مؤلفة هذا الكتاب هي مارغريت سي. جاكوب أستاذة تاريخ الأفكار في جامعة كورنيل سابقاً وفي المدرسة الجديدة للعلوم الاجتماعية حالياً. وهي مختصة بدراسة فكر القرن الثامن عشر، أي عصر التنوير بالذات. وكانت قد نشرت سابقاً كتاباً بعنوان: التنوير في الحياة اليومية: الماسونية والسياسة في عصر التنوير. وهي معروفة عالمياً وقد أصبحت كتبها مراجع كلاسيكية لجميع الباحثين المهتمين بالموضوع.

وفي هذا الكتاب الجديد تواصل الباحثة دراساتها السابقة وتضيف إليها أشياء جديدة واكتشافات علمية لا يستهان بها. وهي تقسم كتابها إلى ثلاثة أقسام أساسية: الأول مكرس لدراسة تيار وحدة الوجود، والثاني لدراسة التيار الماسوني، والثالث لدراسة التيار الجمهوري.

ومنذ البداية تقول المؤلفة ما معناه: ينبغي العلم بأن عصر التنوير كان منقسما إلى قسمين أساسيين: التنوير المؤمن، والتنوير الملحد، أو التنوير المعتدل والتنوير الراديكالي المتطرف. الأول كان يؤمن بالله ولكن دون أن يلتزم بأداء الطقوس والشعائر المسيحية. والثاني لم يكن مؤمنا بالمعنى التقليدي للكلمة.

فأتباع وحدة الوجود وعلى رأسهم سبينوزا الذي كان قد كرس له كتابا كاملا لتوضيحه هو: كتاب الأخلاق، وهو من أشهر الكتب في تاريخ الفلسفة. ولكن رجال الدين من يهود ومسيحيين أدانوه واعتبروه كفرا ما بعده كفر. ومعلوم أن سبينوزا تراجع عن نشره في حياته بعد أن عرف أن اللاهوتيين المسيحيين سوف يغتالونه إذا ما فعل ذلك.

ولهذ السبب أوصى بنشر الكتاب بعد مماته. وهذا ما كان. ولكن كان هناك فلاسفة آخرون يمشون في الاتجاه نفسه أو قل في اتجاه مشابه. نضرب عليهم مثلا ديدرو صاحب الموسوعة الشهيرة، أو البارون دولباخ صاحب كتاب نظام الطبيعة، أو سواهما من الفلاسفة الماديين وهؤلاء كلهم خرجوا على العقيدة المسيحية وقدموا تصورا آخر للحياة والكون.

ثم تنتقل المؤلفة إلى الماسونية وتقول بما معناه: إن الماسونية هي عبارة عن نوع من الجمعيات ذات الطقوس السرية التي ظهرت لأول مرة في اسكتلندا ثم في انجلترا إبان القرن السابع عشر. وهي تعرّف نفسها على النحو التالي: إنها جمعية فلسفية هدفها خدمة البشرية بالدرجة الأولى.

وهي تشجع أتباعها على العمل من أجل تقدم البشرية عن طريق تبني المناهج العلمية والعقلية. ولهذا السبب اصطدمت الماسونية بالكنيسة المسيحية التي اتهمتها بالهرطقة والزندقة. وقد أدانها البابا أكثر من مرة باعتبار أنها تمثل خروجا على الدين.

ثم تضيف المؤلفة قائلة: إن الماسونية ليست بعيدة عن التصورات الدينية للفيلسوف الفرنسي الشهير: فولتير. فهي مثله تؤمن بوجود كائن أعلى أو مهندس أكبر ينظّم هذا الكون الذي نعيش فيه.. ولكن هناك عدة تفسيرات لهذا الكائن الأعلى، فبعض الماسونيين يتصورونه على طريقة فولتير، وبعضهم الآخر على طريقة سبينوزا وغوته وأتباع وحدة الوجود.

وبعض التيارات الماسونية تعلن صراحة إيمانها بوجود الخالق وخلود الروح بعد الموت. ومعلوم أن الجمعيات الماسونية الموجودة في البلدان الاسكندنافية لا تقبل إلا المسيحيين وترفض الملاحدة. ومن أهم القيم التي تركز عليها الماسونية قيمة التسامح ورفض التعصب بكل أشكاله. وهذا الموقف يعتبر بمثابة رد فعل على محاكم التفتيش والحروب المذهبية التي اكتسحت أوروبا في العصور السابقة.

وبالتالي فإن الماسونية هي حركة تنويرية بالدرجة الأولى، ولكنها اكتسبت سمعة سوداء لاحقا بسبب الطابع السري الذي اتخذته هنا أو هناك، أو كذلك بسبب انحراف بعض قادتها عن المبادئ المثالية من أجل خدمة مصالحهم الشخصية.

وقد ارتبط اسم الماسونية بالثورة الفرنسية والنظام الجمهوري الذي نتج عنها. ومعلوم أنها اتخذت كل أبعادها في فرنسا بعد انتصار الثورة، بل وأصبحت تنافس الكنيسة الكاثوليكية على اجتذاب الشبيبة. ولهذا السبب أعلن الفاتيكان عليها الحرب واتهمها بالإلحاد والنزعة المادية الصرفة.

وساهم في تشويه سمعتها إلى أقصى حد ممكن. وترى الكنيسة الكاثوليكية أن الماسونية تشكل خطرا على الشبيبة الأوروبية لأنها تحارب الدين ولا تهتم بتأدية طقوسه وشعائرها. يضاف إلى ذلك أنها تساوي بين الأديان كلها ولا تفضل أي دين على الأديان الأخرى.

وبما أن الفاتيكان يعتبر المسيحية في مذهبها الكاثوليكي أفضل دين في العالم فإنه يكره الماسونية التي ترفض الاعتراف بذلك. وكانت أول فتوى أطلقت ضد الماسونية من قبل البابا قد حصلت عام 1738: أي في أوائل القرن الثامن عشر. ثم توالت الفتاوى بعدئذ على مدار القرون. وكلها تكفّر من ينتسب إلى الماسونية من بين المسيحيين.

ثم انقسمت الكاثوليكية إلى قسمين تجاهها، قسم يريد الاعتراف بها والكف عن تكفيرها، وقسم يصر على إدانتها، وقد مثّل القسم الأول التيار المستنير للبابا يوحنا الثالث والعشرين. ومثّل التيار الثاني البابا الحالي.

ثم تضيف المؤلفة قائلة: وأما موقف المسلمين من الماسونية فقد كان عنيفا أيضا، فقد أدانها الأزهر عام 1978 ومنع المسلمين من الانتساب إليها تماما كما فعل الفاتيكان سابقا. ولكن المغرب ولبنان وتركيا رفضت العمل بهذه الفتوى المصرية.

والواقع أن الأحزاب الكاثوليكية في أوروبا كانت ولا تزال من ألد أعداء الماسونية. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن أحزاب اليمين أو اليمين المتطرف. ولكن التيارات اليسارية أو الاشتراكية تعتبر محبّذة لها أو قريبة منها فكريا.

ولكن الأحزاب الشيوعية أدانت الماسونية أو أنه قاطعة منذ أيام لينين وتروتسكي. ومعلوم أن هذا الأخير دعا الحزب الشيوعي الفرنسي إلى فصل أعضائه المنتمين إلى الماسونية. وقال بأن الشيوعية والماسونية شيئان متعارضان لا يلتقيان. والسبب هو أن الماسونية لا تؤمن بصراع الطبقات وإنما تضم أعضاء ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة. فهي تؤمن بتعايش الطبقات لا صراعها.

وأما النازية فقد أدانت الماسونيين أيضا، بل ولاحقتهم في زمن هتلر وقتلت منهم عددا كبيرا يتراوح بين ثمانين ألفا ومئتي ألف شخص. ثم تنتقل المؤلفة إلى القسم الثالث والأخير من كتابها وتقول بما معناه: إن الجمهوريين الأوائل ينتمون إلى التيار الراديكالي في التنوير.

لا ريب في أن بعضهم كان من أتباع جان جاك روسو وكوندورسيه وسواهما من فلاسفة التنوير المعتدل. ولكن الكثيرين كانوا يريدون الإطاحة بالعقيدة المسيحية القديمة لأنها تحالفت تاريخيا مع النظام الملكي السابق أو العهد القديم.

وبالتالي فإن حقد الجمهوريين على الحزب الكاثوليكي كان كبيرا. وقد جرت المعارك بينهما على مدار التاريخ الحديث. وخضبت شوارع باريس بالدم أكثر من مرة طيلة القرن التاسع عشر. وبلغت المعارك أوجها إبان كومونة باريس حيث انتفضت القوى العمالية واليسارية ضد النظام البورجوازي.

ولكن الجمهورية انتصرت في نهاية المطاف على النظام القديم. والواقع أن الجمهوريين كانوا من أتباع فلاسفة التنوير الكبار وبالأخص فولتير وديدرو وجان جاك روسو.

*الكتاب:التنوير الراديكالي

أتباع وحدة الوجود، والماسونيون والجمهوريون

*الناشر:كورنرستون بوكس 2007

*الصفحات :304 صفحات من القطع الكبير

The radical enlightenment

Pantheists, Freemasons and Republicans

Cornerstone Book Publishers2007

P.304