منذ فجر التاريخ والمرأة تقاسم الرجل في كل شيء في البحث عن الرزق، في تعمير الحياة، ولم يأت كتاب بأن المرأة في فجر التاريخ كانت مجرد تربة خصبة للإنجاب بل إنها حكمت وقادت البلاد في فترات طويلة، وفي صدر الإسلام قاتلت المرأة، وطببت المرضى وشاركت بالمشورة في الحرب والسلام.
وفي كتاب «إبداع المرأة المصرية» الصادر عن مهرجان القراءة للجميع ـ ضمن مشروع مكتبة الأسرة، يقول المؤلف محمد نوار: إن المرأة كانت دائما مخزنا للحفاظ على التراث والاحتفاظ به، وهي تبدع من مخزون ما في ذاكرتها جمالاً وأصالة، كانت البدايات الأولى في عمل واجبات المنازل من شأن النساء اللاتي كن يقمن بطلاء المنزل وزخرفته من الخارج
وإعداده جماليا من الداخل، وتبارت النساء في التلوين والتراكيب واستخدام الزخارف بهدف تحقيق المتعة والمنفعة في آن واحد كاستخدام بعض الرموز لاتقاء الشر والحسد وما إلى ذلك. ومع ظهور حركة الفن التشكيلي الحديث في مصر برزت أسماء لفنانات أخذن أماكنهن بين صفوف الرجال دون تمييز.
يستهل المؤلف حديثه بالفنانة عفت ناجي قائلاً: تبنت عفت ناجي استلهام الفن الشعبي بأساطيره وعالمه المثير، واهتمت بدراسة التراث المصري والعالمي كمحور أساسي في كل توجهاتها الإبداعية، بجانب ما تلقته من دراسات فنية حرة وأكاديمية في كل من مصر وإيطاليا وفرنسا،
وكان من أساتذتها الفنان الفرنسي (آندريه لوت) والفنان الإيطالي (ماريو توني)، وأبدعت أعمالاً رائعة ورائدة في مجال الفنون الجميلة في مصر، واقتنى متحف الفن الحديث بالقاهرة عام 1928 إحدى لوحاتها كأول عمل فني يتم اقتناؤه لفنانة مصرية يدخل المتحف.
ويشير المؤلف إلى كلمات الأديب الراحل يحيى حقي في تعليقه على أحد معارضها: أمام لوحات عفت ناجي أحس بمحبتي لبلدي واعتزازي به، إحساسها قوي، إن لوحاتها تخطفني إلى زمن كانت لغة الوادي فيه رموزًا لا تخاطب ابن البلد وحده بل تخاطب في الإنسان أيضاً صلته بالطبيعة، في لوحاتها رجعة إلى أحضان الأم،
وأخيرًا وبعد رحلة طويلة مع الفن الجميل، توفيت الفنانة الكبيرة في حجرة مرسمها بمنزلها الكائن بمنطقة محرم بك بالإسكندرية، بجوارها الكراسة التي تعودت أن تدون بها خواطرها، وأمامها لوحتها للأميرة (وداع سوبك)، لم تكتمل بعد أن اشتد مرض الشيخوخة عليها طوال عام كامل، أعجزها في أيامها الأخيرة عن الحركة.
ومن الأسماء الأخرى، يشير المؤلف إلى فن «تحية حليم» قائلاً: حققت الفنانة نجاحًا يعتبر امتدادًا لنجاحات حققها جيل عظيم من الرواد «محمود سعيد» و«راغب عياد» وغيرهما، ولكن أهم ما حققته من نجاح هو الخصوصية الفنية الشديدة التي امتلكتها،
ففنها فن من طابع خاص، سهل الفهم والإمتاع، صعب التركيبة أو نكاد نرى تركيبة سحرية حققت معادلة السهل الممتنع، وأهم مفردات تلك المعادلة العنصر القومي، الذي اهتمت به في أعمالها إيمانًا منها بالاهتمام سواء كان ـ محليا وقوميا ـ وإبرازه فوصلت للعالمية بقوميتها، وتهتم الفنانة بالبناء في اللوحة مستخدمة كل ما درسته أكاديميًا مع إجادتها الخطوط الرأسية والعرضية،
والتنويع في الخط واللون لخلق توازنات يضاف إلى ذلك عنصر مهم وشديد الفاعلية وهو عنصر التلقائية، ودلالتها الفنية ممزوجة بلا نشاز أو تفكك، وظل نشاطها الفني حتى آخر معارضها بأميركا عام 1981،
وتعيش الآن الفنانة تحية في شقتها المطلة على النيل بالزمالك مع قططها الصغيرة، التي أعطتها رعاية الأم الحنون، تعيش في محراب الفن، حياة النساك تملك فرشاتها وألوانها، متمسكة بفنها الذي هو كل حياتها، والذي تتغلب به على كل أنواع الأزمات التي تعترض طريق حياتها.
ينتقل المؤلف إلى الفنانة زينب عبدالحميد قائلاً: استخدمت الفنانة الألوان المائية والزيتية وألوان الجواش، وبرغم ذلك لم تفقد ألوانها هذا التناغم والتباين الجميل المفرح للنفوس، ونرى الملامح في فنها فأوجدت الفنانة الرؤية عن بعد بمنظور عين الطائر، فضلت أن تحلق لترى الأشكال من الأدوار المرتفعة، واختارت ذلك بما يتلاءم مع نظرتها الخاصة،
وارتبطت هذه الفنانة بالأحياء الفقيرة، وكان وراء ذلك أمران الأول: رغبتها الشديدة في التفرد بعيدًا عن فن المراسم، والأمر الثاني: أن المنظر الطبيعي كان يشدها بالفعل، وأضف إلى ذلك الحرية التي وجدت فيها الفنانة فرصا للتعبير عن فرحتها بصور الحياة المصرية في الأحياء الشعبية الفقيرة، ونذكر من لوحاتها: «قهوة الحسين»، «أغنية كورمس»،
وترددها في لوحة «أفواه وأبراق» حيث ترى فيها أن التفاصيل ليست هي التي تهتم بها، ولكن الأهم هو مجموعة الأداء، وعرضت هذه اللوحة بالمقر الرئيسي للأكاديمية القومية الأميركية للعلوم بواشنطن.
يشير نوار إلى الفنانة نعيمة الشيشيني فيقول: كانت فنانة بفطرتها، كأن الفن بالنسبة لها حياة كاملة تعيشها وتمارسها ممارسة للحياة ذاتها، وبمقدرة فائقة استوعبت أجرومية لغة الفن بل من خلال معرفتها وإتقانها لهذه اللغة استطاعت من خلال البحث والتنقيب في خزائن التراث
لاسيما الإسلامي، والذي من أجله طارت إلى بلاد غنية بهذا التراث ـ لغتها الخاصة ـ والتي شكلت في النهاية عالمًا ثريًا بمعطياته الجمالية، عالمًا ننسى فيه وفي جميع مراحله المتتابعة، يوجد المتبتل إلى الله، تسمع فيه أصوات تراتيل القرآن الكريم فيه تشم رائحة التاريخ الآتي من الأزل ـ المسافر على الأبد.
ويرى المؤلف أن الفنانة نعيمة قد أحست من خلال تنويعات تجاربها الفنية بأهمية اللمسة اللونية المتحررة في بناء أجوائها المتفردة وعالمها المثير عبر إيقاعية سريعة وغنائية للنور لا تنتهي، تنفجر فوق أفق لا محدود لعالم الروح اللامتناهي نحو الجانب المتحرك لنورانية الشرق، وإن التأثيرات اللونية الساكنة والمتحركة تعبر عن أحاسيس الفنانة وفتراتها الهادئة،
فتقاطع الألوان من الهدوء على العنف إلى التأمل فالتوتر، هي حركة داخلية مستمرة في فراغ اللوحة للتعبير عن الأحاسيس تجاه الأزمنة الراهنة، فالألوان كسمات الوجه تتبع تغيرات الانفعالات كما قال بيكاسو.
يذكر المؤلف أن لوحات الفنانة زينب السجيني تشعرك بدفء الروابط الإنسانية، التي تنطوي عليها، تأخذ هذه الأعمال بيدك، تدعوك إليها، تقودك برفق ومودة لتجوس بين جنباتها، وتملك الفنانة الكبيرة زينب السجيني جرأة كبيرة في إزاحة الكثير من الأعراف والتقاليد المستقرة في عالم الفنون الجميلة
فمثلاً اتفق ضمنيًا على أن مساحة سطح اللوحة مربعة أو مستطيلة، عرض 3 أطوال تقريبًا، أو ما شابه، ولكن زينب تنجز لوحات بمساحات تصل إلى نسبة من 1: 5 تقريبًا حيث تظهر هذه الأعمال غريبة عن السياق العام، الذي تنفذ فيها اللوحات،
كذلك تمتاز زينب بقدرة خاصة في أن ترسم أعمالاً ضخمة جدًا يتجاوز طول الضلع فيها 120 سم أو لوحات لا يتعدى طول ضلعها أكثر من 15سم، وفي كلتا الحالتين تقدم لنا عملاً مكتمل الأركان.
ويرى المؤلف أن زينب السجيني فنانة حالمة، ذات خيال منهمر وموهبة مفتقدة، اختارت حزن المرأة ورقة الطفلة لتجسدها على سطح لوحاتها، استفادت من فنون الأولية وصالحت مدراس الفن الحديث، فأبدعت أعمالاً فنية التصميم سلسلة الإيقاع ـ أعادت زينب السجيني لقيمة (الموضوع) في العمل الفني كبريائه المجروحة بعد أن سادت في الآونة الأخيرة أعمال تحفى بنفايات الورش.
ما بين صفاء النفس والروح شدتها خيوط إلى لوحاتها ورسمتها توهجًا عبر صوفية سارتها طريقا وشغلتها حفرًا، وعبر رحلة طويلة ما بين جنوب أميركا وأوكرانيا و يوغوسلافيا وإيطاليا والنرويج، يواصل المؤلف الرحلة الفنية مع الفنانة مريم عبدالعليم،
والتي تعمل على تجدد الأسلوب والخامات والألوان، والتجريب مستمر، والمعايشة حيث فترة التغيير في المجتمع وما واكبها مضمونًا وشكلاً يحدد هوية الأحداث ورؤية الفنانة، ويحسب لها أنها أول من درس الطباعة الحريرية «السلك سكرين» وأخرجه من إطاره التجاري للتعامل به من خلال الفن والاستفادة من تقنياته،
كما أن د. مريم أول من أدخل الحفر والطباعة على الخشب بكلية الفنون، وأول من استعمل التصوير الفوتوغرافي في الطباعة الفنية وتدريسه بكلية الفنون، أما عن المضمون الصوفي عند مريم عبدالعليم، فهو لا يشع من الكلمات الدينية التي تتوزع تشكيلاتها فالكلمات في نهاية الأمر خطوط وأشكال ذات قيمة بصرية، عند من لا يقرأها ومن لا يدرك معناها،
كما أنها تمتزج برموز ذات دلالة، لتسفر عن نوع من الغموض المثير للخيال والأفكار، ولعب الخط العربي دورًا واضحًا في أعمال الفنانة، خاصة ما قدمته بأسلوب الطباعة البارزة أو الغائرة أو استخدام طباعة ليتوغراف مثل لوحة «اسم الجلالة» «البسملة» «تراتيل»،
وهذه اللوحات سعت الفنانة فيها إلى توظيف الحروف العربية خير توظيف، وبأسلوب مغاير مع ما تضمنه هذا التوظيف من تجميع لبعض الأشكال، التي أضفت على العمل جوًا روحانيًا صوفيا.
باطن الأرض
ويذكر المؤلف أن الفنانة زينب سالم حازت على مكانة مرموقة في عالم فن الخزف في الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، وكان هذا تتويجًا لجهود وبحوث أكاديمية وتجريبية في فن الخزف المصري، الذي هو بمثابة صحائف للتاريخ والجذور منذ القدم حتى أنها بدأت هذه المقولة التي تؤثر على من يبحث في الأصول (الجذور)، عالم مليء بالخبايا والمرادفات،
يجبرك على أن تغوص في باطن الأرض لتصل إلى أصل النبت للتعرف على كنه الأشياء، الطبيعة والنبات والكون، وتأثرت الفنانة بأشجار النخيل التي تميز منطقة الشرق بخشونتها وشموخ ساحتها وتقوس أوراقها في شكل عقود معمارية متمايلة، والفنانة زينب سالم بما قدمته في معارضها الفنية السابقة وما تقدمه في معرضها اليوم، إنما يؤكد وجهة النظر الديناميكية للعصر متمثلاً في تحديها المألوف والدارج، والمطابقة..
ينتقل المؤلف إلى الفنانة نازلي مدكور قائلاً: منذ البدايات الأولى، اعتبرت الطبيعة المصرية المصدر المباشر لإلهامات نازلي مدكور، والموضوع الأساسي لمعظم لوحاتها، وكان في مقدمة مقومات المنظر الطبيعي المصري لديها: الصحاري والواحات والنخيل والبيوت الطينية،
وإن كانت الفنانة قد قصدت ألا تكون علاقتها بهذه الطبيعة علاقة نقل ومحاكاة، وإنما علاقة تفاعل وحوار، وحرصت الفنانة نازلي منذ البداية على ألا يكون حوارها مع الطبيعة من خلال تقنيات «سابقة التجهيز» تؤدي إلى إهدار الفكرة في سبيل الصنعة، وجاء تركيزها حول خصوصية أسلوب المحاورة الفنية حتى تنمو في ظلها.
محمد الحمامصي
*الكتاب:إبداع المرأة المصرية
*الناشر: مكتبة الأسرة - القاهرة 2007
*الصفحات:276 صفحة من القطع الكبير
