يأتي هذا الكتاب لمؤلفه الباحث محمد شقرون ضمن سلسلة تصدر تحت عنوان «الإسلام واحداً ومتعدداً» وتقوم فكرتها الأساسية، رغم بعض المآخذ، على أن الإسلام رغم كونه ديناً واحداً إلا أنه اكتسب طبائع معينة من خلال الفئات التي انتمت إليه والمناطق التي انتشر بها.
فرغم ان عناصر الوحدة والتوحيد في الإسلام عديدة حيث بدا قادراً على تحريك أشخاص أو شعوب لا يجمع بينها جامع لغوي أو اقتصادي أو عرقي كما تمكن من تجاوز الاختلافات الظاهرة بين هذه الشعوب وأولئك الأفراد،
إلا أن هناك تحولات طرأت على ذلك الأصل مما أكسبه ملامح جديدة تختلف من مجموعة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى وهذا ما يحاول هذا الكتاب الوقوف عليه على مستوى طبيعة الوجود الإسلامي جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا أو ما أطلق عليه في بعض الدراسات «الإسلام الأسود».
والمنطق الذي يعتمده المؤلف في خوضه لموضوعه أن الحديث عن أصناف من الإسلام لا يعتمد العقيدة في حد ذاتها بقدر ما يعتمد الممارسة الدينية ومظاهر التدين المتمثلة خاصة في التظاهرات الجماعية التي تكون مختلفة بالضرورة من شعب إلى آخر.
ويركز المؤلف محمد شقرون بصفة خاصة على المنطقة الغربية منها والتي ينتشر فيها الإسلام أكثر من غيرها في إفريقيا وعاشت لقرون تحت حكم دول تنسب إلى الإسلام وعرفت حركات جهاد وحروباً قامت باسم الإسلام ولنشره، وأخيراً لأنها المنطقة التي يشهد فيه الإسلام اليوم حركية جعلته موضوعاً للدراسة في كثير من مراكز البحث الحكومية والخاصة في العالم المتقدم.
ويشير المؤلف إلى أنه سيتناول من خلال استعراض موضوعه كتابات الأفارقة وممارساتهم الدينية فيخرج من دائرة اهتمامه كتابات وممارسات الوافدين على المنطقة من الشعوب العربية والإسلامية أو الآسيوية مثل عرب جنوب الجزيرة العربية والهنود في المنطقة الشرقية من القارة وفي جنوبها والمغاربة والمصريين في المنطقة الغربية.
في معرض توضيح التوصيف يذكر المؤلف أن نعت الإسلام بالأسود وجعله واحداً مختلفاً عن غيره عند الشعوب الأخرى فكرة غربية تعتمد الجنس وتبحث عن الاختلاف وتركز عليه لغايات كانت وراء نشرها في بداية القرن الماضي منها الحيلولة دون انتشار عدوى المقاومة ولإحكام السيطرة على المنطقة،
الأمر الذي انعكس في تشجيع السلطات الاستعمارية الدارسات حول الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء في اتجاه إبراز خصوصياته كما غضت الطرف عن أنشطة الدعاة المسلمين من الأفارقة ما دامت تلك الأنشطة لا تتعرض لنفوذها ولا تدعو إلى الثورة عليها أو إلى التمرد، غير ان شقرون يوضح أن هذه التسمية شاعت حتى وردت في كتابات بعض الأفارقة في الربع الأخير من القرن الماضي.
من النقاط التي يستعرضها المؤلف بالنقاش ما ذهبت إليه دراسات حديثة عن عادات سابقة عن الإسلام تمت أسلمتها واعتبرت دلائل على وجود بقايا المعتقدات التقليدية قبل الإسلام جنوب الصحراء الكبرى
وكذلك ذكر لعادات وافدة من أوروبا اعتبرت أيضاً دلائل على خروج الإسلام الرسمي وتميزه عن الإسلام العربي وهى عادات تهم احتفالات المسلمين بالأعياد الدينية مثل استقبال رمضان وعيدي الفطر والأضحى أو بالمناسبات العائلية
مثل الزواج والختان والعقيقة مع إقرار من ذكر ذلك بأن مثل تلك العادات مشاهدة في أوروبا ومن ذلك، حسبما يذكر المؤلف، تنظيم حملات لجمع التبرعات يقوم بها الأطفال يغنون فيها ويرقصون رقصات من الموروث الشعبي السابق على الإسلام.
غير أن المؤلف يرى أن ما سبق لا يمكن أن يكون مبرراً للتسمية وتكريسها في أوساط المهتمين بالشأن الديني قائلاً: وهى في نظرنا غير كافية إذ هي تنطبق على صنف من الإسلام هو الإسلام الشعبي
أو إسلام العامة المعروف في التراث الإسلامي وهو يختلف بالضرورة عن الإسلام العالمي. فضلاً عما سبق يشير المؤلف إلى أن هناك في البلاد العربية ما يماثل تلك الأعمال وهى مختلفة من بلد إلى آخر باختلاف الموروث الشعبي السابق على الإسلام.
ويقرر المؤلف أن وجود حالات مما يمكن أن يسمى خروجاً عن الخط الرسمي للعقيدة الإسلامية ليس مبرراً كافياً للحديث عن اختلاف الإسلام جنوب الصحراء عنه في شمالها أو في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، خاصة إذا وجدنا مقاومة لذلك الخروج ودعوة إلى التخلي عنه صادرة عن أفارقة من جنوب الصحراء.
بل يصل إلى حد الإشارة إلى أنه لعل تبني القوى الاستعمارية لمفهوم «الإسلام الأسود» وعملها الجاد على تكريسها للأسباب التي أشار إليها هي التي دفعت الأفارقة إلى رفضه، فالكثيرون منهم لم يعترفوا بخصوصيات لإسلام إفريقيا جنوب الصحراء ولا يرون فيه اختلافاً عن الإسلام في المناطق الأخرى.
ولا ينفي المؤلف مع ذلك إمكانية اختلاف الإسلام جنوب الصحراء أي مظاهر التدين عند سكان هذه المنطقة عن الإسلام في مناطق أخرى من العالم الإسلامي وهو ما يرجعه إلى طرق ومراحل دخول الإسلام إليها والمسالك التي اتبعها في عملية الدخول والانتشار
ولكنه ليس بالاختلاف الجذري الذي يسمح باعتباره صنفاً متميزاً ولا بإخراج المسلمين في تلك المنطقة من الأمة الإسلامية التي بنيت على الاختلاف منذ القرون الأولى لانتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية.
ويتتبع المؤلف في فحص هذه الأطروحة المتعلقة بالإسلام الأسود مراحل انتشار الإسلام في المنطقة ما يساعد من وجهة نظره على تلمس ذلك الاختلاف ويعيننا على التعرف على شعور الانتماء إلى أمة واحدة هي أمة الإسلام عند سكان تلك المنطقة رغم الاختلاف الظاهر.
في هذا الصدد يشير إلى أن الإسلام لم يدخل منطقة جنوب الصحراء فاتحاً مثلما دخل شمالها فلم تتبعه حركة نزوح للقبائل العربية تسمح بتعريب المنطقة مثلما حدث في مصر وفي شمال إفريقيا ولم تقم فيها دولة لأسرة عربية تشجع نشر لغتها وثقافتها بين السكان المحليين،
أضف إلى ذلك عدم وجود نسبة كبرى من الحضر في المنطقة تسمح باستقطاب السكان وجلبهم إلى المدن فلم يحدث التغيير الجذري في مظاهر الحياة فيها باستثناء بعض المراكز التي استقرت فيها جاليات عربية
أو متعربة أثرت في ما حولها في حين بقي أغلب السكان في أراضيهم وقراهم متمسكين بلغاتهم وطرق عيشهم مع تغيير ما تعارض مع تعاليم الإسلام والإبقاء على ما عد غير متعارض لذلك بدا الإسلام جنوب الصحراء مختلفاً عنه في شمالها.
ويذكر شقرون أن دخول الإسلام إلى إفريقيا جنوب الصحراء مر بمراحل اختلفت فيها أوضاع المناطق التي جاء منها، فالإسلام الذي دخل من الجزيرة العربية مروراً باليمن أو عمان أو بلاد النوبة ومصر لا بد أن يحمل سمات لا نجدها في الإسلام الذي دخل عن طريق المغرب أو الصحراء الليبية أو الذي جاء عبر المحيط الهندي من غيران وشبه القارة الهندية
وكذلك يختلف الإسلام الذي نشره الأفارقة أنفسهم باختلاف القبائل التي تكفلت بالمهمة وتكوين الزعماء الذين قادوا حملات نشر الإسلام بين شعوب عرفته من قبل أو لم تعرفه ودرجة حرصهم على نشر صنف معين يعتبرونه الأصح أو الأقرب إلى إسلام القرون الأولى في المنطقة العربية.
وبناءً على هذه الرؤية يقسم المؤلف مراحل دخول الإسلام إلى المنطقة إلى ثلاث مراحل كبرى هي: التسرب المنظم والعشوائي القادم من شمال الصحراء ويطلق عليه الإسلام الوافد، حروب الممالك الإفريقية بعد إسلامها ويطلق عليها الإسلام الرسمي، حركات الجهاد في القرن التاسع عشر ويطلق عليها الإسلام الصوفي، ويستعرض كل مرحلة من هذه المراحل بالتفصيل.
ومن هذه النقطة ينتقل بنا المؤلف إلى استعراض ما يعتبره خصائص الإسلام جنوب الصحراء الكبرى، مشيراً إلى أن الإسلام في جنوب الصحراء سني في معظمه ولم تجد فرق أخرى طريقها إلى المنطقة منذ القدم نظراً لعدم نجاحها في تأسيس دول في شمال إفريقيا أو سواحلها الشرقية وهى المناطق التي عبر منها الإسلام إلى القارة السمراء.
فعلى الرغم، مثلاً، من قيام دولة شيعية شمال شرق القارة ـ تونس فيما بين 910 إلى 969، ثم مصر فيما بين 969 إلى 1171 وهى الدولة الفاطمية ـ إلا أن تلك الدولة لم تنجح في فرض المذهب الشيعي في مناطق نفوذها فلم يتيسر له الانتشار خارج تلك المناطق.
كما أن الإسلام الخارجي لم يجد موقعاً له جنوب الصحراء الكبرى نظراً لعدم استقراره وانتشاره في منطقة المغرب العربي في ذلك الوقت ثم لاندثار الإمارات الخارجية قبل أن تتمكن من التوسع.
فضلاً عما سبق يشير المؤلف إلى أن من بين السمات المميزة للإسلام جنوب الصحراء الكبرى شرقاً وغرباً والغالبة عليه في الوقت الحاضر هي التصوف وانتشار الطرق الصوفية فلا يوجد في الغالب مسلم في إفريقيا جنوب الصحراء من دون أن يكون تابعاً لشيخ ومنخرطاً في طريقة
وخادماً لمشروع اجتماعي وثقافي وفي بعض الأحيان سياسي. وقد ساعدت حركات الجهاد في القرن التاسع عشر على انتشاره كما ساعدت حركات مقاومة الاستعمار الغربي على توسع مناطق نفوذه وقد قامت الطرق الصوفية بالمهمة وقاد أصحابها حركات الجهاد كما تزعموا حركات مقاومة الاستعمار والتصدي لمشروع التغريب الذي حاول تمريره.
وفي تناوله لحاضر الإسلام جنوب الصحراء الكبرى يشير المؤلف إلى أنه رغم أن فترة الاستعمار الغربي شهدت توقف حركات الجهاد إلا أن هذا لا يعني توقف انتشار الإسلام في المنطقة وهو الأمر الذي لم ينتشر من قبل عن طريق الحروب.
وإذا كانت سياسة الاستعمار قد سمحت للديانات التقليدية بالبقاء وساعدت حركات التبشير في منافسة الإسلام والسعي إلى وقف انتشاره فإن تلك السياسة قد ساهمت من حيث لا تدري في رسوخ قدم الإسلام في المنطقة وزيادة انتشاره.
مصطفى عبدالرازق
*الكتاب: الإسلام الأسود
*الناشر: دار الطليعة ـ بيروت 2007
*الصفحات:135 صفحة من القطع المتوسط
