ساهم في تأليف هذا الكتاب العديد من المثقفين اليساريين في الغرب، وأشرف عليه المفكر سيباستيان بودجين رئيس تحرير إحدى المجلات الماركسية والمناضل من أجل مكافحة العولمة الرأسمالية.

ويرى الباحثون المشاركون في هذا الكتاب أن لينين قد ظلم في الآونة الأخيرة بعد أن انقلب معظم مفكري الغرب الأوروبي والأميركي على الماركسية. فلينين يستحق معاملة أخرى أقل احتقارا وأكثر احتراما للحقيقة التاريخية. فالرجل ناضل من أجل مجتمع عادل على الرغم من كل شيء. ولا ينبغي أن نستهين بشخصيته ولا بإنجازاته. لا ريب في أنه ارتكب أخطاء عديدة، ولا ريب في أن النظام الذي أقامه قد انهار في نهاية المطاف.

ولكن هذا لا يعني أن كل أفكاره خطأ في خطأ ولا معنى لها! هذا ظلم وإجحاف، فالرجل كان يمتلك رؤية واضحة للمستقبل، وكانت له نظريات لا يستهان بها وبخاصة فيما يتعلق بتحليل الظاهرة الرأسمالية والإمبريالية. وقد آن الأوان لكي نعود إلى هذه النظريات التي اختفت من الساحة. فقد تساعدنا على فهم الواقع القائم اليوم.

فنحن أيضاً منخرطون في الحركات المضادة للعولمة الرأسمالية مثلما كان هو منخرطا في نضالات عصره ضد الإمبريالية. لكن من هو لينين يا ترى؟ عن هذا السؤال يجيب المشرف العام على الكتاب قائلا: ولد فلاديمير ايليتش لينين عام 1870 ومات عام 1924 عن عمر لا يتجاوز الرابعة والخمسين. ومع ذلك فقد ترك وراءه أثرا لا يمحى.

وكان لينين إنسانا ثوريا ورجلا سياسيا روسيا من أعلى طراز. وقد انخرط في البداية في صفوف الحزب العمالي الاشتراكي الديمقراطي لروسيا. ثم أصبح مؤسسا وقائدا للحزب البلشفي وأحد قادة الثورة الروسية إن لم يكن قائدها الأكبر. كما وأصبح مؤسسا للاتحاد السوفييتي. وبالتالي فإنجازاته لا يستهان بها على الرغم من عمره القصير.

ويبدو أن الحدث الذي جعل لينين يصبح ثوريا هو مقتل أخيه على يد قوات القيصر بعد اتهامه بالمشاركة في مخطط لاغتياله. ويرى المؤلف أن هناك حادثتين مأساويتين في حياة فلاديمير ايليتش لينين: الأولى هي موت والده المبكر بسبب نزيف دماغي. والثانية هي شنق أخيه الأكبر، وهو في عز الشباب.

بعدئذ حقد لينين على النظام الملكي السابق وقرر الانخراط في أي حركة ثورية من أجل قلبه والقضاء عليه. وبالتالي فهناك دوافع شخصية تقف وراء العملية وليس فقط دوافع إيديولوجية أو سياسية، أو قل إن كلا النوعين من الدوافع لعب دوره في تأليب لينين على النظام القائم.

ولذلك وبدلا أن يستلم وظيفة شرعية أو رسمية لكسب عيشه راح لينين ينخرط أكثر فأكثر في العمل الثوري السري ونشر الأفكار الانقلابية الجديدة الآتية من جهة الغرب. ولأجل ذلك انهمك في دراسة الماركسية التي كانت تشكل آنذاك أكبر عقيدة ثورية في أوروبا.

وقد تابع دراساته العليا في مدينة سانت بطرسبورغ عاصمة الإمبراطورية الروسية. وهي المدينة التي سيصبح اسمها ليننغراد بعد وفاة لينين تيمنا باسمه. ولكنها استعادت اسمها الحقيقي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991.

وقد اهتم لينين بدراسة حياة الإرهابي الثوري الشهير سيرج نيتشاييف الذي أخذ عنه فكرة العمل الانقلابي والتنظيم السري المحكم البناء. كما وأخذ عنه المبدأ المكيافيللي الذي يقول بأن الغاية تبرر الوسيلة. ولكن السلطات القيصرية قبضت على لينين عام 1895، أي وهو في الخامسة والعشرين من عمره.

وكان ذلك بعد أن راقبته طويلا واكتشفت نواياه الثورية والانقلابية. وقد سجنوه لمدة سنة كاملة قبل أن يرسلوه إلى المنفى في سيبيريا. وهذا ما كانوا يفعلونه مع جميع الكتاب والمناضلين السياسيين المضادين للنظام القائم. انظر حالة دوستويفسكي.

وهناك التقى بامرأة مناضلة مثله تدعى ناديا كردبسكايا، فتزوجها عام 1898. وفي عام 1899 نشر لينين كتابا بعنوان: تطور الرأسمالية في روسيا. وفي عام 1900 انتهى منفاه فسافر إلى أوروبا ونشر هناك جريدة بعنوان «الشرارة». وكانت لسان حال الحزب الاشتراكي العمالي الروسي.

ثم راح ينخرط أكثر فأكثر في نشاطات الحزب العمالي الاشتراكي الديمقراطي لروسيا. وقد ساهم في انشقاق الحزب إلى تيارين عام 1903: تيار البلاشفة، وتيار المناشفة. وقد برر ذلك من خلال كتابه الشهير: ما العمل؟ وفي عام 1905 انتخبوه عضوا في اللجنة المركزية للحزب. وأما في عام 1907 فقد انتقل إلى فنلندا للإقامة فيها بعد أن شعر بأن حياته الشخصية أصبحت في خطر مادام في روسيا، فقد ابتدأت السلطات بالتفكير باغتياله جديا.

وهناك أسس جريدة «البرافدا» التي تعني في اللغة الروسية: الحقيقة. وقد أكثر من رحلاته داخل أوروبا في تلك الفترة من أجل المشاركة في المؤتمرات الحزبية والسياسية أو من أجل الالتقاء بالروس الآخرين وأيضا المناضلين الاشتراكيين الأوروبيين.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 رأى فيها نوعا من صراع القوى الإمبريالية العظمى على العالم. فهي تريد أن تقتسم خيراته وثرواته ومناطق نفوذه فيما بينها لا أكثر ولا أقل. وفي أثناء الحرب أو أواخرها أصدر كتابه الشهير: الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية (1917).

ثم يردف المؤلف قائلا: وعندما سقط القيصر نقولا الثاني كان لينين خارج روسيا كالعديد من المنفيين الروس. وعندئذ عاد مع مجموعة من الثوريين وبحراسة الأمن الألماني الذي ملأ القطار وبعملائه. وعندئذ ظن البعض بأن الألمان اشتروا لينين بعد أن وعدهم بإقامة سلام منفصل معهم إذا ما سقط النظام القيصري واستلم هو السلطة.

وهذا شيء جائز ولا يسيئ إطلاقا إلى سمعة لينين الشخصية ثم اندلعت الثورة البلشفية في شهر أكتوبر من عام 1917 وعندئذ أصبح لينين قائدا للثورة والبلاد وعمره لا يتجاوز السابعة والأربعين. وكان أول قراراته تأميم الأراضي من أجل القضاء على النظام الإقطاعي القيصري، ثم تأميم المعامل والشركات الصناعية تطبيقا للمبادئ الماركسية، ثم إعلان ديكتاتورية البروليتاريا.

ثم واجه لينين بعدئذ الثورة المضادة التي قام بها أنصار النظام القديم. وهذا ما دفعه إلى اتخاذ قرارات دموية خطيرة كان أولها: تصفية القيصر جسديا مع كل عائلته وحاشيته. ولكن في عام 1918 عندما كان لينين خارجا من أحد الاجتماعات ومتوجها إلى سيارته نادته امرأة من الخلف فاستدار نحوها فأطلقت عليه ثلاث رصاصات.

وقد أصابته الأولى في الكتف والثانية في الرئة، والثالثة ذهبت في الفراغ. فنقلوه فورا إلى الكرملين حيث توجد شقته الخاصة. وعندئذ رفض الذهاب إلى المستشفى خوفا من أن يكون هناك قَتَلَة آخرون بانتظاره.

ثم استطاع الأطباء استخراج الرصاصتين من جسده واستعاد لينين عافيته نسبيا ولكنه أصبح ذا صحة هشة ومهددة. وفي عام 1919 قرر لينين مع القادة البلاشفة الآخرين الانشقاق عن الاشتراكيين وتأسيس الأممية الشيوعية.

وبدءا من تلك اللحظة أصبح معروفا كشيوعي لا كاشتراكي. وعندئذ أسس الحزب الشيوعي السوفييتي وأصبح السكرتير العام الأول له في التاريخ. وعندئذ اتخذ قرارا خطيرا وغير ديمقراطي ألا وهو: منع كل الأحزاب الأخرى ما عدا الحزب الشيوعي.

*الكتاب:إعادة الاعتبار للينين: من أجل سياسة الحقيقة

*الناشر:مطبوعات جامعة ديوك - 2007

*الصفحات: 337 صفحة من القطع الكبير

Lenin reloaded: toward a politics of truth

Duke University Press2007

P.337