يتمتع التعبير الشعري العربي بحسب وصف الدكتور محمد صابر عبيد بسلطة تذوّق تاريخية واسعة وضاغطة في حقل التلقّي، تنتشر وتتجلى بين حدود النص الشعري ـ تعبيرياً ـ وحدود التلقي ـ تأويليا .

لذا فإنه بالرغم من الحظوة الاستثنائية التي تحتلّها الرواية بأشكالها الشديدة الإدهاش والتنوّع في مساقات هذا الحقل بفعل ظروف ذوقية وإعلامية كثيرة قاربت عالمنا القرائي الراهن، إلا أن الشعر مازال هو الأكثر حضوراً في الوجدان العربي ـ بمختلف نماذجه القرائية ـ ومازال رحم إبداعه يتدفق شعرا وشعراء.

وان كان يعتقد الدكتور عبيد أن ذلك التدفق لم يكن دائماً في صالح المسيرة الشعرية العربية على مستوى تخصيب حيوات النوع، والارتفاع بجدل التجربة نحو القدرة على إنتاج حداثة شكل توازيها وتستجيب لضروراتها ومعطياتها، فالكثير منه لا يتمكن من الإضافة وليس بوسعه أن يترك بصمات خاصّة ونوعية وفريدة على جسد القصيدة، على النحو الذي لا يكتب له فيها حياة طويلة في ديوانها وسجل تاريخها ولا يتلبث على سطحها طويلاً.

وفي فصل تحت عنوان «تأويل الشكل: حركية التعبير الشعري» يعتقد الناقد أن حركية التعبير الشعري تحظى بأهمية قصوى في القراءة النقدية الحديثة ولاسيما في بعديها الجمالي والسيميائي، إذ أن مفهوم (التعبير) في قدرته على استنطاق التجربة وتفوقه في تمثيلها ينفتح على أوسع المديات وأعمقها حين يتصلب «الشعري»

ويشتغل لسانياً في حقله، على النحو الذي تتوافر له في هذا المضمار طاقة حركية هائلة تخلق منظوماتها واستراتيجيات فعلها وفق نظام متكامل من الحرية، التي تتكشف عن شبكة بنى متآلفة ومتناظرة ومتضادة تعمل باتجاهات ورؤى مختلفة ومتنوعة في سبيل إغناء الفضاء الشعري،

وضخ حيواته المتحركة في الاتجاهات كلها بطاقات قابلة لمضاعفة قوة الإيقاع وتنشيط نويّات الدلالة، وشحن التشكيل بإرادة مفاجئة تؤسطر العمل الشعري وتدفعه إلى ذروة الانشغال الكلي بمصير الإنسان على النحو الذي يمتحن خطورة حضوره الجمالي في الوجود.

وفي معرض حديثه عن تجربة الشاعر عزالدين المناصرة الشعرية، يعتقد أن حركية التعبير الشعري ـ لدى الشاعر المذكور ـ لاتتم بمعزل عن وعي عاطفي حاد يدرك متانة العصب الوجداني والروحي، الذي يتكشف عن خيارات أسلوبية فريدة تحقن رذاذ اللغة الكثيف والفاعل بطاقة تشكيل تتجسد حيواتها في مرايا الصور.

ومن بعد أن يسهب في ضرب الأمثلة بشعر المناصرة ومناقشة تجربته يرى أن من ابرز خصائص التعبير الشعري عنده هو أن حركيته الجمالية والتشكيلية ذات قدرة تطورية واضحة، يسعى الشاعر بوعي إلى إيجاد ملاءمة فنية عالية المستوى بينها وبين خصوصية تجربته الشعرية بكل ما تختزنه من تنوع وتعدد وتمظهر،

لذا فإن نضج التجربة بهذا المعنى يأتي من فاعلية الوعي بضرورة تحسين كفاءة الأداة الشعرية وتحديثها باستمرار، ومضاعفة التشكيل بإجراءاته الفنية والجمالية. في الفصل الثاني من الكتاب، والمعنوّن ب«تأويل الرؤيا: جماليات التشكيل والتعبير»،

يخصص جانباً من نقده لتجربة الشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله، الذي يتميّز ـ بحسب تعبير الناقد ـ بتجربة شعرية شديدة الخصوصية، فهو لا يشبه أي شاعر آخر، وقصيدته ذات تميّز أسلوبي وتركيبي وبنائي يختلف بها عمن سبقوه وعمن جايلوه من شعراء العربية المعاصرين.

ويبدو للناقد عبيد أن الشاعر نصر الله وعى هذه القضية مبكراً، ومن ثم اشتغل عليها بعناية وأناقة معمقاً تميزه ومغايرته لصالح تطوير بنية قصيدته من الداخل، وعلى النحو الذي خلق لها ملامح أسلوبية وفضائية فريدة اختلفت بلغتها ونكهتها وحساسيتها وأشكالها التعبيرية.

وتجتهد قراءة الدكتور عبيد، التي طالت المجموعات الشعرية كلها للشاعر نصر الله، في إظهار ما يمكن إظهاره من تميز واستثنائية وفرادة، تحقق رؤيتها القرائية بالاستناد الحيوي والفاعل إلى القصائد

وهي تؤشر على نحو ما أهم علامات التميز والاستثناء والفرادة، التي ذهبت بالناقد حد وضعه تشكيلاً توصيفياً لقصيدة نصر الله اصطلح على تسميتها ب«القصيدة النصراوية» نسبة إليه، وذلك في سبيل تأسيس متن شعري خاص ينضاف إلى المتون الأصيلة ـ النادرة ـ في الشعرية العربية الحديثة، حسب وصفه.

وتدخل القراءة النقدية في «القصيدة النصراوية» عبر مقاربة «المزاج الشعري» الذي يتمظهر بين نكهة الحضارة وطعم الحقيقة»، لتراقب «طائر الضوء» وهو ينثر غباره الشعري على الأماكن والأزمنة والرؤى والأرواح والأجساد، باثّاً في كل منعطف حيوي منها قبساً من روحه، ومستلهماً منها بعثه الدائم في ربيع تموزيّ لا يملّ الولادة.

وفي غير مكان يتساءل الناقد عما إن كان بوسع الإنسان الحديث أن يقتنع «بأن قصيدة من القصائد قادرة على أن تحدث في حياته تغييراً أو تأثيراً باقياً». ليرى أن الشعر بمزاجه الفريد «ينتقل بطريقة ما بين العالم والإنسان»، طريقة مشحونة بنكهة الحضارة وطعم الحقيقة وروح الفن، تكشف الحجب وتستمطر الرؤى والخيالات من أجل أن «تجعل العالم يعني شيئاً»،

على النحو الذي يندفع فيه الشاعر بدلالة مزاجه الشعري إلى «أن يتصالح مع العالم ومع ما كان خلوا من المعنى فيه، ويضطره إلى أن يكون ذا معنى: إلى أن يتمكن من جعل الصمت يجيب وجعل اللاوجود موجوداً. مرتئياً انه عمل يأخذ على عاتقه أن «يعرف» العالم لا عن طريق التأويل أو الإيضاح أم البرهان،

لكن مباشرة كما يعرف الإنسان التفاح في فمه، ذلك لان الشعر في مزاجه النوعي المتعالي «هو طريقة من الطرق غير العقلية الموصلة إلى معرفة أرقى للحقيقة»، تجعلنا نحسّها ونتذوق طعمها من دون تكلّف أو إرهاق.

فالشاعر الحق هو الذي يفكر شعرياً في الأشياء ـ حسب هيدجرـ هو كالفيلسوف الحق مخرّب على نحو جذري لا ينتظم أبداً في سلسلة التدجين المنطقي المتصالح مع الموجودات والسوائد والمألوفات،

بل يشتغل بمرونة عالية وشفافية مدهشة على تنقية مزاجه من شوائب الآني والثابت ليتدخّل تدخلاً رشيقاً في إيقاع أرواحنا، و«يدعنا نكون» في انفتاح ملتهب بالجدة على نكهة مختلفة وطعم مغاير.

ويعتقد الناقد أن القصيدة وهي تغامر في البحث عن مزاجها الخاص تنشط كثيراً في تجديد وتنشيط وبعث جديد لعناصرها ومكوناتها، إذ يكون بوسع هذا المزاج أن يشحنها بكفاءة عالية مضاعفة وقادرة على توجيه الفضاءات التي تعمل فيها على نحو التغيير الحضاري والصناعة الجمالية واستثارة مكامن الإدهاش.

تحت عنوان: «تأويل الرمز: نظم التعبير وحساسية التصوير» يأتي الفصل الثالث المكوّن من مدخل وحديث عن صياغة ال«كتاب» بين الإحالة والدلالة، والأنا الشاعرة والمكان، والتمركز الأنوي، إضافة إلى توطين الجسد وتجسيد المكان، وأخيراً شعرية الاستهلال.

في مدخل الفصل الثالث يرى الدكتور عبيد أن الأعمال الشعرية للشاعر عبد الله رضوان تندرج في إطار المفهوم الواسع لشعر التجربة، الذي يسعى في جانب فني منه إلى تطوير آليات العمل الشعري وتقاناته

والسعي إلى رفده بكل ماتيسّر من شروط الإبداع في أنساقها الحداثية، كما يسعى في جانب تكويني منه آخر إلى استيعاب التجربة/القضية، وتمثّلها، والتعبير عن روحها، وشعرنتها عبر التوغل العميق في الأفضية الباطنية واستثارة جمالياتها كلما تطلّب الأمر ذلك.

ليرى أن تجربة الشاعر عبد الله رضوان الواسعة والعميقة الممتدة زمنياً من مجموعة «خطوط على لافتة الوطن 1977»، مروراً بسبع أخريات حتى «شهقة الطين 2001»، وما يتبع ذلك من وعود قادمات تبشر بهن التجربة، توغل في رؤى وأساليب وأشكال واستخدامات متنوعة تتماهى مع تجربة الشعرية العربية الحداثية في مواضيع، وتجتهد في اجتراح سبل جديدة تخصّها في مواضيع أخرى.

معتقداً أن الشاعر رضوان اشتغل على القصيدة المركزة بكل ما تنطوي عليه من تركيز وتكثيف وتبئير وتوظيف للتقانات والآليات الفنية الملائمة، كما في قصائد «فستان برفين الأزرق/حمائم/أسرار/فراق حبيبي/تفاحة الوقت/قلب العاشق/أقواس» و غيرها. إضافة إلى اشتغاله على القصيدة المتجوهرة انطلاقاً من فكرة رمزية،

أو شخصانية، أو ميراثية، أو مكانية، أو قناعية، مستثمراً فيها طاقات مستوحاة من فنون إبداعية أخرى، وساعياً إلى إخضاع الامكانات المتاحة كلها لخدمة النص الشعري الذي يجتهد في استحداث موازنة عادلة بين المتون والهوامش، البؤر المركزية والتفاصيل، الحضورات والظلال.

وبحسب رأي الدكتور عبيد أن الاشتغال الشعري للشاعر رضوان ينطوي على تجارب في القصيدة الشاملة ذات الحسّ الملحمي والدرامي والسردي والسينمائي والتشكيلي في قصائد «الخروج من سلاسل مؤاب/الغريب/شهقة الطين»،

عبر استنطاق الأزمنة والأمكنة واستدراج التاريخ والشخوص والحوادث والوقائع والمدونات، فضلاً عن تحريض الروح الملتاعة المجربة والمغامرة على كسر الحدود وتحطيم الحواجز، في سبيل الضغط على المناطق المضنية والمشرقة في جسد الميراث لاستنهاضه واستخلاصه شعرياً.

وإذا كان «الميراث» هو الرافد المركزي الأساس في شعرية رضوان لاعتبارات كثيرة، يتعلق أهمها بالفلسفة الشعرية التي يعتمدها الشاعر ويمنهج اشتغالاته الشعرية على أساسها، فإن «الأمكنة» بحساسياتها وقيمها الشعورية الهائلة ومساسها العاطفي العميق بوجدان التجربة وزخمها الانفعالي،

كانت رافداً مركزياً آخر لا يقل شأناً عن «الميراث» في سياق عمل الذاكرة والحلم معاً، فضلاً عن أنه يتواصل ويتشاكل ويتضافر معه على نحو عميق وفعّال من جهة وتشكيلي وجمالي من جهة أخرى.

ينطوي الكتاب على ثلاثة فصول، ويندرج تحت عنوان كل فصل عدد من العناوين الفرعية التي تعالج وتعاين عدداً من القضايا الشعرية الراهنة في ضوء تجارب عدد من الشعراء المعاصرين.

أُبيّ حسن

*الكتاب:إشكالية التعبير الشعري (كفاءة التأويل)

*الناشر: إصدار خاص في دمشق بدعم من وزارة الثقافة الأردنية - عمان 2007

*الصفحات:300 صفحة من القطع الكبير