بالنسبة للكثيرين ممن يتابعون المشهد الروائي العالمي فإن جون ماكسويل كويتزي مع وصوله إلى مرحلة الشيخوخة والعالم الخلفي المترامي وراءها يبدو أنه يشترك مع ذلك الكاتب الكبير من مجايليه، أي فيليب روث، في الهوس الاستحواذي بالجانب الإيروسي، وذلك الوضع الذي يأخذ بمجمع القلب الناشئ عن انقطاع الجسور بين الرجال في هذا العمر والصبايا الحسناوات اللاتي يطرقن أبواب صدر العمر.

ويعد روث الأكثر امتلاء بالحياة من بين هذين المبدعين، بينما يعتبر كويتزي الأكثر ميلاً إلى الفلسفة، والأعظم قدرة على التحديق عميقاً وصولاً إلى جوهر الأشياء، ولكن الرجلين كليهما يقدمان هذه الأيام روايات ميتافيزيقية، موجزة، رائعة تضم الكثير من الحكمة الشعرية التي راكماها على امتداد حياتيهما الإبداعية.

تردد رواية «يوميات عام سيئ» التي أصدرها كويتزي مؤخراً أصداء روايته «العار» التي يبدو الآن أنها آخر رواية تقليدية من إبداعه. في هذه الرواية، التي تعد الكتاب التاسع عشر الذي يصدره كويتزي، نحن على موعد مع كاتب عجوز، يحمل اسم جوان كويتزي، والذي يحس بافتتان كاسح نحو امرأة فلبينية شابه تدعى أنايا، وهي بدورها تحس بجاذبيتها المغناطيسية وتأثيرها على الرجال.

جوان كويتزي، الذي يبدو لنا نوعاً من التجلي الروائي لجون ماكسويل كويتزي الحقيقي يكلف بكتابة سلسلة من المقال الثقافية والسياسية للنشر في مجموعة مختارات ألمانية تحمل عنوان «آراء قوية»، وهو ما يردد أصداء واضحة من فلاديمير نابوكوف، مؤلف رواية «لوليتا».

وتنطلق الرواية على نحو غريب، فالجزء الأعلى من كل صفحة يضم «الآراء القوية» إياها التي تدور حول حشد كبير من الموضوعات، من بينها الدولة، الديمقراطية، الإرهاب، الموسيقى، توني بلير، القبلة، حقوق الحيوانات. أما القسم الوسيط من الصفحات فيضم الأجزاء الروائية من العمل التي تحكي قصة تكليف كويتزي لأنايا بكتابة مقالاته التي يمليها عليها وتطور العلاقة بينهما.

ونجد رؤية أنايا لهذه الأحداث نفسها في الثلث الأسفل من صفحات الكتاب مع تعمق علاقتها بالكاتب العجوز الذي يميل إلى العالة والاهتمامات المريبة التي يبديها صديقها ألان، وهو استشاري في الاستثمارات تتصادم رؤيته للعالم وغيرته مع كويتزي.

السؤال الذي يقفز إلى الذهن، على الفور تقريباً هو: كيف تقرأ مثل هذه الرواية؟ والرد أبعد ما يكون عن الوضوح، حيث بمقدورك أن تقرأ الآراء القوية في كل فصل من الرواية ثم تتحول باهتمامك إلى مقاطع القصة، أو يمكنك أن تراوح بين الاثنين، كما فعل العديد من القراء.

ونلاحظ أن هذه الرواية حظيت بقدر مدهش من الإشادة على الرغم من الصعوبة التي تشكلها محاولة قراءتها، فها هو دانييل سويفت في صحيفة «فاينانشال تايمز» يبادر إلى القول عنها: «إنها شهادة ببراعة كويتزي

باعتباره كاتباً أن الدراسة الفلسفية التي تشكل نصف روايته الجديدة لها صوت أكاديمي على نحو يمكن إدراكه ولكن هذا الصوت هو أيضاً صوت شخصية حية وقوية الحضور.. وموهبة كويتزي تتمثل في اكتشاف الشخصية في غمار تلاعب ما يبدو نظرية جافة».

وتقول جوستين كارترايت في صحيفة «الإندبندنت» عن هذه الرواية: «إن هيكل الكتاب مثير للاهتمام وجري التعامل معه ببراعة فائقة.. وهو كتاب حافل بالمقالات ويدنو علي نحو مؤثر من قصة حب ومن سيرة حياة ذاتية ومن أعمق اهتمامات ومعتقدات جون كويتزي».

وتقول ماجي جي في مقال بصحيفة «صنداي تايمز» عن هذه الرواية: «حذار من أن يفوتكم هذا الكتاب الذي يبدو كما لو كنا بإزاء رجل يلوح تلويحه الوداع وينظر في قلق إلى أعماله ويشكر الفنانين الذين منحوه المتعة.. ربما كان هذا الكتاب أفضل أعمال كوتيزي منذ روايته (العار)».

وبدورها تقول إليزابيث لوري في ملحق صحيفة «التايمز» الأدبي إن هذا العمل: «يبرهن على أن كويتزي يظل سيد ما هو وحشي ولا شعري وواقعي بلا هوادة بالمعنى الحداثي محققاً تكامل معادلة شكل النثر ذاته وفرادة التجربة التي يصفها».

غير أن هذا كله لا يحول دون وجود انتقادات حادة للقالب الذي تبناه كويتزي لإبداع روايته، بل وتصميم ما أودعه في هذا القالب أيضاً، بل ويصل هذا الاتجاه في بعض الحالات إلى رفض الكتاب كلية شكلاً وموضوعاً.

دعنا تقرأ ما تقوله ليديا ميليت في صحيفة «جلوب أند ميل» التي تعد الصحيفة الأكثر بروزاً في كندا، حيث تبادر إلى القول: «نمضي القصة في ثلاثة مسارات متوازنة، مقسمة إلى ثلاثة أجزاء في كل صفحة، وهي حيلة تؤدي عملياً إلى تشتيت تركيز القارئ وانتباهه.

والمشكلة تكمن في أنه ما من حياة ضمن ما تعيشه الشخصيات الثلاث هي من القوة بما يكفي للنهوض إلى مستوى موهبة كويتزي. والرواية أكثر خفة وضحالة من أن تنصف موضوعها أو تنهض إلى ما يتجاوز قالبها المتشظي».

ويقول جيمس وود في مجلة «نيويوركر» بصراحة ووضوح وإيجاز عن هذه الرواية: «في الحقيقة، فإن المرء يقرأ الجزء الأعلى من كل صفحة باهتمام متصاعد، والجزءين السفليين منها بإحساس بالشعور بالواجب والاضطرار إلى القيام بذلك».

ويذهب آدم مارس ـ جونز في مقال بصحيفة «الأوبزرفر» إلى القول: «إن النص الهجين أكثر قابلية للقراءة مما يبدو، حتى عندما تمتد حادثة في السردين الشخصيين عبر فواصل الفصول بين المقالات. ولكن ما مدى الجدية التي يراد لنابها أن نأخذ التأملات الفلسفية في المقالات؟ إن من الصعب الانغماس في قتال منطقي والاستسلام خيالياً على الصفحة ذاتها».

غير أن هذه القدرة على إثارة الجدل والاختلاف هي ذاتها المؤشر الأكثر وضوحاً إلى أننا بإزاء عمل مميز يستحق القراءة على أكثر من صعيد ويستحق الاهتمام والتوقف عنده طويلاً في زمن أصبح من النادر أن تطل فيه أعمال إبداعية على مثل هذا القدر من الثراء.

لمحة أولى

«كانت اللمحة الأولى لي منها في غرفة الغسيل. كان ذلك في ضحى يوم ربيعي هادئ، وكنت جالساً أراقب عملية الغسيل، عندما أطلت هذه الشابة الهادئة، المذهلة. كانت مذهلة لأن آخر شيء كنت أتوقعه هو هذا المشهد، وأيضاً لأن الثوب الأحمر في لون الطماطم الذي كانت ترتديه بدا مذهلاً في قصره.

لابد أن مرآي قد أذهلها كذلك. عجوز متهالك في أحد الأركان قد يبدو لأول وهلة متشرداً أقبل من الشارع. مرحبا! قالتها بفتور ثم عكفت على ما جاءت من أجله، وهو إفراغ ما في حقيبتين قماشيتين في القسم العلوي من الغسالة، وهما حقيبتان بدا أن الملابس الداخلية الرجالية تشكل غالبية محتوياتهما».

*الكتاب:يوميات عام سيئ

*الناشر: فايكنج ـ نيويورك 2007

*الصفحات:304 صفحات من القطع المتوسط

Viking- N.Y. 2007

P.304