مؤلف هذا الكتاب حاصل على دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية جامعة القاهرة صدر له من قبل عدد من الكتب منها آلام العالم العربي، الاغتراب الثقافي للذات العربية، والآخر في مواجهة الذات العربية، وأخيرا الكتاب الذي نعرض له في هذه السطور.
والكتاب نتاج رحلة أبحر خلالها الكاتب في آلام الإنسان العربي تمثل تتويجا لكتبه السابقة. ويشير المؤلف الى أنه تأثر لحد كبير في تناوله للنهج الإنساني بتجربته الثرية في التعاطي مع آلام وعذابات الإنسان العربي.
وفي هذا الخصوص يؤكد المؤلف أن الحياة الإنسانية أثمن وأجل من أن يهدرها من يسميهم تجار الآلام وأنها الدرب الأجدر بأن يسير فيه الإنسان، ففيها متسع للجميع وكيف لا وهي توزن بمقتضى ما فيها للفكر من انطلاق وما تمخض عنه من مثاليات.
في معرض تأكيده على الاختلاف الإنساني يشير المؤلف الى تلك المقولة التي تقرر أن البشرية لوحة فنية ذات ألوان مختلفة يزيد في جمالها اختلاف الصفات والألوان مما يمهد لها سبيل التكامل معتبراً أنها مقولة تجسد الاختلاف والتباين البشريين بوصفهما سنة كونية لا سبيل لتجاوزها أو العبث بها.
في تعريفه للإنسانية يشير المؤلف إلى أن الإنسان وتر مشدود على الهاوية الفاصلة بين لا نهايتين ..الوجود المطلق والعدم المطلق ولذا كان وجوده نسيجا من كل النقيضين. ثم يتطرق الى نشأة مصطلح الإنسانية فيشير الى أن المصطلح أول ما أطلق للدلالة على الحركة الفكرية التي يمثلها المفكرون الإنسانيون في عصر النهضة من أمثال الشاعر الإيطالي الكبير فرنشكو بتراركه ورفاقه.
وحسبما يذكر المؤلف فإن الحركة الإنسانية أو النشورية في مطلع عصر النهضة شأنها في ذلك شأن أية ثورة ثقافية أخرى أعادت تقييم الأوضاع السائدة في العصر الوسيط ثم لم تلبث أن تحدت المعنى الذي خلعه على الوجود زعماء اللاهوت في العصر الحديث.
وكانت الشرارة الأولى في الثورة نهوض جماعة من المفكرين الإنسانيين أعلنت تفسيرا للحياة يتفق مع المفاهيم الآدمية والإنسانية. وقد مضت الجماعة الإنسانية قدما في تحدي الازدراء الذي نظر به رجال الدين في العصر الوسيط الى عالمنا وأكدت جزما أن الأرض مقام جميل طيب وأن الوجود الإنساني هبة ثمينة للغاية.
ثم يقدم لنا المؤلف التعاريف الفلسفية للإنسانية ومن ذلك تعريف الفيلسوف الإنجليزي شيلر بأنها أبسط وجهات النظر الفلسفية وقوامها هو إدراك الإنسان أن المشكلة الفلسفية تخص كائنات بشرية تبذل غاية جهدها لتفهم عالم التجربة الإنسانية. كما هناك تعريف أورده دي روجمون ويرى أن الإنسان ينبغي عليه من الناحية الأخلاقية أن يقصر اهتمامه على ما يدخل في النطاق الإنساني من صفات وفضائل وأعمال.
ويوضح المؤلف أن الرواج العظيم الذي لقيه مصطلح الإنسانية يعد مسؤولا بشكل أو بآخر عن زيادة الاختلاف في معانيه عن مستعمليه من أصحاب الاتجاهات الفلسفية المختلفة فضلا عن كونه مسؤولا كذلك عن كثرة الاختلاط حول المصطلح.
وفي حديثه عن النهج الإنساني المنشود يشير المؤلف الى أن الإنسانية نهج يحترم الإنسان وينزله المنزلة اللائقة به فجوهرها طبقا للمتعارف عليه هو التعريف بالإنسان كأعلى قيمة في الوجود وهدفها هو التمحيص النقدي للأشياء بما هى نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية.
ويضيف ففي رحاب الإنسانية لا يوجد سوى تأويل لا يمكن مراجعته وتحسينه وقلبه رأسا على عقب ولا يوجد كذلك تاريخ لا يمكن استعادته. ثم يتطرق المؤلف بعد ذلك الى استعراض الإنسانية في التاريخ مشيرا الى أنه لم يعد مقبولا في الفهم التاريخي أن نقصر الإنسانية على أبناء حضارة بعينها دون بقية الحضارات
كما يحلو للبعض ان يفعل فهذا من قصر النظر التاريخي أو خداع المنظور أو من عدم الفهم للمدلول الحقيقي للإنسانية. ويتناول المؤلف على هذا الأساس الإنسانية في السوفسطائية اليونانية ـ العصر القديم ـ وفي الفكر العربي الإسلامي العصر الوسيط في محاولة جادة للتعرف على المكانة الحقيقية للإنسانية في التاريخ العام.
في تناوله للإنسانية في العصر القديم يستعرض رؤية السوفسطائية اليونانية وأهميتها حيث إن السوفسطائيين يمثلون لحظة مهمة في تاريخ اليونان الروحي والحضاري فإزاء ما شهدته الأوضاع السياسية في اليونان القديمة من الناحية السياسية لم يعد القادة نبلاء من نوع نبلاء الدم
بل أصبح القادة الجدد الذين تتطلبهم الدولة قادة ممتازين من حيث الفكر والثقافة فكان واجب التربية في هذه الفترة أن تعنى بالإنسان لا من حيث الناحية الجسمية ولكن من حيث التفكير العقلي لهذا كان من المطلوب من كل من يقوم بالتربية في ذلك العصر أن يربي المواطن على فضائل الدولة.
ويذكر أن مهمة السوفسطائيين لم تكن مهمة تربية المواطنين جميعا لكي يؤدي كل مواطن ما عليه بل كان الغرض أن تكون التربية متجهة الى إيجاد طبقة من القادة تستطيع أن تسير أمور الدولة.
وهنا يقرر أن هناك الكثير من الشبه بين السوفسطائية اليونانية وبين عصر النهضة فهما متوافقتان في كل من الحضارتين اليونانية والأوروبية لأن أوجه الشبه بين الحركتين أو النزعتين كثيرة فنزعة عصر النهضة تسمى نزعة إنسانية لأنها أرجعت المعايير للإنسان
واحتفت به احتفاء شديدا وكذلك فعل السوفسطائيون اذ نقلوا البحث من الطبيعة الخارجية الى الإنسان وأرجعوا مصادر القيم سواء ما كان من هذه القيم متصلا بالحق وما كان متصلا بالجمال والخير الى الإنسان نفسه بحسبانه المقوم الأكبر والمشرع الأول والأخير.
فالسوفسطائيون استخلصوا مكانة الإنسان برد التقويم اليه وجعل العقل مركز الكون. ثم ينتقل بنا المؤلف الى تناول العصر الوسيط ـ الفكر العربي الإسلامي حيث يذكر أن مسألة الإنسانية لم تذكر في هذا الفكر بوفرة يعول عليها أو يعتد بها حيث إن الدراسات البارزة في هذا الصدد تكاد لا تتجاوز في عددها أصابع اليد الواحدة.
وفي استعراضه للإنسانية العربية يقدم دراسة للدكتور عبد الرحمن بدوي يرى فيها أن الإنسانية العربية بدأت بصورتها الواضحة القوية في مستهل القرن الرابع الهجري بعد أن مهد لها ابن الراوندي في القرن الثالث الهجري واستمرت تقوي وتعمق مضمونها
وتوسع ميدانها من الدين الى العلم الى الأدب حتى تلقتها الصوفية الإشراقية في القرن السادس ممثلة في مؤسسها الأكبر السهروردي المقتول الذي أعطى الإنسانية ـ والكلام لبدوي ـ كل شعورها بذاتها فكان بهذا أعلى نقطة في تطورها في الفكر العربي الإسلامي.
ومن ثم أخذت تتسع وتصبح أكثر تفصيلا لا علوا بفضل ابن عربي ومدرسته ثم ابن سبعين واستمرت في سيرها ومستلزماتها دون خصائصها الأصلية حتى تبلغ الصدر الشيرازي في القرن الحادي عشر لكنها كانت فقدت مميزاتها الخاصة منذ نهاية القرن السابع ولهذا نستطيع، طبقا لبدوي، أن نحدد تاريخ الإنسانية في الفكر العربي الإسلامي بالمدة من بداية القرن الرابع حتى القرن السابع الهجري تقريبا.
ثم يستعرض دراسة أركون حول النزعة الإنسانية والإسلام فيشير الى تأكيد أركون أن الإنسانية كانت موجودة بين القرنين الثامن الميلادي والحادي عشر أي الثاني الهجري وحتى الخامس في الحضارة العربية الإسلامية الكلاسيكية وكانت نتيجة التزاوج أو التفاعل بين التراث الإسلامي والفلسفة الإغريقية ثم اضمحلت بعد ذلك واختفت بعد الدخول في عصور الاجترار والتكرار.
ويمضي أركون فيبرهن على أن التيار الإنساني وجد في الحضارة الإسلامية لفترة من الزمن غير أنه سرعان ما اختفى بسبب عوامل داخلية وخارجية مادية ومعنوية يطول ذكرها وهو يرى أن الفلاسفة بالمعنى الضيق والواسع للكلمة هم الذين جسدوا هذا الموقف الإنساني المنفتح على العلوم الدنيوية والعقلانية.
وأكبر مثال على ممثلي تيار الإنسانية أبوحيان التوحيدي الذي نعتوه بأنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة فهو لا يتحدث في الفلسفة بشكل خشن جاف كما يفعل ابن رشد أو الفارابي مثلا وإنما بشكل حي منعش من خلال أسلوب أدبي رائع. ويرى أركون أن الشيء ذاته يمكن أن يقال عن الجاحظ الذي سبق التوحيدي بقرن وكذلك مسكويه على الرغم من أن أسلوبه ليس جميلا كأسلوب التوحيدي.
ثم يترجم المؤلف في فصل بعنوان معالم في درب الإنسانية لشخصيات بعينها يرى كذلك إمكانية الاهتداء بها كمعالم في الطريق فإنسانية أصحابها جديرة بأن يلوذ بها الإنسان حين تضيق به السبل وتتكالب عليه الأهواء ويرى المؤلف في هذه الشخصيات أصحاب الضمير الإنساني الحي وهو أهم ما يحتاج الإنسان للاتشاح به في رحلته على طريق الحياة،
فإدوارد سعيد وإقبال أحمد وفرانز فانون لآلئ منظومة كأنها عقد ثمين في جيد الإنسانية رمى ثلاثتهم لكل ما ترومه النفس الإنسانية المتوثبة حين ترق فتكشف لناظرها عما يجول في صدرها من نبل ونقاء.
ويختم المؤلف كتابه بالتأكيد على أنه ليس امضى من الإنسانية أداة يقهر بها المغترب اغترابه ويزود بها عن حقه في حياة كريمة وآمنة وكذا ليس أمضى من الإنسانية أداة تجرد الآخر من أخرويته وتدفعه بعيدا عن الأنانية والمتاجرة بآلام البسطاء معبرا عن أمنيته أن تعي قلوب البشر سمو الإنسانية وروعتها،
متمنيا كذلك أن يتحول بناء الذات الإنسانية ليصبح هدفا يجد من يسعى لتحقيقه ويبذل في سبيله الغالي والنفيس، فليس من قبيل المبالغة أو التهويل القول بأن الإنسان هو الحل وكيف لا؟ وفيه تتجسد كل المعاني الحلوة والقيم الجميلة على نحو قلما توافر في غيره من المخلوقات علاوة على أنه منوط بالإنسان ذلك الكائن النبيل إقامة مملكة السلام في هيكل الوجود الجميل بما يضمن الحياة الآمنة له ولغيره من المخلوقات.
ألفت عبد الله
*الكتاب:الإنسان هو الحل
*الناشر: دار سطور للنشر -القاهرة 2007
*الصفحات:143 صفحة من القطع الكبير

