مؤلف كتاب «التذييل والتكميل في شرح التسهيل» هو العلامة «أبو حيّان الأندلسي ـ محمد بن يوسف بن علي بن حيّان» المولود في «غرناطة» بالأندلس سنة 654 ه، حيث بدأ حياته المعرفية في قراءة القرآن والحديث واللغة، على يد علماء بلده، ليس في «غرناطة» وحدها، بل في عموم الأندلس.
وبين السنة الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين أخذ «أبو حيان» قراره بمغادرة الأندلس، واختفى عن الأنظار، ضرب في آفاق بلاد المغرب ومدن الشمال الإفريقي والتقى كثيراً من العلماء، ثم توجه إلى مصر التي كانت مهوى أفئدة الأدباء والعلماء، ومحط أنظار المسلمين والعرب وملاذ الوافدين، إليها بعد نكبات «بغداد» والمدن الأندلسية.
وقد أسهمت مراكز العلم الكثيرة ومدارسه إلى جانب المكتبات في نشر العلم وبث المعرفة، وفي مقدمتها جامع عمرو بن العاص ـ الأزهر ـ والطولوني، إضافة إلى الجامع الأموي في بلاد الشام.
وكان القرآن الكريم، وما يدور حوله من دراسات مرتبطة بتفسيره وقراءاته على رأس مشارب الثقافة آنذاك يليه تراث ثر في اللغة والنحو والصرف، وعلوم الآداب وفنونها، والفلسفة والفلك والطب، إلى جانب ما تمخضت عنه أذهان القوم في تلك الحقبة.
وقد تجاوب «أبو حيّان» مع معطيات ذلك الواقع فتصدر للإقراء والتدريس في مراكزها العلمية، وفيها وضع كتبه الكثيرة في مجالات الدرس القرآني واللغوي والنحوي، حيث أخذ يدرس النحو والتفسير والقراءات وقد اشتهر بأنه متبحر في علوم كثيرة فقد كان موسوعي الثقافة عميق المعرفة، كثير الاطلاع، وقد ترك لنا أكثر من ستين كتاباً.
أما كتابه «التذييل والتكميل في شرح التسهيل» فهو كتاب يشرح فيه «أبو حيان الأندلسي» كتاب التسهيل «لابن مالك» هذا الكتاب الذي كان في القرنين السابع والثامن قبلة الدارسين والشارحين، وكانت «لأبي حيّان» مع كتاب التسهيل علاقة وطيدة تعكسها الآثار الثلاثة التي وضعها حول الكتاب.
ولعل كتاب «التذييل» هو أوسع كتب أبي حيان أعلاها شأناً، وأكثرها دلالة على شخصيته الموسوعية. افتتح «أبو حيّان» كتابه بمقدمة مسهبة، أفصح فيها عن تقديره لكتاب «ابن مالك» من جهة، وصلته الوثيقة به من جهة ثانية. وقد أراد أن يحقق فيه بعض رغبات ما انتدبوه لشرح الكتاب شرحاً كاملاً، واستدرك ما أغفله. ابن مالك من أحكام ومناقشته فيما حشده فيه من آراء، وبيان ما فيه من مطاعن وثغرات.
ولم يكن «أبو حيّان» في «التذييل» منكبّاً على مجرد تفسير عبارة هنا، وبيان موضوع استشهاد هناك أو التعليق على قراءة في موضع ثالث، بل كان متن «التسهيل» الأرضية التي يرتكز عليها شرحه، ونقطة انطلاقه إلى عوالم الدرس النحوي وأصوله،
وآراء أئمته وخلافاتهم وجدلهم تتألف مادة كتاب «التذييل» من أبواب النحو العربي وصرفه وفق تنسيق «ابن مالك لها باب الكلمة والكلام وإعراب الصحيح الأخر وباب إعراب المعتل الأخر، وباب إعراب المثنى والمجموع....
ويقوم الإطار العام لمنهج «أبي حيّان» في كتابه هذا على ذكر النص الأصلي لابن مالك، وتجزئ النص وتحليله، وتناول كل جزئية منه بالشرح والتفسير، وإيراد آراء النحاة السابقين ومقارنتها بنص ابن مالك، وبيان الحدود والاستشهاد بشواهد غزيرة من القرآن الكريم والشعر العربي، والتعليق على النص للخلوص على تأييد أو رفض أو ترجيح من غير إهمال لتعليل ما يحتاج إلى تعليل مع توثيق ما يورد من آراء.
إن شرح «أبي حيّان» لعبارة ابن مالك «يلقانا في كل موضع من مواضع الكتاب، والهدف منه التوصل إلى مقاصد المؤلف من كلامه، ومقارنته بآراء النحاة الآخرين، ورفد ذلك بشيء من التفصيل والتوضيح، من غير إهمال لهجوم على «ابن مالك» هنا والغضّ من هناك، والاستدراك عليه في موضع، والكشف عن سقطاته في آخر.
كما اشتمل «التذييل» على طائفة غير قليلة من كلام العرب وأمثالهم وبخاصة أمثال النحويين، ما يصطنعونه من نماذج وأساليب بغرض الشرح والبيان والتوضيح. وأما آراء النحاة من متقدمين ومتأخرين، فإنها مفروشة في كل ناحية ومبثوثة في كل جانب وبارزة في كل مسألة. وهكذا يقدم لنا «أبو حيّان الأندلس» كتاباً يعتبر درة من درر تراثنا المعرفي والثقافي وقد توفي سنة 745 هجرية.