأخطار التي أوحى الفيلم أن مصدرها إسرائيل، طوال الأحداث لا يستطيع أي فنان أن يمر مجرد مرور عابر أمام الكاميرا.
إلا إذا حصل على إذن من سعد ولا يمتد دوره إلا إذا وافق سعد وإذا حدث وهذا من رابع المستحيلات فإنك تستطيع أن تلمح بأن سيطرة سعد امتدت أيضا إلى المونتاج وليس فقط التصوير والإخراج وعفوا التأليف.
لأنه لم يكن هناك تأليف ولكن الصحيح هو توليف، هل رأيتم شراسة أكثر من ذلك ؟ ووصل إلى الذروة في آخر أفلامه لهذا الموسم (كركر) حيث لعب خمس شخصيات، آخر فيلمين لسعد أخفقا تجاريا قياسا لما حققه من قبل فهل يوقظه هذا الإنذار ؟
وفي الوقت الذي ينتقد فيه الشناوي الفنان محمد سعد يؤكد أن أحمد حلمي هو فنان الكوميديا الصاعد بتؤدة وقوة مؤكدا أنه هو الفنان الوحيد بين نجوم الكوميديا الذي استطاع أن يقهر العدو الشرس الرابط داخله والذي يقول له أنت لا تحتاج إلى كاتب ولا مخرج، أنت الفيلم والفيلم أنت، الوحش دائما داخل الفنان وأحمد حلمي قهر الوحش،
وهو ما نجح فيه مع آخر أفلامه (كده رضا) الذي تصدر الإيرادات في الموسم الأخير ولا يزال يواصل تواجده داخل دور العرض، مؤكدا أن حلمي هو النجم الأول في ثورة تمرد المضحكين الجدد الثالثة.
محمد الحمامصي
*الكتاب: سنوات الضحك في السينما المصرية
*الناشر: وزارة الثقافة - القاهرة 2007
*الصفحات: 232 صفحة من القطع الكبير

