«حاول أن تترجم أفكارك إلى أحداث وأفعال. تلك هي قيمة السينما للروائيين وعلينا أن لا نقلل من شأنها كحقيقة. بربك لا تأتي بشخصيات كي ترسمها وتجعلها تنطق فقط، ضعها في المكان المناسب لتلعب دورها في الحدث»، ذلك ما أكد عليه الكاتب البريطاني إيفلين ووه أحد رواد الرواية النقدية الساخرة في القرن العشرين، ومؤسس أسلوب السرد الخارجي للأحداث بحيادية وبعض الغموض المفتوح على احتمالات التأويل.

ولد ووه الذي أنتج 16 رواية، في 28 أكتوبر عام 1903 في لندن في كنف أسرة تعشق الفن والأدب. وواجه في طفولته العديد من المتاعب لاسيما في الوسط المدرسي وبالأخص من أبناء الطبقة الأرستقراطية مما دفعه إلى تغيير مدرسته عدة مرات.

حاول ووه قبل احترافه الكتابة بثلاث سنوات الانتحار، بدخوله عمق البحر إلا أنه عدل عن الفكرة وقرر العودة إلى الشاطئ والحياة. وتمحورت معظم أعماله الأدبية حول نقد مجتمعه البريطاني بصورة لاذعة.

وأول كتاب له بعنوان «روزيتي» نشر عام 1928، ومن خلال كتابه الثاني رواية «الانحدار والسقوط» حقق مكانته في الأوساط الأدبية، أما روايته التي رسخت وجوده كأديب فكانت العودة إلى خمار العروس عام 1930 التي حولت لاحقا إلى مسلسل تلفزيوني ناجح.

وقد استلهم موضوع روايته «العبث الأسود» التي نشرت عام 1932 من تتويج الإمبراطور هيلا سلاسي في أثيوبيا، أما روايته «قبضة من الغبار» التي نشرت عام 1934 فتحكي بمرارة عن الخيانة. وفي عام 1937 نشر روايته «سبق صحافي» التي حققت له نجاحا كبيرا على كافة الأصعدة حتى يومنا هذا، فقد استمد موضوعها من خلال عمله كمراسل حرب في أثيوبيا في مرحلة الاحتلال الإيطالي.

كما كتب عن جولاته في المستعمرات الأوروبية في إفريقيا، ونشر العديد من كتب أدب الرحلات التي حلل فيها القوى الإمبريالية الأوروبية، والصراع المستعصي بين المدنية والوحشية، وبين التقاليد والحداثة.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي شارك فيها، كتب ثلاثيته «سيف الشرف» من 1952 إلى 1961، كما كتب السيرة الذاتية لصديقه القس الأكاديمي رونالد نوكس عام 1959، ثم انتقل إلى كتابة الرواية البوليسية.

وتوفي ووه الذي عاش حياة حافلة بالسفر والمغامرات وتجارب الحياة في 10 أبريل عام 1966، ولم تنشر رسائله الأدبية إلا بعد مضي 14 عاما على وفاته. لا يكتفي إيفلين في روايته «سبق صحافي» في تصوير ما يدور خلف الكواليس في عالم الصحافة بل يذهب إلى أبعد من ذلك، من خلال الكشف عن هذا العالم الذي يتناقض مع رسالة الصحافة والعاملين فيها وارتباطه باللعبة السياسية،

ليترك للقارئ أن يستخلص ما يريده، وبذا تكتسب هذه الرواية بعدا أكثر أهمية وقيمة سواء على الصعيد الإنساني من خلال مصداقية المعلومة التي يتلقاها القارئ، أو الأدبي المتمثل في أسلوبه الساخر في السرد الشيق البسيط والمحكم في ذات الوقت الذي يعتمد على الأحداث والمفارقات المضحكة والمؤلمة، ابتداء من قاعدة الهرم وحتى قمته.

تبدأ الأحداث في بريطانيا، حينما يلتقي الأديب الشاب جون كورتني بوت بصديقته الأرستقراطية السيدة جوليا ستيتش ذات النفوذ في مجتمع الأثرياء والسلطة، التي تقترح عليه السفر كمراسل حرب إلى إشمالية (بلد من خيال المؤلف) التي تقع في إفريقيا بعدما يخبرها بضيقه الشديد من صديقته الأميركية، ويرحب بالفكرة كثيرا.

تجري السيدة اتصالها مع اللورد كوبر رئيس جريدة «ذا بيست» وتعني بالعربية الوحش، الذي يكلف محرر الشؤون الخارجية في الصحيفة سالتر بإجراء الترتيبات الخاصة بالمهمة. وتبدأ سلسلة المفارقات، حينما يلتبس الاسم على سالتر الجاهل باختصاصه، الذي يفترض بأن المقصود بالمهمة ليس سوى ويليام بوت محرر العامود الأسبوعي الخاص بالطبيعة في الصحيفة، الذي يعيش في الريف ولم يغادره مطلقا.

وفي لندن يتحول اللقاء إلى موقف هزلي بين الاثنين، وحينما يخيّره سالتر بين قبول المهمة أو الاستقالة، يرضخ الأخير ويقبل على مضض. ومن لندن يسافر إلى باريس في طائرة خاصة، ويوافق على طلب شخص غريب بريطاني أن يصحبه في الرحلة،

من دون أن يطرح عليه أية أسئلة أسوة بأي صحافي. ومن باريس إلى مرسيليا، يلتقيه أيضا في القطار ومن ثم في السفينة التي تقله إلى عدن حيث يتعرف كذلك على الصحافي المتمرس من ذات الجنسية كروكر الذي يأنس له ويعلمه مبادئ الصحافة وكيفية إرسال الأخبار عبر جهاز البرق.

وفي إشماليه يعرض الكاتب الوضع السياسي لأسرة الجنرال جاكسون الحاكمة المستثمرة للأموال الخارجية التي لا يصل منها شيء للشعب، حيث يتسبب انشقاق سمايلز عن العائلة الحاكمة، في الشغب والتمرد وبالتالي توافد الصحافيين من الخارج.

ويسلط الضوء مجددا على آلية عمل الصحافة والصحافيين بصورة ساخرة، فهم مجموعة من الرجال المتقاعسين الذين ينتظرون في الفندق وصول الخبر إليهم بدلا من البحث عنه، مع سهولة تلاعب الحكومة بهم وصرفهم بعيدا عن موقع الانقلاب، مع اختلاق الصحافيين لأخبار وهمية تحت ضغط صحفهم.

وفي خضم تلك الفوضى وجهل ويليام بقراءة البرقيات، يصر على البقاء وحيدا في العاصمة جاكسونبورغ، ويحصل على أول سبق صحافي من شابة ألمانية تعرف عليها في النزل والتي كانت تستنزفه ماليا لقاء تزويده ببعض المعلومات.

يرسل خبره الأول الذي يفيد باحتجاز الجنرال، ليتبعه بعد أيام بسبق صحافي آخر يفيد بالوضع السياسي ونجاح الانقلاب الذي يترأسه حزب الشباب الشيوعي المدعوم من قبل الاتحاد السوفييتي وهزيمة سمايلز المدعوم من قبل الألمان.

أما السبق الصحافي الذي يحقق له شهرة واسعة في بلده، فيكتبه له الشخص الغريب الذي رافقه في الطائرة، بعد هبوطه على سقف النزل بمظلته بعد الانقلاب بساعات معدودة والذي يعيد بنفوذه الدكتاتور جاكسون إلى سلطته.

وفي المقال يجير ذلك المستثمر البريطاني الذي يخدم مصالح بلده الوضع السياسي بما يتوافق وسياسة بريطانية.وحينما يعود ويليام أخيرا إلى وطنه يتجه مباشرة إلى بيت عائلته في الريف رافضا تكريمه، وهو الشخصية الوحيدة التي تحتفظ بمصداقيتها وأصالتها في هذا العمل.

rmaleh75@hotmail.com