يعمل جان ديدييه فانسان أستاذاً في كلية الطب بباريس وفي المعهد الجامعي الفرنسي، وهو عضو في أكاديمية العلوم. عمل لسنوات في الولايات المتحدة الأميركية كباحث في ميدان الفيزيولوجيا العصبية.

قدّم العديد من الكتب في مجال الدراسات الخاصة بالدفاع الإنساني لاسيما من زاوية العلاقة مع العواطف الإنسانية وذلك على خلفية قناعته التي عبّر عنها بأشكال مختلفة والقائلة أن الإنسان هو أكبر وأعظم من أي فهم لآليات عمل دماغه. ومن كتبه: «بيولوجيا الأهواء» و«الجسد والشيطان» و«الرغبة والكآبة».

«رحلة استثنائية إلى مركز الدماغ»، الكتاب الجديد للمؤلف يستحق بجدارة اعتباره «دليلا حقيقيا كاملا للدماغ». بالطبع في حدود المعارف التي توصل إليها الباحثون حتى هذه اللحظة. ولكن دائما بعيدا عن «الجمود» العلمي «التشريحي» فالمؤلف ـ العالم شديد الاعتزاز بموهبته الأدبية من جهة، وبالبعد الإنساني لديه من جهة أخرى.

وفي بداية «الرحلة الاستثنائية» إلى مركز الدماغ يطرح المؤلف بعض الأسئلة التي تُفصح عن اهتمامات لدى جميع الناس تقريبا، مثل ما هو الحب؟ وكيف تعمل الذاكرة؟ وكيف يصبح الإنسان مدمنا لبعض المخدرات؟ ما هو مصدر الرغبة في الأكل أو في الشرب؟ لماذا تؤثر انفعالاتنا أحيانا على خياراتنا وعلى قراراتنا؟ هل هناك آمال جديّة في معالجة أمراض «دماغية» من صنف الزهايمر وباركنسون؟

أسئلة يحاول المؤلف الإجابة عليها على مدى 16 فصلا تحمل عناوين مثل «النوم» و«الأكل» و«العطش» و«وادي المتع» و«دروب الحب» و«خزانة الذكريات» و«صالون الفنون الجميلة» و«دماغ الآخر» و«حديقة اللغات»، الخ.

في الفصل الأول الذي يحمل عنوان «مع من تسافر»؟ يؤكد المؤلف أنه يريد مساعدة القارئ على فهم دماغه، ولكن بعيدا عن أية مقاصد ذات طابع علاجي أو غيره، بل إن ما يهمه بالدرجة الأولى هو تقريب مسالك هذه «القارة المجهولة» إلى من «يرافقه» في رحلة القراءة»، ذلك عبر الاستفادة من التقدم الهائل الذي تمّ تحقيقه على صعيد فهم الدماغ.

ويحذر المؤلف منذ البداية أيضا من «توهم» أن الدماغ أصبح «معروفا». فالمسألة لا تزال في حدود «التنقيب» ومحاولة الاستكشاف على طريقة «المستكشفين» في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الذين كانوا يعرفون وجود بلد من البلدان ولكن دون إدراك حقيقي بتقاليده أو بآليات عمل مجتمعة.

هكذا في الحالتين، أي الخاصة بمعرفة البلدان سابقا ومعرفة الدماغ الإنساني اليوم، هناك نوع من «المعرفة الجغرافية»، بكل ما تحمله من مناقب ومثالب. وإذا كانت التكنولوجيات الحديثة على صعيد التصوير الشعاعي وغيره قد أحرزت تقدما مدهشا،

إلا أنه من الخطأ الاعتقاد، كما يقول المؤلف، أنه يمكن بواسطتها «رؤية» الدماغ وهو يعمل، أي وهو في «حالة تفكير». مثل هذا الاعتقاد لا يمت بأية صلة حقيقية مع العلم، بل إنه برأيه مجرد «توهم كامل». ما يؤكده هو أنه يريد دراسة «عادات» الدماغ وأشكال «ممارساته».

بكل الحالات يحدد المؤلف الدماغ على أنه «تعبير عن الفرد الذي يحمله، تعبيره المباشر». وهو يعود إلى استخدام «مسميات» بعيدة عن القاموس «التقني» لميدان الطب العصبي والذي يستخدمه الأخصائيون فيما بينهم، هكذا يعود مثلا إلى الفيلسوف اليوناني القديم «ابيقور» كي «يستعير» منه تعريفه للروح على أنها «صرخة الجسد».

ويقول المؤلف من جهته أن الإنسان هو «جسد» يشكل الدماغ «عاصمته». وإنه لن يكون هناك دماغ ولا «روح» من دون جسد، ثم إن التعبير عن مختلف العواطف من فرح وألم وخوف وخلافها هي مهمة الدماغ.ما يؤكد عليه المؤلف في تحليلاته هو أنه يرفض بشكل قاطع «تفريغ» الإنسان من «ذاته» الإنسانية.

ولذلك يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن تلك الأطروحات التي لا ترى في الكائن الإنساني سوى «بعده البيولوجي» كي يؤكد بالمقابل على «البعد الإنساني»، وذلك بمعنى أن الخصوصية التي يتميّز بها الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى هي في «علاقته مع الإنسان الآخر»، وهي علاقة يمكن أن تقوم على التعاطف أو التنافس. على مثل هذه العلاقة اعتبر الفيلسوف الفرنسي الكبير جان بول سارتر أن «معرفة الذات» تمر بالضرورة عبر «الآخر».

لكن المؤلف يؤكد على «تواضع» ما حققته الدراسات البيوعصبية فيما يتعلق بمعالجة «الأمراض العقلية». إذ أن ما تمّ التوصل إليه لا يتجاوز واقعيا «تخفيف الآلام» بينما بقي الغموض يلف حقيقة أمراض كـ «الانهيار العصبي» والفصاح «شيزوفرينيا» و«الزهايمر» الذي يمثل «السبيل الأكثر رعبا من أجل الشيخوخة».

وإذا كانت تقنيات التصوير الشعاعي الجديدة قد سمحت بتحديد بعض أشكال «الانكماش» في مناطق معينة من الدفاع، فإنها بالمقابل لم تسمح بمعرفة سوى القليل عن آلية عمل هذا الدماغ. بكل الحالات تبقى الإصابات «الدماغية» هي أسوأ ما يمكن أن يصيب الإنسان، وهناك لا شك، ترسانة من الأدوية والعلاجات المكرّسة لـ «تنظيم» مظاهر خلل السلوك ذات المنشأ الدماغي،

ولكن من النادر جدا الوصول إلى «الشفاء» الكامل لمصدر الخلل نفسه. المهم هو مساعدة المريض على العي بصورة «طبيعية» مع الآخرين، وهذا ما يمثّل المهمة الأساسية للطب العصبي والنفسي.ويشرح المؤلف ـ الطبيب أن للأمراض العقلية بمختلف مظاهرها وتعبيراتها أسبابا بدنية «فيزيولوجية» وغالبا يكون هناك «عامل وراثي كامن».

وهنا يفتح المؤلف قوسين ليؤكد على مظهر آخر «غير وراثي» له أثره الكبير في حدوث تشوهات «عقلية»، وذلك أثناء فترة الحمل والأيام الأولى بعد الولادة. هذه الفترة هي ذات أهمية جوهرية في البناء «الذهني» للطفل، وبالتالي للبالغ في المراحل اللاحقة.

كذلك يؤكد المؤلف على مدى العديد من الصفحات على أهمية التغذية التي يمكنها أن تكون «فنا»، كما يمكنها أن تكون «مصدر تعذيب» لصاحبها. ولا يتردد في القول أن البدانة الزائدة هي مرض «دماغي».

ذلك أن الخلايا المعنية تفرز هرمونات من بينها هرمون «ليبتين» المسؤول عن الرقابة المباشرة على مركز «الجوع» والذي له أثره أيضا فيما يتعلق بنشاط الغدد الجنسية. ومن هنا توجد الرابطة الحقيقية بين الوزن والسلوك الجنسي للفرد. لكن المسألة بالطبع ليست «ميكانيكية» و«البيولوجيا» كلها ليست من البساطة بحيث يمكن اختزالها إلى عدة ملاحظات تنجم عنها قوانين نهائية.

وإذا كان المؤلف يركز على القول أن الرغائب، بحد ذاتها، هي عبارة عن ردود أفعال جسدية، فإنه يؤكد في الوقت نفسه على أن العواطف «كالحب» تخلق نوعا من «الكيمياء» التي تعطي للعلاقات الإنسانية بعدا «متساميا».

ويفتح المؤلف هنا قوسين أيضاً كي يدرس بعض أشكال السلوك في علاقات عاطفية «خالدة» في تاريخ الأدب الغربي مثل روميو وجولييت وابيلار وهولويز، أي ما يعادل قيس «المجنون» وليلى في الأدب العربي.

ومن المسائل الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف في هذا الكتاب هناك التأكيد على استمرارية «سر التفكير». ذلك أن البيولوجيا العصبية تتعامل على قدم المساواة بين دماغ اينشتاين ودماغ أي فرد آخر.

في المحصلة النهائية يؤكد جان ديدييه فانسان على نزعته الإنسانية فالبيولوجيا العصبية تعادل قيمتها ما يمكنها أن تقدمه للإنسان، وفي الوقت نفسه يرى أنه من حق «المريض النفسي» أو «المريض العقلي» أن يحظى بالعلاج من قبل مجتمعه وليس «نبذه» أو محاكمته» عن أفعال لا تجيز حالته العقلية اعتباره مسؤولا عنها بأي حال من الأحوال.

*الكتاب:رحلة استثنائية إلى مركز الدماغ

*الناشر:اوديل جاكوب ـ باريس 2007

*الصفحات:456 صفحة من القطع المتوسط

Voyage extraordinaire au centre du cerveau

7002 siraP - bocaJ elidO

654 .P