من خلال خبرته الطويلة في وسائل الإعلام الأردنية المختلفة من إذاعة، وتلفزيون، وصحافة، علاوة على نشاطه الأكاديمي أستاذاً للصحافة والإعلام بجامعة اليرموك. يقدم الدكتور تركي نصار هذا الكتاب الذي يعد الأحدث في مؤلفاته المتخصصة التي بدأها مع: أردني في الجولان، ووسائل الإعلام وقضايا المجتمع، علاوة على العديد من المساهمات في جريدة الرأي الأردنية.
في عشرة فصول، يتجول بنا المؤلف على مراحل ووحدات الإعلام الأردني عبر تاريخه. حيث يتناول النشأة الأولى للإعلام بصدور أول جريدة في بلجيكا عام 1605، كما صدرت أول جريدة يومية في العالم عام 1660. وعربياً بصدور جريدة الوقائع المصرية عام 1827، ثم جريدة البشير في بيروت، وجريدة الأهرام عام 1875.
إن تطور وسائل الإعلام في أي مجتمع يمر عبر ثلاث مراحل، وهي: مرحلة النخبة وتكون الجرعة الإعلامية من أجل إطلاعهم على ما يجري داخل وخارج البلاد، وبعض المواد التعليمية، والبرامج الترفيهية، علاوة على البرامج الدينية. ومرحلة الشيوع والتي تعتمد على زيادة نسبة المتعلمين بين السكان، وارتفاع مستوى المعيشة.
ثم مرحلة التخصص، وفيها يتم تقديم مواد إعلامية موجهة إلى كل فئة من فئات المجتمع، وهي تعتمد على عدة مقومات منها: مستوى التعليم، والدخل، عدد السكان، ووقت الفراغ. كما يتعرض الكاتب لتاريخ وزارة الإعلام الأردنية والتي كانت نشأتها الأولى من خلال «مديرية التوجيه الوطني» عام1985، والتي تضمنت دار الإذاعة الأردنية الهاشمية في عمان والقدس، وإدارة المطبوعات والنشر، وإدارة السياحة والآثار.
وبالتالي تحولت إدارة المطبوعات والنشر من وزارة الخارجية، ومن مجلس الوزراء إلى المديرية. وفي عام 1964 تحولت مديرية التوجيه الوطني إلى وزارة الثقافة والإعلام. ثم يتناول الكتاب السياسة الإعلامية الأردنية، والذي يشترك القطاع الخاص مع الدولة في ملكية مؤسساتها، والتي تهتم بضبط النشاط الاتصالي والإعلام بالمملكة.
حيث تم التشديد على الانتماء الوطني، والتمسك بالتراث العربي الإسلامي، والحض على التماسك الوطني في إطار وحدة الأمة العربية والتاريخ والمصير المشترك. كما تم تطوير فعاليات الإعلام الأردني الخارجي عن طريق تكثيف البث التلفزيوني والإذاعي الموجه، وتنشيط أدوار السفارات ومكاتب السياحة في الخارج، وتحفيز الاستثمارات من قبل الهيئات العربية والأجنبية.
كما أنشئت المحطة الأردنية للاتصالات الفضائية عام 1973. وفي استعراضه لتاريخ الصحافة الأردنية يستعرض الكاتب بعض الملامح العامة للصحافة العربية في بداياتها، مشيراً إلى تأخر الوعي المعرفي بالصحافة على المستوى العربي، وأن الصحافة ظاهرة رسمية سلطوية، واعتبارها صحافة رأي لا صحافة خبر، وذات مصادر تمويل ضعيفة، ومكبلة بالقيود الرقابية، وضعيفة الإخراج الفني،
وتهرب باستمرار من مواجهة السلطة، ومرتبطة من حيث مكان الصدور بمركز الحكم. غير أن بعض المؤشرات الإيجابية يمكن رصدها في نفس السياق، مثل: دور الأفراد في إصدار الصحف، وتكوين بعض الأفكار المعارضة، وتعدد اللغات المستخدمة، وإدخال وسائل الطباعة الحديثة. وقسم الكاتب تاريخ الصحافة الأردنية إلى ثلاث مراحل، وهي الصحافة في عهد الإمارة (1921 ـ 1946)،
ومرحلة وحدة الضفتين (1950 ـ 1967)، ومرحلة ما بعد 1967 وحتى الآن. وفي الإطار العام يمكن تصنيفها إلى صحف سياسية تعتمد طابع الاجتماع في الجوانب الأدبية، وصحف سياسية متخصصة تصدرها جهات رسمية أو هيئات عامة، وصحف ومجلات متنوعة.
ويستعرض المؤلف الأنظمة والقوانين الصحافية التي سادت في كل مرحلة وتعديلاتها المختلفة، مشيراً إلى توجهات الصحافة الأردنية والتي حكمتها الظروف التي مر بها الأردن والعالم العربي لاسيما مرحلة الحروب العربية - الإسرائيلية.
ويتناول الكاتب بالشرح والتحليل مراحل إنشاء نقابة الصحافيين الأردنيين عام 1953 في مدينة القدس والقوانين المنظمة لعملها وشروط العضوية وطبيعة النشاط. كما يستعرض التفاعل الجيد بين النقابة وغيرها من النقابات العربية وخاصة اتحاد الصحافيين العرب. ويتناول المؤلف الإذاعة الأردنية من حيث النشأة والتطور وفلسفة العمل.
حيث كانت بدايتها عام 1948 بعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث قام الجيش العربي الأردني بالتعاون مع بعض الموظفين العرب من العاملين بإذاعة الشرق الأدنى في القسم العربي بنقل أجهزة البث وفي حماية القوات المسلحة الأردنية التي شاركت في حرب فلسطين إلى منطقة رام الله. كما يشير إلى إنشاء إذاعة جبل الحسين عام 1956 في الضفة الشرقية لنهر الأردن لإدارة المعارك الكلامية مع الدول العربية المنتقدة للسياسة الأردنية.
وكانت محاور العمل الإذاعي تدور بشكل عام في: التثقيف - الأخبار - الترفيه. ويستعرض الكتاب نشأة التلفزيون الأردني. حيث تم التخطيط لإنشاء محطة تلفزيونية عام 1964 وفي عام 1966 وضع الملك حسين حجر الأساس لمبنى التلفزيون، والذي بدأ إرساله في 27 فبراير عام 1968 بشكل رسمي.
وكان البث بنظام الأبيض والأسود والذي تغير إلى البث الملون في 21 أبريل عام 1974، كما افتتحت القناة الفضائية الأردنية بثها عام 1993 على القمر الصناعي العربي «عرب سات»، وتمحورت فلسفة التلفزيون الأردني في محاور التعليم، والتثقيف، وتقديم الصالح العام، ورفع مستوى تذوق الفنون الرفيعة، وزيادة تجاوب المجتمع مع الآداب، واكتشاف المواهب الواعدة وكفالة فرص تدريبها وتطويرها.
كما يتحدث الكاتب عن العلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا ووسائل الإعلام المختلفة، وخاصة التلفزيون، وأثرها على سلوك المجتمع من خلال هذا الجهاز الذي انصهرت فيه عناصر العلم والفن ورأس المال والتكنولوجيا والإدارة والسياسة. كما يتعرض لنشأة وتطور دار المطبوعات والنشر الأردنية، حيث تعد من أقدم المؤسسات الإعلامية في الأردن.
وقد أصدرت أول نشرة إعلامية لها عام 1958 بعنوان «دليل الأردن الصحافي». وقد انقسم عملها ما بين إصدار المطبوعات وتوزيعها داخلياً وخارجياً، ومراقبتها. وقد تنوعت أدوارها وأهدافها بتغير الإطار القانوني والتنظيمي الحاكم لعملها.
كما تركزت أهدافها على نشر الثقافة بالمملكة وتدعيم وتكميل الإعلام الأردني، وتوصيل المواد الإعلامية للمواطن في إطار الخطوط العامة لسياسة المملكة. وفي استعراضه لنشأة وكالة الأنباء الأردنية «بترا» يشير المؤلف إلى بعض وكالات الأنباء العالمية مثل: وكالة الأنباء الفرنسية ـ وكالة رويتر ـ وكالة الأسوشيتد برس ـ وكالة اليونايتد برس ـ وكالة تاس السوفيتية.
وبعض الوكالات العربية مثل: وكالة أنباء الشرق الأوسط ـ وكالة الأنباء السعودية ـ وكالة الأنباء الفلسطينية ـ وكالة الأنباء التونسية. وقد تأسست الوكالة الأردنية عام 1969 كدائرة مستقلة داخلياً، وكجزء من وزارة الإعلام على قاعدة السياسة الإخبارية التي تركز على الحقيقة والموضوعية والهدف.
كما يقدم الكاتب صورة عامة للفنون الإعلامية المختلفة من خلال استعراضه لنشأة وتطور الحركة المسرحية الأردنية. وتطور المعاهد الموسيقية، والسينما الأردنية نشأةً وتطوراً وإنتاجاً وأهدافاً. كما يركز على أهمية الإعلام الغنائي وانعكاساته على المجتمع الأردني لاسيما باعتبار الأغنية الوطنية رسالة إعلامية موجهة في حد ذاتها.
ثم يتطرق الكتاب إلى مرحلة الأقمار الصناعية من خلال استعراضه لتأسيس المحطة الأردنية عام 1972 في منطقة البقعة شمال العاصمة عمان، وذلك لتأمين الاتصالات الهاتفية والبرقية والتلكس، علاوة على تأمين برامج التلفزيون الملونة.
ويشير الكاتب إلى الآثار التفاعلية ما بين وسائل الإعلام المختلفة من راديو، وفيلم، وتلفزيون، وسينما، وإذاعة مسموعة، وصحافة مكتوبة. وهو في هذا الصدد يشير إلى التسلسل المرحلي المنطقي لتطور كلٍ منها، وكذلك الدور التكميلي الذي لعبته كل وسيلة إعلامية لنظيرتها الأخرى،
كما أن المحصلة المتكاملة للحزمة الإعلامية هي ما يجب الإشارة إليه، والعمل على الوصول بهذا الهيكل المتكامل إلى الحالة المثلى والتي يستشعر فيها الفرد والمجتمع أن المنظومة الإعلامية الوطنية تحقق له درجة مقبولة من الإشباع ذات مستوى عالٍ من المصداقية والشفافية والجودة تزيد من ثقته في نفسه ومجتمعه ووطنه.
محمد جمعة
*الكتاب:تاريخ الإعلام الأردني
*الناشر: عالم الكتب الحديث - إربد 2007
*الصفحات:606 صفحات من القطع الكبير
