يعمل مؤلف هذا الكتاب محاضراً في الجامعات الفرنسية. له العديد من الدراسات حول الظواهر اليومية في حياة المجتمعات الغربية الاستهلاكية. وهذا الكتاب يناقش خاصة ظاهرة محددة تتعلق بسلوكيات مشاهدي التلفزيون الذين يمضون أمامه ساعات طويلة كل يوم.
ويبين المؤلف منذ البداية أنه يتبع منهجاً نقدياً محاولاً لعب «دور الطبيب الذي ينكب على مرضاه المصابين بداء التلفزيون». وتتمثل أولى المسائل التي يتعرّض لها بالدراسة في الوضعية التي يتلقى فيها المشاهد برامج التلفزيون. إنها في أغلب الأحيان وضعية الجلوس في كرسي أو الاستلقاء على أريكة. ويتم التأكيد على أن التلفزيون يقوم بالدور المطلوب منه في إغداق الوعود للمشاهد عبر ما يبثه من برامج. هذا المشاهد الباحث عن «متعة التفرّج» ودون أن يتحرّك نراه يتنقّل من محطة إلى أخرى عبر التحكم من بعد. مثل هذا الوضع يحوّل الإنسان إلى كائن «مفرّغ الرأس». لماذا؟
لأن التفكير نشاط يتطلب الحركة والتقصّي في حين أن التلفزيون يخلق لديه حالة من الكسل والخمول، أي أنه يؤمّن الشروط الضرورية لتلقي ومتابعة برامجه وإعلاناته. تلك هي فلسفة الحضارة التي يعد بها التلفزيون اليوم؛إنها حضارة الراحة والكسل والدعة والطمأنينة.
ثمّ يتعرّض المؤلف لمسألة الثقافة في علاقتها مع التلفزيون. فالثقافة، كما يتم تعريفها، هي نظام من التبادلات التي تتحكم بها معايير عامة تشمل الجميع أكان الأمر يتعلق بإنتاج وجودهم المادي أو الرمزي. ونحن في عالم التلفزيون أمام «سوق مخدوعين». كما يشرح المؤلف.
فأهم شيء بالنسبة للإنسان هو الوقت الذي يبدع فيه ويصنع من خلال ذلك شخصيته باستمرار. لكن التلفزيون يصنع الوقت الأكثر سهولة لدى مشاهديه. كما أنه يعمل على سجنهم بداخله وكأنهم بذلك:يعيشون آلاف السنين. هذا الوقت الضائع هو الذي يشكل عمق الفلسفة التلفزيونية.
وفي حين أن الثقافة تعمل على خلق عالم من المعاني والرموز عبر النقاشات وتبادل الآراء بما يجعلها حركة متنوعة ومتطورة باستمرار، فإن التلفزيون الذي أصبح اليوم هو مصدر المعلومات الرئيسي يحاول استبدال العالم الثقافي المتنوع بعالم آخر يقوم على التجانس والنمطية والأحكام المسبقة بحثا عن النفوذ إلى أكثرية المشاهدين.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن التلفزيون يتماشى بامتياز بالجملة التي قالها ذات يوم الفيلسوف الفرنسي الشهير باسكال وجاء فيها: «إن البشر لا يملكون ما ينجيهم من الموت وما يبعدهم عن الشقاء...ولهذا فإن أفضل ما يرونه هو صرف أنظارهم عن هذا الشرط الإنساني الذي يتحكم بهم».
وتشير الإحصائيات إلى أن 82 بالمئة من البرامج التي تبثها القنوات التلفزيونية العامة تتمحور حول الألعاب والأفلام والمنوعات.هذا يعني أن التلفزيون بعيد تماما عن أي طموح «تربوي»: إن فلسفة التلفزيون تقوم باختصار على التعامل مع الإنسان على أساس أنه «طبيعة وغرائز وليس تاريخاً».
وتؤكد التحليلات المقدّمة أن التلفزيون أصبح سلطة واقعية وفعلية. وهذه السلطة تخلق بدورها النفوذ والجاه والشهرة لمن تريده. إن أقسى العقوبات حيال أية شخصية عامة مهما كان ميدان نشاطها في الفن أو الثقافة أو السياسة أصبحت هي عدم استدعائه إلى البرامج التلفزيونية وكأن صاحبها غير موجود. بالمقابل يعادل الترحيب بهذه الشخصية أو تلك فتح أبواب المستقبل أمامها.
باختصار تحمل السلطة التلفزيونية وجهان. وجه التعتيم على من تريد ووجه إبراز من تشاء.
والإعلام كنشاط إنساني يكمن في إعطاء صيغة محددة لحدث أو موضوع ما ؛ وبالتالي هو عمل إبداعي يعطي للصحافي دور في المجتمع من حيث إنه يساعد الآخرين على تكوين آرائهم وتوسيع آفاقهم.
لكن الصور التي تعرضها المؤسسة التلفزيونية لا تهدف غالبا سوى إلى إغراق المشاهدين بما يؤدي إلى تشويشهم واختلاط المفاهيم لديهم. ثم إن المعارف المقدّمة في التلفزيون حول مختلف المواضيع هي غالبا «لا تماسك فيها» و«لا اتساق ولا مغزى». باختصار إنها، كما يصفها المؤلف معرفة مجزأة «فسيفسائية» تفتقر إلى أي منظور ينظّمها ويوحدها. وفي المحصّلة هي معرفة «مفرّغة».
ويدرس مؤلف هذا الكتاب مقولة «اجتذاب الجمهور» منذ الخطاب الإغريقي القديم حتى اليوم. وقد وصل الأمر في عصر التلفزيون، في نسخته الراهنة، إلى مجرّد البحث عن إرضاء الجمهور والابتعاد عمّا يكدّره ويزعجه. الحقيقة لا تهم كثيرا في هذا السياق. وبالطبع تخلّى التلفزيون عن كل إرادة في المساهمة برفع وعي مشاهديه.
هدف الخطاب التلفزيوني إذن هو إلهاب حماس الجمهور واللعب على عواطفه. ليس المهم مضمون هذا الخطاب وما يطرحه من آراء وما يقدّمه من أحكام ووجهات نظر. المهم هو أن يرضي الأكثرية. بمعنى آخر تتجنّب التلفزيونات العامّة، خاصة في المجتمعات الغربية الاستهلاكية، البرامج النخبوية التي لا تحظى باهتمام سوى أقلية من المشاهدين.
ويؤكّد المؤلف في تحليلاته على الأهمية القصوى التي تكتسيها الإعلانات بالنسبة للصناعة التلفزيونية اليوم. ويشير أنه إذا كان الخطاب «القديم» قد حرص على حرية التعبير عن الرأي، فإن الخطاب التلفزيوني السائد اليوم يحرص فقط على عدم الاصطدام بالآراء مهما كانت،لا سيما إذا صدرت عن أصحاب الإعلانات. المهم هو الحصول على المال منهم.
ويرى المؤلف أن رجل التلفزيون اليوم يبحث عن طمأنة مشاهديه عبر التأكيد على مشروعية رغباتهم. بل إنه يسعى إلى أن يدخل بروعهم أنه مرآة لهم وأن هناك «تطابقا كبيرا» بينه وبينهم. لا يهم مدى الصدق والتزييف في هذا كله. المهم هو أن تزداد شعبية رجل التلفزيون المعني غبر دغدغة عواطف مشاهديه. وهذا ما يطلق عليه المؤلف توصيف «الديماغوجية».
ويناقش المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب مسألة ما يسميه «الزمن الفكري» و«الزمن التلفزيوني». فالزمن الفكري الذي طبع بطابعه جميع الحضارات الإنسانية يقوم على التبصر والتدقيق والإمعان. أمّا الزمن التلفزيوني فهو ذو طابع فوري ومباشر.
وهو بالنتيجة يقوم على إدراك انطباعي، بمعنى سريع التأثر والانفعال بشكل أو بآخر. بكل الحالات ينظر التلفزيون إلى الإنسان على أنه طاقة عاطفية ـ انفعالية بوجه أساسي. ويؤكّد المؤلف على وصف الزمن الفكري بأنه «تاريخي » بينما الزمن التلفزيوني هو «آني».
ويناقش مؤلف هذا الكتاب بإسهاب الدعاية التجارية على أنها إحدى أهم الظواهر اليومية الغربية. وهو يؤكّد بداية أنه لا يمكن اختزال مسألة خلق الرغبة في الأشياء أمر دعاية وكفى. ذلك أن الرغبة موجودة دائما. والفرد الإنساني يتم تعريفه على أنه «فرد ـ رغبة».
أمّا دور الدعاية التجارية فهو يكمن في تحويل الرغبة بالأشياء إلى رغبة امتلاك هذه الأشياء عبر ربطها بالمباهج التي تحملها. إذن الدعاية التجارية تقدّم نفسها منطقيا على أنها «وعد في السعادة». هذا مع أن البشر غير مخدوعين أبدا بالوعود التي تقدّمها الدعاية التجارية. إن الأكذوبة الدعائية معروفة للجميع، ولكنهم يقبلون بها مع ذلك. فلماذا؟.
إن المؤلف يميز بين «المعرفة» و«الاعتقاد». فحكمة الأمم تقول «إننا نعرف أن الموت لا مفرّ منه ولكننا من الصعب أن نعتقد بذلك». هذا المنطق نفسه يمكن أن نطبقه على الدعايات التجارية والإعلانية. ذلك أننا نعرف أن وعودها بمباهج الحياة وبالسعادة وهم. ما يخرج به المؤلف هو أن الاعتقاد لدى الإنسان هو أقوى من المعرفة.
إن التلفزيون يشكل الدعامة الأساسية للدعاية الإعلانية والتجارية، بل ويتغذّى منها. لذلك لا يتردد في أن يعمل على نشر الأوهام على اعتبار أنها حقائق معاشة. إنه تلفزيون الأوهام.
*الكتاب: فلسفة مبسّطة للتلفزيون
*الناشر:ميلان ـ باريس 2007
*الصفحات: 123 صفحة من القطع الصغير
Petite philosophie de la televisio
Milan - paris 2007
P.123

