فريدريك ريغان حامل لشهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة السوربون، وهو يقوم اليوم بتدريس هذه المادة في جامعتي الأنتيل وغويانا، أي في مقاطعات فرنسا ما وراء البحار. ساهم في تأليف العديد من الدراسات ،خاصة حول حملة نابليون بونابرت على مصر وحول العبودية في جزر الأنتيل أثناء الثورة الفرنسية .

ألّف مع آخرين كتابا تحت عنوان «التمرّد في غوادلوب 1801 ـ 1802» ـ غوادلوب هي إحدى المقاطعات الفرنسية فيما وراء البحار ـ . صدر له عام 2004 «العبودية، التهجين، الحرّية». هذا الكتاب أصبح اليوم مرجعا في ميدانه.

الكتاب الجديد «فرنسا وعبيدها، من الاستعمار إلى إلغاء الرق» يدرس على مدى الفصول التسعة التي يتألف منها تاريخ ما يزيد على قرنين من العبودية التي مارستها فرنسا على حوالي أربعة ملايين من العبيد الذين جرى استقدامهم للعمل في المناطق التي كانت تعود ملكيتها لفرنسيين .

مليونان من هذه الملايين الأربعة تمّ نقلهم من بلدان مولدهم في القارة الإفريقية بواسطة السفن التي استخدمتها تجارة العبيد . أمّا المليونان الآخران فقد كانا من مواليد المناطق التي استعمرها الفرنسيون.

عناوين فصول هذا الكتاب التسعة لها دلالاتها الواضحة على مضمونه. ذلك أنها تتحدث عن «الخيارات الاستعمارية لملوك فرنسا والخيارات الاستعبادية للمستعمرين الفرنسيين» و «التجّار والمستعمرون

وتجارة العبيد» والعلاقات المعقّدة بين السيد والعبد « ويحمل أحد الفصول عنوان «الحرّية دون المساواة» وتبحث عدّة فصول في التغيرات الاجتماعية ومفاهيم السلطة والمواطنة وتختتم الفصول بواحد يدرس مسألة العبودية منذ «العودة غير الكاملة للنظام القديم حتى الإلغاء الثاني للرق».

تجدر الإشارة في البداية إلى وجود العديد من الكتب التي عالجت مواضيع الاستعمار الفرنسي وتاريخ كل مستعمرة والتاريخ العام لمسألة تجارة العبيد . ولكن قد يكون هذا الكتاب هو الأول الذي يؤرّخ لسياسة العبودية التي مارستها فرنسا في مجمل مستعمراتها وخلال الفترة الاستعمارية كلّها.

إن مؤلف هذا الكتاب يحاول الإجابة عن العديد من الأسئلة الجوهرية مثل: لماذا لجأ الفرنسيون إلى ممارسة سياسة الاستعباد؟ ولماذا لجأوا إلى تجارة العبيد؟ ما هي الأسس التي قامت عليها المفاهيم العنصرية الخاصّة بالتمييز بين الأبيض والأسود؟

ما هي الفوائد التي جنتها فرنسا من اقتصاد العبودية؟ لماذا عادت فرنسا إلى فرض العبودية بعد أن ألغتها أوّل مرّة ؟ ما هو دور العبيد أنفسهم وأنصار المساواة من الفرنسيين البيض في إلغاء الرق؟

الطريقة التي تتم بها معالجة موضوع العبودية لا تنحصر أبدا في بحث العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها وإنما بالأحرى في البحث عن الأسباب التي دعت الفرنسيين إلى اللجوء إلى اليد العاملة ذات الأصول الإفريقية؛ وأيضا في محاولة معرفة الآليات التي غيّرت طبيعة البنى الاجتماعية للعبيد.

ويرى المؤلف أنه من المفيد في البداية تحديد المناطق المقصودة بالعبودية. ومن أهمها كل من سيشل وتوباغو وغرانادا وغوادلوب وغويانا وجزيرة بوربون (ريينيون) وجزيرة فرنسا(موريس) ولويزيانا والمارتينيك ...الخ. ويحدد الفترة المدروسة في بدايات الحقبة الاستعمارية الفرنسية عام1621 حتى إلغاء الرق للمرّة الثانية عام 1848، أي حتى إلغائه نهائيا من قبل الحكومة الفرنسية.

ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أنه قد جرى إدخال نظام استغلال العبيد في جميع المناطق التي وقعت تحت الاحتلال الفرنسي وحتى كندا .. هنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى أن البرتغاليين والاسبانيين هم كانوا أول الذين استكشفوا الشواطيء الإفريقية والأميركية .

بل وكانوا قد اقتسموا فيما بينهم حسب معاهدة موقعة عام 1494، أي عام اكتشاف اميركا «العالم الجديد»، المناطق التي كانوا بصدد احتلالها في القارات غير المستغلّة وبحيث جرى ترسيم التقسيم حسب خط الدرجة 37 غربا. هكذا سيطر الاسبان على عموم الممتلكات الأميركية باستثناء البرازيل التي كانت من حظ البرازيليين.

خدمت جزر منطقة الأنتيل في البداية كنقاط لتجميع المنتوجات التي تجلبها السفن الاسبانية وخاصّة الذهب. هذا إلى جانب أنها كانت مواقع لتزويد تلك السفن بالمؤن الضرورية. في ذلك الوقت كان البرتغاليون يعززون مواقعهم أكثر فأكثر في البرازيل بأمل الوصول إلى العثور على «الدورادو»، بلاد الذهب.

بكل الحالات كانت تسري في عموم القارة الأوروبية كلها الحكايات والأساطير حول الثروات الخرافية مما خلق اهتماما مشبوبا بالعوالم الجديدة. في مثل ذلك السياق قام ملك فرنسا فرانسوا الأول بتشجيع الاكتشافات البحرية. وذلك على خلفية المنافسات السياسية التي قامت بين القوى الأوروبية الكبرى آنذاك.

لكن أيضا على قاعدة نزعة احتجاجية حيال الهيمنة الاسبانية ـ البرتغالية على القارة الأميركية بعد اكتشافها. لكن الرحلات الاستكشافية الأولى لحساب ملك فرنسا لم تؤد على أي احتلال دائم . وتتم الإشارة هنا إلى أن محاولات الإقامة الدائمة لمستوطنين ( مستعمرين ) فرنسيين في البرازيل أو في غويانا ما بين 1555 و 1615 باءت كلّها بالفشل . ونفس الفشل لاقته أيضا محاولات استعمار فلوريدا .

الاستثناء الوحيد كان القدرة على إقامة مستعمرة استيطان فرنسية في كندا اعتبارا من عام 1608. ويرى المؤلف أن الاعتراض على الهيمنة الاسبانية ـ البرتغالية دفع ملوك فرنسا إلى القيام بمهاجمة تجارتهما وامبراطوريتيهما الاستعماريتين.

في زمن الحرب كما في زمن السلم. وحاول البحارة الفرنسيون في مثل ذلك السياق تطبيق مباديء المساواة في المعاملة على جميع السفن في البحار والمحيطات . بكل الحالات يتم التأكيد أن المنشآت الاستعمارية الفرنسية الأولى قامت نتيجة لمبادرات خاصّة دعمها الملوك.

في مثل تلك الظروف تنشّطت «عمليات» المغامرين الفرنسيين وتجارتهم في بحر الأنتيل اعتبارا من منتصف القرن السادس عشر . وكانت هناك حملة فرنسية كل سنة تقريبا خلال تلك الفترة .

وفي نفس الفترة بدأت منطقة الكاريبي بزراعة منتوجات قابلة للتبادل مع المنتوجات الأوروبية، مثل التبغ . أمّا العلاقات بين المستعمرين عامة وبين أبناء المنطقة فقد كانت ذات طابع سلمي بالأحرى في بدايات القرن السابع عشر.

وفي عام 1605 لجأ عدة مئات من العبيد الأفارقة إلى المارتينيك بعد غرق سفينتهم . وقد جرى استخدامهم في الزراعة . وقد بدأت في تلك الفترة عملية «التهجين» عبر الزواج المختلط.

واعتبارا من مطلع سنوات العشرينات من ذلك القرن (السابع عشر) أخذ الفرنسيون بالاستيطان بعد عدة عقود من الاحتكاك المسبق مع السكان المحليين. وكانوا في الوقت نفسه قد خبروا الكيفية التي يستخدم فيها الاسبانيون اليد العاملة «المستوردة» من الخارج.

ويتم في هذا السياق التأكيد على الدور الذي لعبه الكاردينال دو روشوليو وهو أحد أهم السياسيين في تاريخ فرنسا كله والذي تولّى عام 1626 منصب وزير البحرية والتجارة قبل أن يصبح كبير الوزراء، في مدّ نفوذ السلطة الملكية الفرنسية وفي تطوير الزراعة وفي نشر المسيحية بمستعمرات فرنسا فيما وراء البحار.

وما يتم التأكيد عليه أيضا هو أن مسألة تزويد أوروبا بسلع مثل التبغ ثم السكّر ثم القهوة أدّى إلى حصر احتكار تجارتها إلى السوق الفرنسي بالمستوطنين الفرنسيين . بالمقابل دفع «نضوب» السكان المحليين إلى البحث عن يد عاملة من إفريقيا. هكذا أضيفت إلى تجارة المنتوجات تجارة أخرى هي تجارة العبيد.

وقام رجال الكنيسة بدورهم في تعميدهم وزرع قيم احترام السلطة البيضاء فيهم. وتدل التحليلات المقدّمة أن التمرّدات الكبرى التي قام العبيد بها كانت قليلة . لقد كانت الرقابة شديدة ؛ ولكن أشكال المقاومة كانت عديدة ولم يكن أقلّها السلبية في العمل .

وعندما قامت الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 لاحت في الأفق إمكانيات تحرير العبيد . هكذا جاء دستور 1794 كي يلغي العبودية رسميا. وفي مثل ذلك السياق أيضا قامت الجمهورية «السوداء» الأولى في هاييتي عام 1804.

لكن نابليون بونابرت تراجع عن إلغاء العبودية واتبع النظام الملكي الذي استرجع الحكم النهج نفسه . مع ذلك واعتبارا من عام 1830 عاد التيار الداعي إلى إلغاء العبودية للبروز من جديد في ظل ازدهار الفلسفات ذات الطابع الإنساني. ثم جاءت ثورة 1848 كي تضع حدا نهائيا للرق. كتاب عالج مؤلفه ظاهرة العبودية بكل تعقيداتها ودون أي دخول في الشعارات.

*الكتاب:فرنسا وعبيدها من الاستعمار إلى إلغاء الرق

*الناشر: غراسيه ـ باريس 2007

*الصفحات:368 صفحة من القطع المتوسط

de la colonisation aux abolitions

Grasset -Paris 2007

P. 368